بهدوءٍ تام، وكأنَّ شيئاً لم يكن؛ بيد أنه مضى بكل تأكيد.
“ورد تقريرٌ يشير إلى انخفاض معدل تحصيل الضرائب في المنطقة الغربية من المقاطعة بنسبةٍ طفيفة. يبدو أنَّ السبب يعود إلى تأخر المفاوضات مع بعض نقابات التجار.”
قطبت ليليث حاجبيها عند سماع تقرير إيرهي: “كم عدد النقابات التي تبدي عدم تعاونها الآن؟”
“ثلاث نقابات.”
أضاف إيرهي شرحاً مقتضباً للوضع: “الأمر ليس خطيراً بعد، لكن يبدو أنَّ حله سيستغرق بعض الوقت. هل تودين التدخل بنفسكِ؟”
غرقت ليليث في التفكير لبرهة، ثم هزت رأسها نافية.
“…… كلا، لا بأس. سنراقب الوضع لفترة أطول.”
“حاضر، علم ويُنفذ.”
أحنى إيرهي رأسه مجيباً. تأكدت ليليث من بقية الأوراق التي سلمها إياها، ثم تنهدت ولوحت بيدها.
“يكفي هذا. يمكنكَ الانصراف اليوم؛ أشعر بالإرهاق وأحتاج لبعض الراحة.”
“أمركِ.”
امتثالاً لأمر ليليث بالانصراف، غادر إيرهي المكتب على الفور دون أدنى اعتراض.
وهكذا، بقيت ليليث وحيدةً في مكتبها.
“آه……”
ضمت مابين حاجبيها وأسندت ظهرها إلى الكرسي.
لقد مرَّ أسبوعٌ كامل منذ لقائها بـكارل.
طوال تلك الفترة، لم يحدث أيُّ شيء.
فتحت ليليث عينيها ببطء والتفتت لتنظر عبر النافذة؛ سماءٌ صافية وأشعة شمسٍ دافئة. كان بعد ظهرٍ يفيض بالسكينة.
بيد أنَّ قلب ليليث، منذ ذلك اليوم، كان يرزح في جحيمٍ مقيم.
<السير زينون قرر أن يرتدي قناع الشرير بمحض إرادته. فعل ذلك من أجلكِ أنتِ وحدكِ.>
مهما حاولت طرد ذلك الصوت، ظلَّ صدى كلمات كارل يتردد في رأسها دون انقطاع.
كانت تظن أنها نبذت شعور الذنب منذ أمدٍ بعيد؛ فقد كانت مصلحتها ومصلحة عائلتها فوق كل اعتبار، وكانت مستعدةً لفعل أيِّ شيءٍ لحمايتهما.
وحتى لو حدثت تضحياتٌ مؤسفة في سبيل ذلك، فقد كانت توطن نفسها على اعتبارها ‘أمرًا لا مفرَّ منه’ دون أن يرفَّ لها جفن.
ولكن، لِمَ لا ينفكُّ تفكيرها يرتدُّ إليه؟……
واصلت ليليث مراقبة ما وراء النافذة بسكون.
كانت عيناها الخاليتان من أيِّ عاطفةٍ تبدوان غارقتين في فراغٍ سحيق.
‘كلا. لا يجب أن أفكر بهذه الطريقة.’
‘لقد اتخذتُ القرار الصائب.’
‘لا يزال هذا هو الخيار الأمثل.’
راحت ليليث تردد هذه الكلمات في سرّها مراراً وتكراراً، وكأنها تمارس غسيلاً لدماغها.
لأنها لو لم تفعل ذلك، فلن تقوى على الصمود.
وفجأة، ثار في أعماقها شعورٌ مجهول الكنه، فجزّت على شفتها بقوة.
زينون.
زينون ماير.
<أنا هو المجرم الذي قتل سمو الأمير. لذا، أرجوكم أن تنزلوا بي العقاب.>
كانت كلماته الأخيرة تطفو على سطح ذاكرتها باستمرار.
