في عتمةٍ تحبس الأنفاس، راحت ليليث ترنو بـبصرها نحو الأفق الممتد وراء الفلوات.
لقد ظلوا يركضون لعدة أيامٍ بلياليها دون توقف، رغبةً في الابتعاد عن العاصمة قدر الإمكان، مما نال من قواهم الجسدية كثيراً.
لم يكن موقفهم يسمح بـإبداء التذمر؛ فمهما يكن من أمر، هم في نهاية المطاف فارُّون من وجه العدالة.
ولم تكن ليليث لـترغب في أن تكون عبئاً على غيرها بـتعلة التعب.
إلا أنَّ عيني زينون استطاعت لمس ذلك الإعياء البادي عليها.
“…… هل أنتِ بخير؟”
رفعت ليليث رأسها نحو مصدر الصوت، لـتجد زينون قد اقترب ووقف بجانبها.
أطلقت ليليث تنهيدةً خفيفة.
“ولِمَ لا أكون بخير؟”
كان الإجهاد يثقل كاهلها، لكنها استطاعت كبحه.
يكفي أنَّ الأمور سارت على ما يرام حتى الآن، لذا لم تعتزم الشكوى.
لم تتبدل ملامح زينون القلقة رغم جوابها، لكنه لم يشأ الضغط عليها أكثر، فاكتفى بـإيماءةٍ صامتة ووقف يرقب معها ذات الاتجاه.
لم يبقَ سوى القليل حتى تبزغ الشمس من وراء الأفق، وعندها سيعبرون الحدود أخيراً؛ لقد كانت تلك هي اللحظة التي طالما نشدتها.
تملك ليليث شعورٌ غريبٌ ومزيجٌ من المشاعر.
فما زالوا تحت ظلال الإمبراطورية، مما يمنعها من الشعور بالأمان التام.
لكن بعد ساعاتٍ قليلة، ستبدأ حياةً جديدةً حقًّا.
كانت تترقب ذلك بـفارغ الصبر، ومع ذلك، لم تستطع تصديق أنَّ الأمر بات وشيكاً.
“…… هل تعلم؟”
قطعت ليليث حبل الصمت فجأة، فالتفت إليها زينون. تابعت وهي لا تزال مثبتةً بصرها على الأفق:
“روزالين كانت، في الحقيقة، تريد الحرية.”
ليليث التي لم تكن تشعر بـأيِّ ندمٍ على كل ما خلفته وراءها، كان لـديها رابطٌ واحدٌ عجزت عن قطعه، وهو شقيقتها روزالين.
استحضرت ليليث في مخيلتها وجه روزالين؛ منذ أن كانت وليدة، ثم طفلةً تتعثر في خطاها، وصولاً إلى روزالين الشابة……
وطبعت تلك الملامح في ذاكرتها وهي تعلم أنها قد لا تراها ثانيةً لبقية حياتها.
“لقد كانت شقيقتي ضعيفة البنية منذ صغرها، فلم يكن بمقدورها مغادرة المنزل. لذا كانت تقول إنها بمجرد أن تكبر وتسترد عافيتها، تودُّ السفر والترحال في أرجاء العالم بـحرية.”
ارتسمت ابتسامةٌ خفيفة على شفتي ليليث وهي تذكر شقيقتها الصغرى.
كانت هي و وزينون يدركان الحقيقة المُرّة و هي أنَّ تلك الحرية لن تطرق باب روزالين التي أعتزا بها أبداً.
فبعد رحيل ليليث، صار مصير عائلة بلين معلقاً بـيد روزالين وحدها.
ورغم أنَّ ليليث كانت قد دربتها تحسباً لأيِّ طارئ، إلا أنَّ الحرية التي طالما حلمت بها روزالين صارت الآن أثراً بعد عين؛ فذلك هو ثقل منصب رب العائلة.
نطق زينون وهو يرمق ليليث بـنظراته: “هل أنتِ نادمة؟”
عند تلك الكلمة، غاصت ليليث في التفكير.
الندم……
لعلَّ زينون لم يكن يقصد بـ”الندم” شأن روزالين فحسب.
بل كان يقصد الندم الأكبر على قرارها بالتخلي عن كل ما تملك، واختيارها لـرجلٍ لا يملك شيئاً بل وصار مُطاردًا مثل زينون.
استنشقت ليليث الهواء بـهدوء، فملأ برد الفجر رئتيها وأيقظ عقلها.
كان الجواب قد استقرَّ في قلبها منذ زمنٍ بعيد.
“كلا.”
هزت ليليث رأسها وتابعت.
“لستُ نادمة.”
سيكون كذباً إن ادعت أنَّ قلبها لم يهتز ولو لِمَرَّةٍ واحدة.
بيد أنها كانت تدرك أنَّ هذا الدرب هو الأصوب للجميع في نهاية المطاف.
وبعد أن تحررت من قيود المنصب والواجب…… صار قلبها مستريحاً.
التفتت أخيراً لـتنظر إلى زينون.
كان يحدق فيها بـنظراته المستقيمة المعهودة.
فيما مضى، كانت تلك النظرات تزعجها؛ تلك النظرة الغامضة التي كانت تثير في نفسها الاضطراب، مما جعلها ترغب في الهروب منها.
