غرق الحاضرون في حالةٍ من الذهول والارتباك إثر التدخل غير المتوقع لهذه الشخصية.
وفي وسط تلك الهمهمات التي تعكس فضول الحشد، خطا زينون إلى الأمام.
جثا على ركبةٍ واحدة أمام الإمبراطور وأدَّى التحية بوقار:
“أحيي شمس الإمبراطورية.”
أطلق الإمبراطور تنهيدةً خافتةً مشوبةً بالأسى: “…… إنه السير زينون.”
كانت تعابير وجهه معقدةً للغاية.
ولم يكن ذلك بمستغرب؛ فشائعات كون زينون هو المجرم الذي اغتال الأمير كانت قد استشرت في الإمبراطورية كالنار في الهشيم، ولم يكن الإمبراطور بمنأىً عنها.
وبحكم شخصيته المتزنة والمتبصرة، لم ينسق الإمبراطور وراء الظنون ولم يوجه اتهامًا صريحًا لـزينون، غير أنه كبشر، لم يكن بمقدوره تجاهل ما يلوكه الناس بألسنتهم.
“لم نلتقِ منذ أمدٍ بعيد، يا سير زينون.”
أحنى زينون رأسه إجلالاً عند سماع كلمات الإمبراطور.
ومع ظهور زينون، ساد صمتٌ مطبق في أرجاء المعبد.
تركزت أبصار الجميع على حركاته، وتعلقت قلوبهم بما سينطق به تالياً.
تُرى، ما الذي دفع بطل البلاد للتدخل في هذا؟ وماذا عساه أن يقول؟
راقب الناس الموقف باهتمامٍ بالغ؛ فـزينون ماير كان دومًا قطب الرحى في كل الشائعات منذ عودته؛ بدءًا من قصة حبه مع روزالين، ثم تقدمه لخطبة أختها ليليث، وصولاً إلى كونه القاتل المحتمل للأمير.
بيد أنَّ الحقيقة ظلت غائبةً خلف سحب التكهنات.
خاض الناس نقاشاتٍ حامية حول سبب اختياره ليليث بدلاً من روزالين، وعما إذا كان هو الجاني حقًّا، لكنهم لم يخلصوا قط إلى نتيجةٍ حاسمة.
وفي تلك اللحظة التي تركزت فيها الأبصار، فتح زينون فمه أخيرًا.
“جلالة الإمبراطور، لديَّ ما أقوله.”
حدق الإمبراطور في زينون لبرهة، ثم منحه الإذن بـإيجاز.
“…… تكلم.”
عند نيل الإذن، زاد زينون من انحناءة رأسه.
استجمع أنفاسه لِلحظة، ثم قال: “ليليث بلين ليست هي المجرمة التي اغتالت سمو الأمير.”
ضجَّ الحاضرون مَرَّةً أخرى إثر هذا الإعلان الصادم.
تصلبت ملامح الإمبراطور وهو يرمق زينون بنظراته، بينما ظلَّ الأخير مطأطأ الرأس بانتظار رد الفعل.
“أيها السير، ما الذي تهذي به الآن؟”
قاطعت إيلين الحديث بلهفة، ودوَّى صوتها الهستيري كصرخةٍ حادة.
ولكن قبل أن تقترب إيلين أكثر، رفع الإمبراطور يده لردعها.
“تراجعي قليلاً أيتها الأميرة.”
ارتبكت إيلين وتوقفت في مكانها عند سماع نبرة الإمبراطور الصارمة، واختلج وجهها بمزيجٍ من القلق والاضطراب.
وبعد أن تأكد الإمبراطور من تراجعها، أعاد بصره نحو زينون.
“ليليث بلين ليست المجرمة؟”
أجاب زينون بنبرةٍ هادئةٍ وواثقة: “نعم، هذا صحيح.”
تعالت همهمات الناس من جديد، وشرعوا يتبادلون الآراء والظنون فيما بينهم.
أما ليليث، التي كانت لا تزال رهينة قبضات الحراس، فقد شاخصت بصرها نحو زينون.
‘ما الذي يفعله هذا الرجل؟’
لم تستطع استيعاب الموقف. كانت تظن أنَّ الشخص الذي سيتدخل في هذه اللحظة هو كارل بلا شك، وحينها سيوجهان الاتهام لالجاني الحقيقي بناءً على الأدلة التي أعداها……
وعلى الرغم من أنَّ زينون شعر حتمًا بنظرات ليليث، إلا أنه لم يلتفت نحوها، بل ظلَّ خافضَ البصر بعينين غائرتين.
وبشكلٍ غريب، بدا في تلك اللحظة وقورًا كفارسٍ مقدسٍ.
وبعد صمتٍ طال، قطب الإمبراطور حاجبيه وتساءل: “أيها السير، أتدافع الآن عن براءة الآنسة بلين؟”
“نعم.”
