2 - سَـتهربُ، إذن.
“آآآه!”
أطلقتِ الخادمةُ صرخةً حادّة.
وتحت قدميها تناثرتْ فنجاناتُ الشاي المكسورةُ والإبريق.
كانتِ الخادمةُ التي وصلتْ تَوًّا تحدّقُ في الأمير الواقف أمامها والدموعُ تنهمرُ من عينيها.
بشرةٌ شاحبة، وجسدٌ نحيل، ووجهٌ هزيل.
كان شعرُه الأسودُ الداكنُ كسَماءِ الليل، وعيناه الرماديتان واضحتين كأنَّهما تُحدّقانِ في قمرٍ مستدير.
ذلك الرجلُ الذي لم يمضِ على بلوغِه سنَّ الرشدِ طويلًا بدا وكأنَّه تحفةٌ صاغها الإلهُ بعناية.
ملامحُ دقيقة، وسماتٌ بارزة، وعينانِ مائلتانِ بحدّةٍ كعينَي قطّ، وأنفٌ وفمٌ يوحيانِ بعنادٍ شديد.
لم يكن فيه عيبٌ واحد يُؤخَذ عليه.
“قلتُ لكِ ألّا تلمسي جسدي.”
“لَمْ، لَمْ ألمسْه. إنَّني فقط أردتُ أنْ أسكبَ لك الشاي…”
“تبًّا.”
ومهما كان الأمر، فقد نهضَ الرجلُ من فوقِ السرير واقتربَ ببطءٍ من الخادمةِ الساقطةِ على الأرض.
“اختفي.”
“لكنَّ السيّدةَ… آآه! س، سيدي!”
شهقتِ الخادمةُ حين رأتِ الأميرَ يدوسُ شظايا الزجاجِ بقدمٍ حافية.
غرستِ القطعُ الحادّةُ نفسَها في قدمِه حتى ظهر الدم، ومع ذلك ظلَّ ينظرُ إليها بثباتٍ دونَ أنْ يُظهرَ أيَّ علامةِ ألم.
“أترينني أضحوكة؟”
“أ، أبدًا. إنَّني فقط نفّذتُ الأوامر. لقد طلبتِ السيّدةُ أنْ أقدّمَ لك الشاي وأتحدّثَ عن الزواج…!”
“لَن أسمعَ تلك الكلمةَ اللعينةَ أمامي.”
“س، سيدي…”
اقتربَ ريان بوجهِه من الخادمةِ وأمسكَ إحدى شظايا الإبريقِ الملقاةِ على الأرض.
كانتِ القطعةُ الحادّةُ مناسبةً تمامًا للقطعِ أو الخدش.
“لَا، لَا تفعل! أرجوكَ لَا تفعل!”
أدركتِ الخادمةُ نيتَا فانحنتْ على ركبتيها.
“سواءٌ مِتُّ الآن أم لاحقًا فالأمرُ واحد، أليس كذلك؟”
“لَا! لَا! أيّها كبيرُ الخدم! رئيسةُ الخادمات!”
“لماذا، أَلَمْ تكوني أنتِ أيضًا تتمنّين موتي؟”
“لَا، لَا! حقًّا لَا!”
في تلك اللحظة، انتبهَ كبيرُ الخدم والمرتزقةُ في الخارج إلى الضجّةِ واقتربوا مسرعين.
“أيّها الأمير، ارجوكَ اهدأ!”
“……”
تأمّلهم ريان بعينين جافتين، ثمَّ شدَّ قبضتَه حول الشظيّة.
انغرستِ القطعةُ في يدِه بعمقٍ حتى اندفعَ الدمُ كالماءِ، ناشرًا رائحةً معدنيّةً ولونًا داكنًا.
وبينما كانتِ الخادمةُ ترتجفُ كفأرٍ مبتلّ، تقدّمَ كبيرُ الخدم نحوه بهدوءٍ وكأنَّ هذا المشهدَ مألوفٌ لديه.
“سيدي، يجبُ علاجُ الجرحِ فورًا!”
“دَعْ ذلك، وأخرجِ الخادمة.”
حين رمى ريان الشظيّةَ أرضًا، لم تستطعِ الخادمةُ النهوضَ، فاكتفتْ بالتراجعِ مستندةً إلى يديها.
وبمساعدةِ أحدِ المرتزقةِ وقفتْ وهي تبكي قائلةً: “لَا أستطيعُ الاستمرار، حقًّا لَا أستطيع.”
أشارَ كبيرُ الخدم أنْ أخرجوها سريعًا، ثمَّ أمرَ بإحضارِ الطبيب.
وفي الأثناء، استلقى ريان على السريرِ بطبيعيّةٍ ونظرَ إلى الخارجِ بوجهٍ شارد.