تُرى، بماذا كان يفكر حين نطق بتلك الكلمات؟
كيف أمكنه أن يكون بتلك الرصانة وهو يحمل وزر خطيئة غيره، مدركاً أنَّ الموت ينتظره عما قريب بسبب ذلك؟
عجزت ليليث عن فهم مكنونات قلب زينون؛ بل الأصح أنها لم تكن تريد فهمها.
لأنها لو فهمت ما بقلبه، لانهارت تماماً.
<أرجوكِ، لا تتجاهلي الحقيقة بشأن السير زينون.>
لقد قال كارل ذلك بكل وضوح.
بيد أنَّ ليليث لم تعد ترغب في مواجهة هذه المشاعر.
عمدت بوعيٍ تام إلى تجنب كل فكرةٍ تخصُّ زينون؛ كبتت مشاعرها الحقيقية، سحقتها، وتجاهلتها تماماً.
لأنَّ ذلك هو السبيل لنجاة “الجميع”.
بيد أنها لم تستطع وأد تلك التساؤلات التي كانت تثور في داخلها بين الحين والآخر.
‘هل كان هذا حقاً هو الخيار الصائب؟’
وبينما كانت غارقةً في تأملاتها تلك لفترةٍ طويلة–
-طرق، طرق.
فجأة، تناهى إلى سمعها صوت طرقٍ على الباب.
كانت طرقاتٍ رقيقة لكنها واثقة.
ورغم أنَّ ليليث لم ترَ الطارق، إلا أنها عرفت هويته على الفور.
“…… تفضلي بالدخول، روزالين.”
وبالفعل، استدار مقبض الباب فور إذنها.
أطلَّ وجه روزالين من شقِّ الباب المفتوح جزئياً.
“أختي.”
كان وجه روزالين الجميل يبدو شاحباً وناحلاً، لعلَّ ذلك بسبب ما عانته من كدرٍ في الآونة الأخيرة؛ بيد أنَّ عينيها كانتا تشعان بذكاءٍ ووضوح.
قالت ليليث وهي ترقب ملامح شقيقتها الحازمة: “…… ما الخطب؟”
لقد مضى وقتٌ طويل حقاً منذ أن زارتها روزالين آخر مَرَّة.
فمنذ أن أتت ليليث باكيةً تتوسل إليها لإنقاذ زينون، لم تطأ قدماها هذا المكان قط. لم يقتصر الأمر على عدم الزيارة فحسب، بل وصلت لدرجة تجنب ليليث كي لا تلتقيا حتى ولو من قبيل المصادفة.
لذا، لم تشعر ليليث بالسرور لظهور شقيقتها بقدر ما شعرت بالريبة.
تُرى ما الذي جاء بها؟ بيد أنها ابتلعت تساؤلاتها واستقبلت شقيقتها بهدوء.
“تفضلي بالدخول أولاً واجلسي. لا تقفي هناك.”
عند تلك الكلمة، تقدمت روزالين بخطواتٍ كانت تتسم بالرقة والجمال، لكنها لم تخلُ من الحزم؛ وكأنها قد حسمت أمرها لاتخاذ قرارٍ مصيري.
جلست روزالين على الأريكة، وبمجرد أن تأكدت من جلوس ليليث قبالتها، فتحت فمها.
“أختي، لديَّ ما أقوله لكِ.”
أجابت ليليث بنبرةٍ لا مبالية: “ما هو؟”
صمتت روزالين لبرهة، وبدا عليها أنها تزن كلماتها مراراً وتكراراً قبل النطق بها.
لكنها أخيراً حسمت أمرها وبدأت الحديث.
“لقد تذكرتُ.”
تجمدت ليليث في مكانها لِلحظة.
“…… ماذا؟”
وكأنها معجزة، اختفت كل التعبيرات من وجه ليليث في رمشة عين.
واكتسى وجهها بملامح الصدمة والذهول.
