نهضَ زينون منَ الأريكةِ ونظرَ إليها.
و نظرت ليليث إليهِ أيضًا دونَ كلامٍ.
كانَ يرتدي زيَّ الزفافِ، مختلفًا عن المعتادِ و مُهيأً من رأسهِ إلى أخمصِ قدميهِ.
لم يخلُ الأمرُ من بعضِ الغرابةِ،
لكن بفضلِ مظهرهِ الجذابِ، كانَ مقبولًا نوعًا ما.
في اللحظةِ التي نظرا فيها إلى بعضهما،
سادَ توترٌ مشدودٌ.
منَ المؤكدِ أنَّ مشاعرهما تجاهَ بعضهما مختلفةٌ،
لكن لم يتراجع أحدهما خطوةً.
كسرت ليليث الصمتَ أولًا.
“هلْ انتهيتَ من المشاهدةِ؟ لنتحرك الآنَ.”
لم تنتظر ردًا، بل مشت بخطواتٍ واثقةٍ حتى وقفت أمامَ زينون.
تبعَ زينون كلَّ حركاتها بعيونٍ غائرةٍ دونَ أنْ يفوتهُ شيءٌ.
‘ما الذي يفكرُ فيهِ الآنَ؟’
كلما قابلت ليليث عينيهِ المليئتينِ بحرارةٍ لا تُخفى، تساءلت.ما الذي يختبئُ تحتَ ذلكَ القناعِ الخالي من التعبيرِ؟
نظرت ليليث إلى وجهِ زينون للحظةٍ،
ثمَّ مدَّت يدها لتصلحَ ياقةَ قميصه.
“ما زالَ أمامكَ الكثيرُ لتصبحَ نبيلًا حقيقيًا.
انتَ تفتقرُ إلى الدقةِ.”
كانَ نقدًا، لكن نبرتها كانت
أقربَ إلى سردِ الحقيقةِ منها إلى التوبيخِ.
قبلَ زينون يدها بهدوءٍ دونَ كلامٍ.
كانَ منَ الطبيعيِّ أن يبدوَ، في عيني ليليث التي عاشت حياتها نبيلةً رفيعةً، مجردَ عبدٍ سابق غيرَ لائقٍ.
ألقت ليليث نظرةً سريعةً على وجهِ زينون.
بدا متصلبًا قليلًا أكثرَ من المعتادِ.
كانَ الفرقُ طفيفًا،
لكن عيني ليليث الحادتانِ لاحظتاهُ.
“هلْ أنتَ متوترٌ؟”
وضعتْ يدها على خدِّ زينون.
نظرَ زينون إليها بهدوءٍ، ثمَّ وضعَ يدهُ فوقَ يدها.
“… نعم.”
ضحكت ليليث عندَ ردهِ الجافِّ.
“هذا ممتعٌ.”
“حسنًا… لكن يجبُ أن تعتادَ هذا الآنَ.
فانت من سيتزوجني.”
أمسكَ زينون يدها بقوةٍ أكبرَ.
ظهرَ في تلكَ القوةِ شوقٌ وقلقٌ لم يستطع إخفاءهما.
لكنهُ في الوقتِ ذاتهِ بدا وكأنهُ
يكبحُ تلكَ الرغبةَ بشدةٍ أكثرَ من أيِّ أحدٍ.
شعرت ليليث بنظراتهِ المعقدةِ تجاهها،
فرفعتْ زاويةَ فمها.
“زينون. هل تتذكرُ؟”
تغيرتْ ملامحُ زينون قليلًا بحيرةٍ بسببِ الموضوعِ المفاجئِ.
“… ما الذي تعنينَ؟”
“أعني ما حدثَ في الدوقيةِ سابقًا.”
عبسَ زينون قليلًا، وكأنهُ لم يفهم قصدَ ليليث بعدُ.
شرحتْ ليليث لهُ بصوتٍ لطيفٍ وأنيقٍ.
“كانَ ذلكَ يومًا ممطرًا. كنتُ معَ كاليكس.”
عندَ ذكرِ اسمِ خطيبها القديمِ،
أظلمت ملامحُ زينون. لم تهتم ليليث وواصلت.
“كنا نتمشى معًا، لكن بسببِ مطرٍ غزيرٍ مفاجئٍ،
احتمينا في كوخٍ صغيرٍ. قررنا الراحةَ حتى يتوقفَ المطرُ. لكن حينها، رأيتُ شخصًا يقتربُ من بعيدٍ…
هل تعرفُ من كانَ؟”
أغلقَ زينون فمهُ بقوةٍ وكأنهُ يفكرُ،
ثمَّ قالَ بصوتٍ مكتومٍ.
“…كان أنا.”
ابتسمت ليليث وكأنها سعيدةٌ جدًا.
