1
دِلنك… دِلنك…
دِلنك… دِلنك…
في ساحة مظلمة لا يُرى فيها ظلُّ إنسان، يتردَّد صوت أجراسٍ مخيفةٍ لا ينقطع.
ما يملأ المكان لم يعد يُسمَّى بشرًا.
موتى ليسوا بأموات، وكانوا بشرًا يومًا ما لكنهم لم يعودوا بشرًا الآن.
في كلِّ زاويةٍ ومفترق، كانت الأجراس معلَّقة بخيوطٍ تتشابك مع أجسادهم، فكلما تحرَّكوا وأصدرت الأجراس رنينها الرتيب — دلنك دلنك — يلتفتون حولهم بنظراتٍ وحشيةٍ حادَّة، ثم يعاودون البحث عن فريسةٍ جديدة بخطى بطيئة.
ما يتوقون إليه هو الكائنات الحيَّة النابضة بالحياة.
وبخاصةٍ دم الإنسان ولحمه، يريدون تمزيقه قطعًا صغيرةً، يمضغونها ويتذوَّقونها، فتتوهَّج أعينهم الحمراء في كلِّ الاتجاهات بحثًا عن ذلك.
فجأة، التفتت رؤوسهم جميعًا نحو اتجاهٍ واحد.
«آه!»
من طرف الشارع الكبير، اندفع رجلٌ مذعورًا، فلما رأى تلك الأنظار المركَّزة عليه صرخ صرخةً مذعورة وسقط أرضًا.
«أبي… أبي…»
«صَهْ! ماري، اسكتي.»
تحت نافذة منزل قريب من الساحة، كانت إيلين مختبئة، تكتم أنفاسها وهي تضع يدها على فم الفتاة الصغيرة التي كانت تبكي.
كانت الطفلة تجهش بالبكاء دون صوت، تذرف الدموع وترتجف رعبًا.
لقد حذَّرتهم مرارًا وتكرارًا.
حين يحلُّ الليل، تعود الجثث لتصبح وحوشًا تسعى في الأرض، فلا يجوز لأحد أن يخرج من الباب.
لا نور، لا رائحة، لا أثر — لا شيء يُترك يفضح وجودكم.
اختبئوا كالموتى حتى ينجلي الظلام.
ومَن يخالف هذا التحذير فلن يمدَّ إليه يد العون، ولن يخرج أحدٌ لإنقاذه.
هكذا تنجون يومًا بعد يوم.
لكن ذلك الرجل لم يصغِ إلى الكلام.
كان يعتقد — أو بالأحرى يتوهَّم — أن العاصمة، حيث القصر الملكي، قد نجت من لعنة هذه الوحوش، وأنها لا تزال تعيش حياةً هانئةً كما في السابق.
ولو استطاع الوصول إليها، فسيعود كلُّ شيءٍ إلى ما كان عليه من سلام.
هذا الوهم هو الذي قاده إلى حتفه.
«اصبري قليلاً… قليلاً فقط، يا ماري.»
كان من دواعي الارتياح الوحيد أن الرجل — إدراكًا منه أن الطريق لن يكون سهلاً — قد ترك ابنته ماري ومضى وحده.
ولو لم تُدرك إيلين الأمر وتُسرع للحاق بالطفلة التي ركضت خلف أبيها، لكانت قد ضاعت.
‘لا… لا يمكن القول أننا أنقذناها بعد.’
فالصباح، الذي يُبطئ حركة هؤلاء الزمبي، لا يزال بعيدًا جدًّا.
ولا أمل في قدوم يدٍ أخرى للإنقاذ.
لقد كرَّرت إيلين القاعدة حتى ملَّ لسانها أمام الجميع:
لا تُخاطروا بأنفسكم لإنقاذ مَن خالف التعليمات.
فذلك سيُنتج مزيدًا من الزمبي، وسيُسلِّم الإقطاعية بأسرها للوحوش في نهاية المطاف.
لذلك، حتى لو وقعت إيلين نفسها في مثل هذا الموقف يومًا، فلا يجوز لأحد — أبدًا — أن يأتي لإنقاذها.
«آآآه! أنقذوني!»
حاول الرجل النهوض مرة أخرى، لكن أحد الوحوش أمسك بساقه.
صرخته كانت كالإشارة، فاندفع كلُّ ما في الساحة من ظلالٍ سوداء نحو نقطةٍ واحدة.
