لحظة صمت ثقيلة خيّمت على المكان.
موت؟
نظرت ليليث إلى الرجل أمامها. كان زينون يحمل تعبيرًا هادئًا دون أي اضطراب.
كان وجهه هادئًا بشكل مدهش بالنسبة لشخص يتحدث عن موته. لهذا بدت كلماته أقل واقعيّة.
زينون ماير سيموت.
تلك الجملة استقرت في ذهنها.
لم تفهم سبب اضطرابها الشديد. فقد حاولت قتله بنفسها من قبل…
“ليس أمرًا سيحدث الآن، لكنه لن يكون بعيدًا أيضًا.”
كان زينون، الشخص المعني، يتحدث بهدوء كعادته.
تابع بنبرة رتيبة كأنّه يتحدث عن الطقس: “يقال إن نبوءة التنين تتحقق دائمًا. لذا رأيت أن إخفاء ذلك ليس من الإنصاف.”
غرقت ليليث في أفكارها وهي تستمع إليه.
‘السير زينون تلقّى لعنةً من التنين.’
هكذا قال كارل عندما حقّق في زينون بناءً على طلبها.
من المحتمل أن ‘لعنة التنين’ التي ذكرها كارل و’كلمة التنين’ التي تحدث عنها زينون تشيران إلى الشيء ذاته.
فقد قيل إن التنين المجنون ترك كلمات لمن قتله وهو يحتضر.
لكن هنا ينشأ سؤال.
لماذا تختلف الروايتان؟
“هذه قصة لا يمكن تخيّلها.”
تمتمت ليليث.
“لم أتوقع أبدًا أن أسمع شيئًا كهذا.”
لم يجب زينون. عاد إلى صمته المعتاد، كأنّه أنهى كل ما يريد قوله.
نظرت إليه ليليث وهي ترتب أفكارها في ذهنها.
لعنة التنين التي أخبرها عنها كارل كانت: ‘ستُكشف خطيئتك التي تخفيها أمام العالم!’
أما نبوءة التنين التي نقلها زينون فكانت: ‘سأموتُ قريبًا.’
للوهلة الأولى، يبدوان كلامين مختلفين تمامًا. لكن مع قليل من التفكير، يمكن ربطهما بسهولة.
في المستقبل القريب، ستُكشف خطيئة زينون، ولهذا سيموت.
فتحت ليليث فمها أخيرًا.
“حسنًا، فهمتُ كلامك بالكامل.”
سيطرت على تنفسها لتخفي اضطرابها. ثم رفعت فنجان الشاي بهدوء.
عندما احتست رشفة، هدّأها العطر الخفيف.
“لكن إن كان كلامك صحيحًا، هناك شيء يثير فضولي.”
“ما هو؟”
سألت ليليث بحدّة: “لماذا تقدّمت لخطبتي وأنت تعرف مصيرك؟”
كان سؤالًا منطقيًا. فقد تسبّب زينون في تعقيد حياتها كثيرًا.
لكن على غير المتوقع أجاب دون تردّد.
“لأنني اعتقدت أنّ هذا هو الأفضل للجميع.”
تأمّلت ليليث كلمة واحدة، الأفضل…
“هاه.”
ضحكت ليليث بسخرية.
“مثير للاهتمام.”
على الرغم من سخريتها الواضحة، لم يُظهر زينون أي ردّة فعل.
عاد الهدوء إلى الغرفة. شربت ليليث الشاي وهي ترتب الحقائق الجديدة في ذهنها.
“زينون.”
بعد أن انتهت من التفكير، فتحت فمها.
“نعم.”
“أنا حقًا لا أفهم ما الذي تفكر فيه.”
لكن على أي حال، كانت ليليث تنوي توجيه الموقف لصالحها.
“على كل حال، هذه قصة مثيرة. شكرًا لإخباري.”
وضعت ليليث الفنجان، ثم فجأة شعرت بألم في خدها، فتجهّمت دون وعي.
آه…
يبدو أن المكان الذي ضربته إيلين في القصر بدأ يؤلمها متأخرًا.
بالأحرى، كان يؤلمها باستمرار، لكن صدمة حديث زينون جعلتها تنسى الألم مؤقتًا، ثم عاد الإحساس به.
“هل أنتِ بخير؟”
لاحظ زينون تغيّر تعبيرها وسألها فورًا. استعادت ليليث رباطة جأشها.