“سيصلُ الطبيبُ قريبًا.”
“تلك الخادمةُ ستستقيلُ إذن. كم مرّةً حدثَ هذا؟”
“……”
“حتى إيجادُ خادمةٍ جديدةٍ سيغدو صعبًا الآن، أليس كذلك يا كبيرَ الخدم؟”
انحنى كبيرُ الخدم رغمَ نبرةِ السخرية.
“هناكَ كثيراتٌ يرغبنَ في الانضمامِ إلى عائلةِ سولتير، سيدي.”
“يا للخسارة.”
“ستصلُ عروسُك قريبًا.”
عروس.
بمجرّدِ سماعِ الكلمةِ تشقّقَ وجهُ ريان كزجاجٍ تحطّم.
“إنَّها سيّدةٌ نبيلةٌ بحقّ، من عائلةِ وينترِليت الحاصلةِ على لقبِ كونت.
وتمتلكُ شعرًا أشقرَ جميلًا—”
“اصمت.”
توقّفَ كبيرُ الخدم للحظةٍ أمامَ نظرةِ ريان الحادّة، ثمَّ تابع:
“ستُعجبُك بلا شك.”
“بعدما فشلتم مع الخادمات، ستجلبون تلك السيّدةَ النبيلةَ لتُلازمني إذن.”
“هذا من أجلِ عائلةِ سولتير، سيدي.”
“بل من أجلِ دوقةِ سولتير تحديدًا.”
صرَّ ريان على أسنانِه.
كانتْ أمُّه، التي أنجبتِ الابنَ الأكبرَ والثاني، قد توفّيتْ مبكرًا بالمرضِ نفسِه الذي يُعانيه.
ثمَّ دخلتْ الدوقةُ الحاليّة، امرأةٌ شابّةٌ أنجبتِ الابنَ الثالث.
كانتْ شابّةً ذكيّة، لكنَّها أيضًا جشعة.
هي مَن أغرتِ الابنَ الأكبرَ بالتديّن حتى صارَ كاهنًا.
وحاولتْ دفعَ ريان إلى الطريقِ نفسِه، غيرَ أنَّ اهتمامَه كان منصبًّا على العلومِ العسكريّةِ والسياسة.
لكنَّ الحظَّ حالفَ الدوقة؛ فحين بلغَ ريان السابعةَ عشرةَ أصيبَ بالمرضِ المزمنِ ذاته.
وهكذا صارَ الابنُ الثالثُ وريثَ دوقيّةِ سولتير طبيعيًّا، وخسرَ ريان كلَّ شيء.
والآن ماذا؟
زوجة؟ زواج؟
“كانَ الأجدرُ بكم أنْ تبحثوا لي عن عروسٍ شبحٍ تُدفنُ معي عندما أموت.”
“سيدي…”
وبينما كانَ ينظرُ عبرَ النافذة، لمحَ قِمّةَ رأسِ امرأةٍ شقراءَ تدخلُ إلى الملحق.
أهذهِ هي؟ المرأةُ الحمقاءُ التي بيعتْ في زواجٍ سياسي؟
“شهرٌ واحد.”
“نعم؟”
“ستفرُّ تلك الدوقةُ من هذا القصرِ خلالَ شهر.”
—
“يبدو أنَّ حادثًا صغيرًا وقع.”
قالتْ رئيسةُ الخادمات بصوتٍ خالٍ من الانفعال وهي تنظرُ إلى شظايا الزجاج. حادثٌ؟
كانتْ آناستا قد كسرتْ نوافذَ زجاجيّةً عدّةَ مرّاتٍ من قبل، لذا عرفتْ أنَّ ريان هو مَن حطّمَ النافذةَ بنفسِه.
وفوقَ ذلك، تلك النظرةُ التي ألقاها عليها وهو جالسٌ على حافّةِ النافذة.
“غرفتُك هنا.”
بينما كانتْ تفكّرُ في ريان، قادتها رئيسةُ الخادمات إلى غرفةٍ مجاورةٍ ذاتِ بابٍ كبير.
أدركتْ آناستا بغريزتِها أنَّ الغرفةَ المجاورةَ هي غرفةُ ريان.
“لقد رتّبنا الداخلَ بعناية. إذا احتجتِ إلى أيِّ شيءٍ فأخبرينا.”
“إنَّها غرفةٌ رائعة.”
قالتْ ذلك وهي تتأمّلُ مساحةً أوسعَ وتجهيزًا أفضلَ بكثيرٍ من الغرفةِ التي أقامتْ فيها لدى عائلةِ الكونت.
“لكن ما هذا الباب؟”
اكتشفتْ بابًا في الجدار، بدا وكأنَّه يصلُ بالغرفةِ المجاورة…
“أحيانًا يُغلقُ الأميرُ بابَه، وعندها يمكنُ الدخولُ عبرَ هذا الباب.”