الحركة البطيئة المتصلبة التي كانت تتمايل بغرابة، تحولت فجأة إلى حركةٍ حيوانيةٍ رشيقةٍ وسريعة.
كرررر… كررر… دلنك… دلنك…
الوحوش التي تتسابق لتتذوَّق قطعةً من اللحم الطازج، ترمي بأجسادها فوق الرجل الذي سقط، واحدًا تلو الآخر.
«أنقذ… أغيث… آآآآآهـ!»
لم يطل صراخه.
سرعان ما ابتلعته موجةٌ من الرمادي الداكن العنيف، فتمزَّق جسده إرباً إرباً واختفى في الموت الذي هو أبعد من الموت.
وحين توقَّف الصراخ، بدأ صوتٌ مرعبٌ آخر يتعالى بلا هوادة.
«أبي… أبي… هيئ…»
ارتجفت الطفلة من جديد، وهي تستمع إلى أصوات تمزُّق أبيها.
كانت عيناها تتسعان حتى فقد بؤبؤهما التركيز، وكأن الرعب قد جمَّدهما.
احتضنت إيلين ظهر الفتاة الصغير بحنان، تمرِّر يدها عليه برفق، وهي تتضرَّع في قرارة نفسها أن يُمحى هذا الكابوس الرهيب سريعًا من ذاكرة الطفلة، وأن تدفعه ذكرياتٌ أخرى إلى أعماق النسيان.
كان وقت الافتراس قصيرًا.
تلك العيون الحمراء التي تجمَّعت عند جثة الرجل، بدأت تتفرَّق رويدًا رويدًا في كلِّ الاتجاهات، تبحث عن فريسةٍ حيَّةٍ جديدة.
كررر… غرررر…
دلنك… دلنك….
هكذا يستمرُّ الليل الطويل.
كان عواء الوحوش الحادّ الذي يمزّق الليل قد خفَّ تدريجيًّا، ليصبح همهمةً منخفضةً غليظةً تشبه الغرغرة.
كان ذلك من دواعي الارتياح.
رغم العدد الهائل الذي تجمَّع، لم يظهر بينهم أيُّ متغيِّر — لا وحش مشوَّه أو متحوِّل.
لو استطاعتا البقاء هكذا مختبئَتين بهدوء حتى يطلع الصباح، لأمكنهما العودة إلى داخل القلعة سالمَين…
«هيي!»
لا… لم يعد بإمكانهما العودة.
حين التفتت إيلين لتحذِّر ماري بالصمت، رأت الفتاة تضع يدها على فمها بقوة، وتشير بيدها الأخرى نحو مكانٍ ما في الساحة.
تبعت إيلين إشارة الفتاة بنظرها، فالتقى بصرها بعينَيْ كائنٍ أضخم بكثير من البقية.
لم يعد يشبه الجثث بعد الآن، بل كان أقرب إلى شيطانٍ تجسَّد.
على عكس الآخرين، كانت عيناه صفراوَين كعيون الوحوش الجائعة، متوهِّجتَين بحدَّة، وموجهتَين بدقةٍ نحو النافذة التي اختبأتا خلفها.
متغيِّر — زومبي متحوِّل.
«انتبهي. يجب أن نغادر فورًا.»
وجود متغيِّر يعني أن هذا المبنى المتداعي لم يعد مأوى آمنًا.
نهضت إيلين، وهي تسند ماري التي كانت تغطّي أذنَيْها وترتجف بعنف، وتساعدها على الوقوف.
في داخل أسوار القلعة، كان هناك مكانٌ واحدٌ فقط يمكن أن يصمد أمام تهديد المتغيِّر طوال الليل.
مخزن الحبوب القريب من البوابة الرئيسية.
مبنى من الحجر، قليل النوافذ، وبابه مكسوٌّ بطبقةٍ من الحديد.
حتى لو تجمَّع عددٌ كبير من الزومبي، فسيصمد لفترةٍ كافية.
المشكلة الوحيدة هي: كيف نصل إليه؟
نظرت إيلين من النافذة مرة أخرى، فرأت المتغيِّر يتقدَّم نحوهما بخطى بطيئةٍ وثابتة.
حان وقت التحرُّك.
***
في النهاية، لم تتمكَّنا من قطع نصف المسافة حتى أُحيطتا بالزومبي من كلِّ الجهات.
