كانت مرتبةً من الحقد تختلف تمامًا عن تلك الضغينة التي عهدتها في إيلين من قبل.
‘يجب أن أجد حلاً.’
فبما أنَّ الطرف الآخر قد فارقه الرشد، فلن يجدي التفكير بمنطقية في توقع خطوتها التالية.
حاولت ليليث جاهدةً وبكل هدوء أن تستقرئ ما تنوي الأميرة فعله.
على الأرجح، ستقوم بإدانة ليليث أمام الإمبراطور، متذرعةً بكلمات كاليكس التي زعمتْ أنها سمعتها، لتدّعي أنها هي القاتلة.
سيضعها هذا في موقفٍ حرج بلا شك، لكنه لن يكون معضلةً لا حلَّ لها، هذا إن كان ما تعرفه ليليث هو كل ما في الأمر.
المشكلة تكمن في احتمال امتلاك إيلين لأدلةٍ أخرى.
<أنتِ لا تعلمين، لكنني كنتُ أشكُّ بكِ منذ أمدٍ بعيد، وقد أجريتُ تحرياتي الخاصة سرًّا.>
هكذا قالت إيلين حينها بوجهٍ يطفح بالنصر.
رغم أن ليليث كانت تزدري إيلين وتعتبرها مجرد طفلة طائشة، إلا أنها تبقى ابنة الإمبراطور في نهاية المطاف؛ ومكانتها تلك تتيح لها فعل ما لا يستطيعه الشخص العادي، فهذا هو جوهر السلطة.
ولكن، حتى وإن كان الأمر كذلك، فلا داعي للذعر.
فكما كانت تردد دائمًا، الأدلة المتاحة حتى الآن لا تكفي لإدانة شخصٍ بعينه.
ألم تعانِ هي وكارل الأمرين رغم تفوقهما المعلوماتي؟
ومع ذلك……
داهمت ليليث فكرةٌ عن احتمالٍ واحد.
ثمة طريقةٌ تمكن إيلين من إلصاق التهمة بها.
وهي تزييف الشهود والأدلة.
سرت قشعريرةٌ باردة في جسدها عند هذا الهاجس المشؤوم.
راحت ليليث تعمل فكرها وهي تعضُّ على شفتها.
بما أنَّ الحقيقة المطلقة لا يمكن إثباتها بيقينٍ الآن، فإنَّ الأمر سيؤول إلى “مَن سيقدم اتهامًا أكثر إقناعًا أمام الإمبراطور”.
فالقرار النهائي بيده وحده.
راجعت ليليث في ذهنها فحوى الاتهام الذي أعده كارل.
هل سينجح منطقه في إقناع الإمبراطور؟
هل سيكون أقوى من منطق ابنته إيلين؟
لا تدري ما هي الأوراق التي تخفيها إيلين، لذا يصعب عليها الاستعداد للمواجهة.
إن كانت أدلة إيلين واهية، فستتمكن من الصمود؛ إذ لا يمكن النيل من عائلة الدوق بمجرد الشبهات، وإن كان الثمن هو تضرر مكانتها السياسية لبعض الوقت.
لكن، إن كانت إيلين تملك دليلاً يُعدُّ قاطعًا…… عضت ليليث على شفتيها بملامح متجهمة.
الوضع لا يبشر بالخير.
عقلها يخبرها أنَّ من المستحيل أن تملك إيلين دليلاً دامغًا، لكنَّ قلبها يضطرب كلما تذكرت ضحكتها الهستيرية تلك.
من يملك تلك النظرات في عينيه، قادرٌ على فعل أي شيء.
أغمضت ليليث عينيها بقوة.
‘تُرى، هل كنتُ متهاونةً أكثر مما يجب؟’
هل كان خطئي هو التجوال دون حذرٍ وأنا أعلم مقدار حقدها؟
لو أنني بقيتُ وسط الحشود داخل المصلى ولم أخرج……
لكنها سرعان ما هزت رأسها نفياً.
كلا، كان هذا سيحدث عاجلاً أم آجلاً.
حتى لو لم أُختطف الآن، لكانت إيلين قد رفعت اتهامها للإمبراطور على أي حال، والفرق الوحيد هو أنني كنتُ سأحظى ببعض الاحترام البروتوكولي آنذاك.
حاولت ليليث تهدئة روعها جاهدة.
أجل، لنحافظ على الهدوء.
بعد قليل، سيوجه كارل اتهامه لـزينون أمام الإمبراطور، واصطدام اتهام إيلين بـاتهام كارل أمرٌ حتمي.
لذا، إن سارت الخطة كما رُسم لها، فسيُطلق سراحها.
فمهما بلغت سطوة إيلين، لن تستطيع احتجاز شخصٍ ثبتت براءته دون وجه حق.
أسنَدت ليليث رأسها إلى الجدار وأطلقت تنهيدةً طويلة.
شعرت بوخزٍ في وجنتها، يبدو أنها خُدشت بشيءٍ حاد أثناء اقتيادها بخشونة.
‘ربما يترك هذا ندبة.’
وفجأة، لاح وجه زينون في مخيلتها.
تذكرت يوم أن صفعتها إيلين، وكيف كان زينون هو من اعتنى بجرحها……
‘…… كلا، لا تفكري في الأمر.’
حاولت جاهدةً طرد صورته من رأسها، وأغمضت عينيها مرةً أخرى لترتب خطواتها القادمة.
بيد أنَّ ملامح زينون ظلت عالقةً في زاويةٍ من ذاكرتها، تأبى الرحيل.
* * *
كان القلق ينهش قلب روزالين.
‘أين يمكن أن تكون أختي؟’
كانت تجلس في المصلى وتلتفت يمنةً ويسرة بلهفة، لكنها لم تلمح طيفًا يشبه ليليث.
ارتسمت معالم الحزن على وجهها وكأنها على وشك البكاء.
‘لقد قالت إنها ستعود سريعًا……’
كانت هذه المرة الأولى تقريبًا التي تُترك فيها في محفلٍ عامٍ كهذا دون حماية.
التعليقات لهذا الفصل " 60"