وأعطتها رئيسةُ الخادمات مفتاحًا.
“هل يعني هذا الدخولَ قسرًا؟”
“ليسَ عادةً. لكن عندما يرفضُ الأميرُ تناولَ الدواءِ أو الطعام، نستخدمُ هذا الباب.”
أدركتْ آناستا فورًا أنَّ تلك المهمّةَ ستقعُ على عاتقِها.
“استريحي اليومَ جيدًا، وسنخبرُكِ بما عليكِ فعلُه غدًا.”
طَق.
أُغلِقَ الباب.
رغمَ أنَّ المكانَ كان غريبًا، لَمْ ترتجفْ آناستا خوفًا؛ فقد سمعتْ كثيرًا من الشائعاتِ عن أميرِ سولتير قبلَ مجيئِها.
وفوقَ ذلك، عاشتْ عشرينَ عامًا مع والدينِ لا يُشبهانِ الوالدين.
دموعُ الآخرين؟ لقد رأتْ منها ما يكفي ليُصيبَها بالاشمئزاز.
غضب، شهوة، ترف، جشع، غرور… أَلَمْ تختبرْ قاعَ البشريّةِ كلَّه من قبل؟
لذلك بدا هذا المكانُ بالنسبةِ إليها أشبهَ بالجنّة. جنّةً هادئةً للغاية.
خلعتْ معطفَها واستلقتْ على السرير.
‘ناعم…’
كان أفضلَ بكثيرٍ من الأرضِ الباردةِ التي اعتادتِ النومَ عليها.
ولعلَّ ذلك هو السببُ في أنَّها غرقتْ في نومٍ عميقٍ فورَ أنْ أغمضتْ عينيها.
وبينما كانتْ غارقةً في راحةٍ لم تتركْ لها مجالًا حتى للأحلام، أمسكَ أحدُهم يدَها بقوّة.
‘مرّةً أخرى.’
كانَ هذا ما تفعلهُ أمُّها السَّكْرى حين تدخلُ غرفتها، توقظُها عمدًا لتُفرغَ غضبَها.
وكانَ عليها دائمًا أنْ تُنصتَ وتتحمّلَ الإهاناتِ والتوبيخ.
لكن عندما فتحتْ آناستا عينيها بهدوءٍ كعادتِها، توقّفتْ أمامَ المشهدِ المختلف.
هذا لَمْ يكن منزلَ الكونت.
والشخصُ فوقها لَمْ يكن أمًّا عجوزًا، بل رجلًا فاتنًا يخطفُ الأنفاس.
“أنتِ.”
“……!”
“لماذا جئتِ إلى الغرفةِ المجاورةِ لي؟”
قطّبَ الرجلُ حاجبَيه وحدّقَ فيها بنظرةٍ مشتعلةٍ غضبًا.
غيرَ أنَّ آناستا، بدلَ أنْ تفزع، راحتْ تُقيّمُ الموقف.
الرجلُ أمامها هو ريان سولتير.
والبابُ الواصلُ بين الغرفتَين كان مفتوحًا.
‘إذًا لَمْ يكن مُغلقًا…’
أو لعلَّه هو مَن فتحَه.
“السيّدةُ التي بيعتْ.”
قالها ريان ساخرًا عن عمد.
“ليسَ هذا وقتَ تشغيلِ عقلكِ بكسل.”
“لَمْ أخترْ هذه الغرفة.”
خرجَ صوتُها أخيرًا؛ هادئًا ورنّانًا على نحوٍ غيرِ متوقّع، فتوقّفَ ريان لحظةً.
تأمّلها وهي تحتَه. كانَ من الطبيعيِّ أنْ تفزعَ بعدَ استيقاظِها المفاجئ، لكنَّها بدتْ هادئةً ومتّزنة.
وذلك ما أثارَ انزعاجَه.
“اطلبي تغييرَ الغرفة.”
“لَيسَ لي خيارٌ، سيدي.”
“لَيسَ لكِ خيار؟ أنا رجلٌ وأنتِ امرأة.
أترغبينَ في التعرّضِ لشيءٍ كهذا؟”
وبينما يتكلّم، مرّرَ يدَه بخفّةٍ فوقَ بطنِها من فوقِ الثياب.
عند الإحساسِ الغريبِ الملتبس، عبستْ آناستا قليلًا.
Chapters
Comments
- 2 - سَـتهربُ، إذن. منذ 10 ساعات
- 1 - العروسُ التـي بيعت. 2026-02-04
- 0 - المُقدمـة: الهاربــة. 2026-02-02
التعليقات لهذا الفصل " 2"