«قاطع الريح!»
مدَّت إيلين يدها، فانطلقت شفراتٌ من الريح الحادَّة، تقطع رؤوس الزومبي المتجمِّعين أمامهما كأنه حصادٌ يتساقط.
تقدَّمتا عدة خطوات عبر الفراغ الذي أحدثته.
لكن سرعان ما انسدَّ الطريق مجدَّدًا بجموع الزومبي الجديدة.
سرعة تقدُّمهما في شقِّ الطريق كانت أبطأ من سرعة اقتراب الزومبي من الخلف.
«آسفة يا آنسة… بسببي… بسببي أنتِ أيضًا… هيئ…»
«لا تُضيِّعي قواكِ في البكاء يا ماري. يجب أن تبقي عقلكِ صافيًا.»
ثلاث سنوات من التعلم الجادّ، وصلت بها إلى مستوى السحر المتوسط فقط.
كانوا يقولون أن ذلك بحدِّ ذاته إنجازٌ ممتاز، لكن بعد كلِّ هذا الاستعداد والتخطيط، بعد أن قطعتا كلَّ هذا الطريق، لا يمكن أن تموتا هنا ولم يبقَ سوى عامٍ واحد.
«كرة النار!»
كييييخ.
انطلقت كرةٌ من اللهب من أطراف أصابعها، أصابت ثلاثة زومبي في آنٍ واحد.
وبما أنهم كانوا متلاصقين، انتشرت النيران بسرعة بين صفوفهم.
حين حاولت إيلين اختراق الحشد المشتعل، توقَّفت فجأة، وقد ارتسمت على وجهها ملامح اليأس التام.
‘آه… لِمَ في هذه اللحظة بالذات…’
وراء الزومبي المحترقين، وقف المتغيِّر.
فمه الممزَّق طويلاً كان يرتفع من جانبٍ واحد كأنه يسخر منهما، من الزاوية التي أُحيطتا فيها.
كأن النيران لا تعنيه شيئًا، شقَّ طريقه بين الزومبي المشتعلين، ثم انحنى كمن يستعدُّ للانقضاض…
شووو… طق.
طار سهمٌ واحد، و اخترق عنق المتغيِّر، ثم شعرت إيلين بحركةٍ خلفها.
«يا آنستَيْ، عذرا على الإزعاج للحظة.»
صوت رجلٍ غريب، ثم يدٌ قويَّة جذبت خصر إيلين بقوة، وحملتها — وماري معها — إلى أعلى، لترتفعا فجأة إلى سطح أحد المباني المجاورة.
على السطح، استقبلهما خمسة أو ستة أشخاص يرتدون زيَّ الفرسان.
تحت ضوء القمر الخافت — الذي كان خلفهم — كانت ملامحهم صعبة التمييز.
لكن ما كان واضحًا هو طول قاماتهم، صلابة أجسادهم، والهيبة الطاغية التي تفوح منهم.
‘لا… لا يمكن…’
نظرت إيلين إليهم في حيرة وارتباك، وسألتهم بصوتٍ مرتجف:
«مَن… مَن أنتم؟»
«هل هناك مكانٌ آمنٌ يمكن البقاء فيه حتى الصباح؟»
جاء الجواب — أو بالأحرى السؤال — من الرجل الطويل الذي رفعها إلى هنا.
كان أطول من الآخرين بمقدار شبرٍ على الأقل.
شعر أسود يتطاير مع الريح، خطُّ فكٍّ حادٌّ ومنحوت، وعينان زرقاوان تتلألآن بضوء القمر الباهت.
حدَّقت إيلين فيه مذهولة، كأن روحها قد فارقتها للحظة.
الرجل الذي طالما اشتاقت لرؤيته، والذي حاولت في الوقت ذاته تجنُّبه بكلِّ ما أوتيت من قوة…
كان يقف أمامها الان.
في أعماق بطنها، اختلطت النشوة بالقلق، وتقلَّبت في دوامةٍ لا تهدأ.
‘لا… لا يمكن… الآن، في هذه اللحظة بالذات؟’
رغم أنها كرَّرت في نفسها مرارًا أنه لا يمكن أن يكون هو، إلا أن رعبًا باردًا تسلَّل إلى جسدها، كأنها قد وضعت قدمَيْها — رغمًا عنها — على الطريق الذي طالما حاولت الفرار منه.