“وما دليلك على ذلك؟”
عندئذٍ، رفع زينون رأسه أخيرًا ونظر إلى الإمبراطور: “لأنني أعرف من هو المجرم الحقيقي.”
اجتاحت القاعة صدمةٌ أعنف مما سبق.
المجرم الحقيقي.
كان لهذه الكلمة وقعٌ مدوٍّ في نفوس الجميع.
ملأت التمتمات أرجاء المصلى حتى كادت تخرج عن السيطرة، مما دفع الإمبراطور للصراخ بغضب.
“هدوء، هدوء!”
عادت السكينة للمكان فورًا، وبدت ملامح الغضب جليةً على وجه الإمبراطور.
نهض من مقعده وخطا خطواتٍ واسعة نحو زينون، ورمقه بنظرةٍ حادةٍ كالنصل قبل أن ينطق: “أنا أقدرك حق التقدير، وقد منحتك من الامتيازات ما لم أمنحه لغيرك.”
أحنى زينون رأسه دون رد، فتابع الإمبراطور بنبرةٍ باردة.
“ولكن، إن كنتَ تتفوه بالهراء في أمر يتعلق بابني، فلن أغفر لك أبدًا.”
انذهل الحاضرون؛ فمن النادر جدًا أن يتحدث الإمبراطور بمثل هذه القسوة.
بيد أنَّ ملامح زينون لم تتغير البتة، وكأنَّ وجهه كان مستعدًا لكل ما سيؤول إليه الأمر.
أمره الإمبراطور بجمود: “حسناً، أخبرنا إذاً.”
“من هو المجرم الحقيقي الذي قتل ابني الغالي؟”
حبس الجميع أنفاسهم بانتظار جواب زينون.
رفع زينون رأسه ببطء.
نقل بصره بعيدًا عن الإمبراطور، ليتطلع إلى شخصٍ يقف خلفه.
كانت ليليث.
وفي تلك اللحظة، التقت أعينهما.
بدا وكأنَّ الزمن قد توقف، وكأنَّ تلك البرهة ستمتد للأبد.
لكنَّ كليهما كان يدرك الحقيقة؛ أنَّ زمنهما لا يمكن أن يدوم أبدًا.
“…… المجرم الحقيقي هو.”
فتح زينون فمه ببطء.
وفي تلك اللحظة، شعرت ليليث بحدسٍ قاتلٍ يمنحها الكلمات التي سينطق بها قبل أن يتفوه بها.
‘لا تفعل.’
بيد أنَّ أمنية ليليث كانت بلا حولٍ ولا قوة.
أشاح زينون ببصره عنها، وقال بصوتٍ خافتٍ ووقور.
“أنا هو.”
ساد صمتٌ تقشعر له الأبدان.
ثم انفجرت أصوات الناس دفعةً واحدة كالقنبلة.
“غير معقول!”
“لقد كنتُ أعلم!”
“المجرمُ قد اعترف!”
تصلب وجه الإمبراطور من الصدمة.
هزَّ رأسه بغير تصديق، ثم جزَّ على أسنانه. كانت تعابير وجهه مشوهةً بمزيجٍ مروع من الحزن والغضب.
أحكم الإمبراطور قبضته وحاول تهدئة جسده المرتجف،
“…… أتستطيع تحمل مسؤولية ما قلته للتو؟”
“لقد أعدَّت ليليث بلين وكارل رايمر الوثائق اللازمة لاتهامي. هما من سيثبتان جرمي.”
اتسعت عينا ليليث من هول الموقف.
‘أكان يعلم بكل شيء؟’
ارتعش جسدها من شدة الصدمة.
راحت ترمق زينون بنظراتها، متوسلةً في سرّها أن يلتفت نحوها مَرَّةً أخرى.
لكنَّ زينون لم يوجه نظره نحوها ولو لمحةً واحدة.
أحنى رأسه وقال للإمبراطور: “أنا القاتل الذي أزهق روح سمو الأمير. لذا، أرجو من جلالتك معاقبة المجرم.”
أمام ثباته الذي لم يلن، احتقن وجه الإمبراطور بالغضب.
وأخيرًا، أصدر حكمه–
“أيها الحراس!”
اندفع الفرسان لتنفيذ أمره.
“لقد اعترف المجرم بذنبه هنا. اقتادوه إلى السجن للاستجواب!”
اقترب الفرسان من زينون وقيدوه.
لم يبدِ زينون أيَّ مقاومةٍ أثناء السيطرة عليه بخشونة، بل تقبل مصيره بكل طواعية.
ظلت ليليث تحدق في المشهد بذهول.
أفلت حراس الأميرة قبضتهم عنها، لكنها لسببٍ ما لم تستطع الحراك.
التعليقات لهذا الفصل " 62"