“لا داعي للقلق.”
لكن وجه زينون لم يهيّدأ.
“انتِ تحتاجين إلى علاج.”
استدعى خادمة لإحضار مرهم ودواء دون أن يتريث.
حاولت ليليث إيقافه، لكنها قررت مراقبته لترى إلى أين سيصل.
بعد قليل، أحضرت الخادمة سلة تحتوي على الأدوية.
“هذا مسكّن للألم.”
أخرج زينون زجاجة دواء وناولها لليليث. بدا السائل فيها شفافًا كالماء، لكنه كان أكثر لزوجة.
نظرت ليليث إلى الزجاجة ثم شربتها على مضض.
عندما شربتها رشفة رشفة، امتلأ فمها بطعم مرّ.
راقبها زينون بهدوء وهي تشرب الدواء. وعندما أكد أنها أفرغت الزجاجة، جلس بجانبها.
“سألمسكِ قليلًا، أرجو العفو عن الوقاحة.”
مع هذه الكلمات، أمسك زينون بذقنها بحذر.
كان خدّ ليليث قد تورّم قليلًا. غاصت عينا زينون وهو يفحص حالتها.
ثم بدأ بدهن المرهم على خدها بحركة حذرة.
كان يتحرّك بحيطة خوفًا من أن يتفاقم الجرح.
شعرت ليليث أن هذا غريب.
لماذا يتصرف هكذا…
لكن زينون، ظنًّا منه أن تعبيرها يعكس الألم، توقّف لحظة.
“لا تقلق، ليس مؤلمًا.”
عند كلامها، استأنف زينون حركته.
استمرّت يده البطيئة واللطيفة لفترة.
عندما انتهى من دهن المرهم، كان قد مرّ وقت طويل.
“عذرًا على الإزعاج.”
مسح زينون يده من المرهم ثم انحنى لليليث بأدب.
لم يبدُ هذا سلوك رجل يتعامل مع خطيبته.
“زينون.”
فجأة، نادته ليليث باسمه.
رفع رأسه ونظر إليها. حدّقت ليليث في عينيه مباشرة.
“هل تريدني؟”
لم يجب عليها.
لكن الحرارة التي لم تنطفئ في عينيه كانت دائمًا تؤكد إجابته.
غريبٌ جدًا.
كانت ليليث دائمًا تتساءل عن مصدر هذا الشعور.
لماذا يتعلّق بي هذا الرجل إلى هذا الحد؟
صراحة، لم تكن ليليث تعتقد أن هذا الشعور نابع من حب خالص أو عاطفة إيجابيّة.
ربما كان كراهية أو رغبة.
لكن على أي حال، كان زينون يريدها، وكانت ليليث بحاجة إلى هذه الحقيقة.
مدّت ليليث يدها ببطء وأمسكت بوجه زينون بحذر.
ثم اقتربت منه وقبّلته.
شعرت بتصلّبه لحظة ملامسة شفتيها.
هل هو التوتر؟ أم الدهشة؟ لا يهم.
أبعدت ليليث شفتيها قليلًا.
“زينون.”
في مسافة قريبة جدًا حيث يختلط النفس، تقابلت عيونهما.
“إمتلكني.”
اتسعت عينا زينون قليلًا.
بدا مندهشًا، كأنّه لم يتوقع كلامها.
فتحت ليليث فمها مجددًا: “أحتاج إلى تأكيد. تأكيد أنك لن تخونني.”
حدّق زينون في ليليث. كانت عيناه الرماديّتان تحملان الحيرة والصراع والرغبة العميقة.
“لذا، افعل ما تريد.”
كانت هذه الكلمات هي بدايةَ الشرارة.
أنهى زينون صراعه وقبّل ليليث و ازدادت قوة ذراعيه حولها.
تلقّت ليليث قبَلته وهي تطوّق عنقه.
تعمّقت القبلة واشتعل الهواء بينهما.
بينما كانت تقبله بالكامل، بدأت ليليث بالتفكير.
هل سأندمُ على هذا الاختيار يومًا؟
كانت تعرفُ الإجابة بالفعل.
لا، هي لا تندم أبدًا. فاختياراتها دائمًا هي الأفضل في لحظتها.
نظرت ليليث إلى زينون وابتسمت.
كانت تلك ابتسامة الثقة بالنصر.
تُرجـمَ مِـن قِبَـلِ ليـنو
التعليقات لهذا الفصل " 37"