ارتجفت إيلين ارتجافا خفيفا.
«الأمر مستعجل، فأجيبي أولاً.»
صوته المنخفض، لكنه يتردَّد بوضوحٍ في أذنها، كان يحمل هيبةً قاهرة.
ثبَّت الرجل عينَيه الزرقاوَين الخاليتَين من العاطفة على إيلين، ثم أشار برأسه نحو الأسفل، كأنه يأمرها بالإسراع في الجواب.
خلال اللحظات التي كانا يُرفعان فيها إلى السطح، أصيب المتغيِّر بسهمَين إضافيَّين، فأخذ يتخبَّط بعنفٍ ويحاول تسلُّق الجدار.
عواؤه الجهير جعل الزومبي يتجمَّعون نحوه ككرة الثلج المتدحرجة، يتكاثرون بسرعة مخيفة.
سواء كان هذا الرجل هو ذاك الذي حاولت تجنُّبه بكلِّ ما أوتيت، أم لا… الآن لم يكن وقت التفكير في ذلك.
كان عليها أن تنقذ حياتها أولاً.
أشارت إيلين بسرعة نحو مخزن الحبوب الذي يبدو قريبًا نسبيًّا.
«مخزن الحبوب ذاك. لكن يجب أن نتخلَّص من المتغيِّر أولاً.»
«حسنًا.»
أجاب الرجل بلامبالاة، ثم أخرج فأسًا كان مربوطا على خصره ورماه نحو المتغيِّر.
هويي… هويي… طق.
دار الفأس في الهواء بسرعة، واستقرَّ بدقةٍ في عنق المتغيِّر.
«كررر… كآآآه!»
ظلَّ الوحش يتخبَّط بعنف رغم أن الفأس قد غرز نصفه في عنقه، وأطلق عواءً مرعبًا.
«يجب أن تنهوه تمامًا. لديه قدرة تجدُّد قوية جدًّا،»
«أعلم.»
قاطعها بكلمة واحدة، ثم انتزع الرمح من يد أحد الفرسان المجاورين ورماه مرة أخرى.
«كح.»
استقرَّ الرمح فوق الفأس المغروز في العنق بدقة، وقطع رأس المتغيِّر قطعًا تامًّا.
نظر الرجل إلى الرأس المتدحرج على الأرض بعينَين جامدتَين خاليتَين من أي شعور، ثم أشار نحو مخزن الحبوب.
«تحرَّكوا.»
مع إشارته باليد للانتقال، أُمسك خصر إيلين مرة أخرى كأنها قطعة أمتعة، وضُمَّت إلى جانب الرجل الغريب.
أما ماري، فقد كان أحد الفرسان الآخرين يحملها بالفعل على كتفه.
لم تفكِّر إيلين ولو للحظة في الإصرار على السير على قدمَيْها.
كانت حركات الفرسان وهم يقفزون بين الأسطح استثنائية، وما رأته من مظهرهم السريع كان كافيًا ليثير الريبة والدهشة.
على صدور دروعهم السوداء، كان هناك نسرٌ ذهبيٌّ بارز محفور… رمز العائلة الملكية بلا أدنى شك.
فرسان العائلة الملكية… في مثل هذا الوقت؟
ومع شعر أسود، وعينَين زرقاوَين خاليتَين من الحياة كهاتين…!
يد الرجل التي كانت تضغط على خصرها بدت كيد الموت نفسه، مرعبةً وثقيلة، ومع ذلك كان قلبها يخفق في صدرها بنشوةٍ غريبة وتوقُّعٍ لا يُقاوم.
‘هذا الرجل…’
من ذراعه القوية التي كانت تحتضنها بإحكام، انبعثت رائحة رجلٍ خشنةٍ حارَّة، فاحتلت أنفاسها.
وهي تتأرجح معلَّقة إلى جانبه، وهي تُحمَل كالأمتعة بين القفزات فوق الأسطح، واجهت إيلين الواقع المرعب الذي لا مفرَّ منه:
لقد أُلقيت في شراك القصة الأصلية الذي لا يمكن تفاديه.
شعرت بدوار يجتاح رأسها.
إن كان حدسها صحيحًا، فإن هوية هذا الرجل ليست سوى…
بطل هذا العالم الروائي.
التعليقات لهذا الفصل " 1"