“ماذا قلتِ للتو؟”
استجمعت روزالين أنفاسها في شهيقٍ قصير.
ثم رفعت رأسها لتنظر في عيني ليليث مباشرةً.
“ما حدث قبل خمس سنوات. تذكرتُ كل شيء.”
أحكمت ليليث قبضتيها فوق فخذيها؛ تشنج جسدها بالكامل وبدأ يرتجف ارتعاشاً عنيفاً.
‘تذكرت؟’
‘مستحيل……’
كان أمراً لا يُصدق، بل كان أمراً لا ينبغي حدوثه أبداً.
كم بذلت ليليث من جهدٍ مضنٍ لحماية روزالين طوال تلك الفترة؟ كم كافحت لضمان ألا تُزجَّ روزالين وحدها في غمار هذه الأحداث؟
‘فكيف لكِ أن تتذكري……’
رسمت روزالين ابتسامةً حزينة: “أختي، أنا أعلم. أعلم كم تحبينني وتخافين عليَّ.”
كانت نبرتها الرقيقة هادئةً لكنها تحمل قوةً خفية.
“وأعلم أيضاً كل ما فعلتِه في سبيل حمايتي.”
لم تستطع ليليث تصديق كلمات شقيقتها؛ أو بالأحرى، كانت أقرب إلى عدم الرغبة في التصديق.
حاولت ليليث إنكار كلام روزالين.
“لا تكذبي. أنتِ بالتأكيد……”
“أختي.”
نظرت عينا روزالين اللامعتان إلى ليليث.
“لقد ارتكبنا ذنباً.”
أطبقت ليليث شفتيها بقوة.
وبينما كانت ترقب أختها، حاولت روزالين رسم ابتسامةٍ على شفتيها، بيد أنَّ دمعةً وحيدة فرَّت من عينها وسالت على وجنتها.
“بسببي أنا، تحملتِ أنتِ الكثير من الخطايا.”
هزت ليليث رأسها نافية.
“لا تقولي مثل هذا الكلام.”
“كلا، سأقوله. يجب عليَّ ذلك.”
تابعت روزالين حديثها بإصرار.
تشنج وجهها وهي تحاول كبح بكائها، لكنَّ الدموع انهمرت في النهاية دون توقف.
مسحت روزالين عينيها بمنديلها.
“كل ما حدث كان خطئي.”
شعرت ليليث وكأنَّ قلبها يتمزق ألماً.
لقد فعلت كل ذلك لئلا ترى دموع شقيقتها، ولتحميها وترعاها؛ بيد أنَّ روزالين في نهاية المطاف قد أدركت الحقيقة كاملة.
اوقفت روزالين دموعها أخيراً.
“أختي.”
ظلَّت ليليث ترمقها بصمت، ثم أومأت برأسها كإشارةٍ إلى أنها تصغي إليها، فابتسمت روزالين ابتسامةً باهتة.
“لقد كنتِ تنفذين لي كل ما أطلبه طوال حياتي، أليس كذلك؟”
بشكلٍ غريزي، شعرت ليليث بأنها تدرك ماهية الكلام الذي سيتلو ذلك.
لم تجب، ولم تكن قادرةً على الإجابة.
لأنها لو وافقت، فستطلب روزالين حتماً طلباً لا يمكنها تلبيته أبداً.
لكنَّ روزالين في النهاية نطقت بتلك الكلمات القاسية.
“لذا، سأطلب منكِ طلباً واحداً فقط.”
ابتسمت بـرقةٍ وعيناها تفيضان بالدموع.
“أرجوكِ، أنقذي زينون. وعيشي أنتِ أيضاً حياةً سعيدة دون أن تثقلي كاهلكِ بالمزيد من الخطايا.”
كانت ابتسامةً جميلةً ومفعمةً بالرقة، لدرجةٍ تجعلها تبدو قاسيةً في آنٍ واحد.
التعليقات لهذا الفصل " 69"