لكنها تدرك الآن.
السبب الحقيقي الذي دفعها لـتجنبه بـعناد.
والسبب الذي جعلها تشيح بـبصرها عنه قسراً.
لقد كان ذلك لـأنها تدرك حبه لها، ولـأنها كانت تحبه أيضاً.
“زينون.”
أجابها عند ندائها: “نعم.”
رفعت ليليث يدها ووضعتها برفقٍ على خد زينون.
ثم رفعت قامتها وقبّلته.
كانت قبلةً هادئةً وصادقة، كفيلةً بـإيصال كل ما في قلبها.
اتسعت عينا زينون دهشةً من فعلتها المفاجئة، لكنه سرعان ما احتواها بـحذرٍ ومودة.
ابتعدت ليليث بـبطء، وبقيا يحدق كلٌّ منهما في الآخر من مسافةٍ قريبةٍ.
قالت ليليث وهي تحدق في لعينيه الرماديتين: “…… ستواجهنا الكثير من الصعاب في المستقبل.”
أنصت زينون لـكلماتها بـصمتٍ مطبق.
“لقد سألتني إن كنتُ نادمة، ولكن ربما في يومٍ ما، قد تكون أنتَ من يشعر بالندم بدلاً مني.”
صحيحٌ أنَّ ليليث تخلت عن كل شيء، بيد أنَّ الشخص الذي ألقى بـحياته حقًّا في غياهب المجهول هو زينون.
فهو في الحقيقة لم يقترف أيَّ جرمٍ في هذه القضية؛ لم يقتل كاليكس ولم يخفِ جثته.
كانت خطيئته الوحيدة هي مواساة روزالين المكلومة، ولـأجل ذلك، حاولت ليليث قتله خوفاً من معرفته للحقيقة.
تحمل زينون كل هذه الآثام لـأجل ليليث وحدها.
في وقتٍ سابق، كانت ليليث ترى ذلك أمراً بديهياً، لكنها الآن تدرك الحقيقة؛ فكما أحبت ليليث روزالين، أحبَّ زينون ليليث، ولـأجل ذلك الحب صار مجرماً.
لم يكن هناك شيءٌ بديهي في الأمر.
“عندما يطلُّ الصباح، سنعبر الحدود. حينها لن يكون هناك مجالٌ للرجوع. لذا، قرر الآن.”
“هل أنتَ مستعدٌّ حقًّا لـتكون شريكاً لي في جريمي؟”
نظر زينون في عيني ليليث بـنظرةٍ ثابتةٍ لا يشوبها تردد.
“…… أنا.”
بدأت شفتا زينون بالتحرك.
ورغم أنه لم يكمل جملته، إلا أنَّ ليليث شعرت بـأنها تعرف ما سيقوله لقد كان نفس كلامه في السجن.
“لقد أخبرتُكِ بـقراري منذ زمنٍ بعيد.”
‘منذ زمنٍ بعيد؟’
لم تفهم ليليث قصده لِلحظة.
بيد أنه في اللحظة التالية، خطرت بـبالها كلماتٌ من ذكرى غابرة.
<لديَّ شخصٌ أحبه. ورغم أنه حبٌّ من طرفٍ واحد، إلا أنني عاهدتُ نفسي على حمايتها. لقد كان ذلك منذ زمنٍ بعيدٍ جداً.>
‘آه، هكذا إذن.’
عندها فقط، أدركت ليليث كل شيء.
في غابر الأزمان، قبل وقوع كل هذه الأحداث، نطق زينون بـتلك الكلمات.
حينها، ظنت ليليث أنه يقصد روزالين دون أدنى شك.
لكنها الآن تدرك بـيقين.
أنه لم يكن يرى سوى ليليث منذ البداية.
ابتسمت ليليث بـرقة.
ورغم أنَّ الدموع ترقرقت في عينيها، إلا أنَّ كليهما علم أنها ليست دموع حزن، بل دموع فرح.
أمسك زينون بيد ليليث بـصمت.
لم يدر بينهما أيُّ حديث، لكنهما شعرا بـتلاقي أرواحهما.
وبعد فترة، قالت ليليث بصوتٍ مخنوقٍ بـالعبرة: “في يومٍ ما……”
ثم أطلقت ضحكةً خفيفة.
“يجب أن تخبرني بـقصتك كاملة.”
كيف التقيا لأول مَرَّة، وكيف عاش طوال تلك السنين؛ كل ما يخصه في تلك الأوقات التي لم تكن تعرفه فيها.
“حاضر، سأفعل.”
أجاب زينون بـرزانة، وأحكم قبضته على يد ليليث بـقوةٍ أكبر.
شعرا بـأنهما قد صارا كياناً واحداً.
بعد انتهاء حديثهما، استدار كلٌّ من ليليث وزينون بـعفويةٍ لـيرقبا الأفق ثانيةً.
لقد بدأت الأرجاء تزداد ضياءً عما كانت عليه قبل قليل.
وأخيراً، بدأت الشمس بـالشروق.
النهاية
(إن كانَ ذلك مِن أَجلِكِ، فلا بأسَ أَن أَكونَ الشريرةَ– اكتملت)
التعليقات لهذا الفصل " 75"