“نعمْ، صحيحٌ. كانَ أنتَ.”
عندَ هذا الكلامِ،
زادت قوةُ يدِ زينون التي تمسكُ يدَ ليليث.
بدا وكأنهُ يكبحُ شيئًا بعضلاتِ فكهِ المشدودةِ.
ضحكت ليليث بخفةٍ بتعبيرٍ مستمتعٍ.
“يبدو أنكَ تذكرتَ الآنَ متى كانَ ذلكَ.”
لم يجب زينون.
لكن تعبيرهُ كانَ ردًا كافيًا دونَ كلامٍ.
أبعدت ليليث يدها ببطءٍ من خدِّ زينون.
ثمَّ مررت أصابعها بلطفٍ على شفتيهِ:
“حينها… تقاطعتْ أنظارنا.
بينما كنتُ أقبّلُ كاليكس.”
شدَّ زينون قبضتهُ بقوةٍ.
كانَ يحاولُ السيطرةَ على عاطفةٍ قويةٍ
تتدفقُ دونَ إرادتهِ.
همست ليليث بصوتٍ خافتٍ في اذنهِ.
“لكن عندما أفكرُ الآنَ، بدا الأمرُ غريبًا.
لماذا بقيتَ واقفًا هناكَ حينها؟
لماذا كنتَ مصدومًا بهذا الشكلِ؟ ما السببُ؟”
“أجبني يا زينون. ما الذي كنتَ تفكرُ فيهِ حينها؟”
كانت تلكَ هي الشرارةَ.
انحنى زينون فجأةً وقبلَّ ليليث.
وضعت ليليث يدها على صدرهِ وقبلتهُ بهدوءٍ.
في تلكَ المسافةِ القريبةِ التي تلامسُ فيها أنفاسهما، تعمقَ زينون كمن يروي عطشًا قديمًا،
وضحكت ليليث في داخلها وكأنها تستمتعُ بهِ.
‘شكرًا يا زينون.’
‘ستكونُ أفضلَ أداةٍ لي.’
معَ تلكَ القبلةِ العنيفةِ،
تأكدت ليليث من انتصارها مجددًا.
زينون ماير يريدُ ليليث بلين.
أصبحت تلكَ الحقيقةُ ثابتةً.
أدارت ليليث عينيها بخفةٍ لتنظرَ إلى صورتهما في مرآةٍ كبيرةٍ في زاويةِ الغرفةِ. ثمَّ أغمضتْ عينيها بهدوءٍ.
* * *
“في النهايةِ، أصبحَ الأمرُ هكذا.”
ضحكَ الإمبراطورُ بصوتٍ عالّ
بعدَ سماعِ شرحِ ليليث كاملًا.
“جيدٌ. هذا خبرٌ سارٌّ جدًا. نحن حقًا محظوظونَ بهذا.”
ابتسمت ليليث بلطفٍ عندَ رؤيةِ ردِّ فعلهِ الودودِ.
بدا الجوُّ وديًا كأنهُ مرتبٌ مسبقًا.
في تلكَ الأجواءِ، كانَ زينون وحدهُ من حافظَ على تعبيرهِ الخالي منَ المشاعرِ كالمعتادِ.
جاءَ ليليث وزينون لإبلاغِ الإمبراطورِ بزواجهما.
بما أنَّ الزواجَ بأمرٍ إمبراطوريٍّ،
كانَ عليهما الإبلاغُ عنْ التفاصيلِ.
سألَ الإمبراطورُ بوجهٍ سعيدٍ حقًا.
“إذًا، متى ستعقدانِ الزفافَ؟”
“سنعقدُ الخطوبةَ قريبًا أولًا، ثمَّ نأخذُ وقتًا للتحضيرِ. الزواجُ ليسَ مجردَ انتقالٍ لللأجسادِ فقط.”
“بالطبعِ. يجبُ أن يكونَ كذلكَ.”
ضحكَ الإمبراطورُ مجددًا بصوتٍ عالٍ موافقًا.
“أنا سعيدٌ حقًا أن يصبحَ شخصانِ أعتزُّ بهما هكذا.”
لم يظهر أيُّ كذبٍ في مباركتهِ لزواجهما.
ابتسمت ليليث بخفةٍ.
ثمَّ دعا الإمبراطورُ خادمًا ليعلنَ عن هدايا يمنحها لهما، وأمرَ بإحضارِ ما أعدهُ.
رفضت ليليث بشدةٍ،
لكن إرادةَ الإمبراطورِ كانت ثابتةً.
“لقدْ أعددتُ هذا منذُ زمنٍ لأعطيكِ إياهُ. لا ترفضيهِ.”
توقفت ليليث لحظةً عندَ هذا الكلامِ.
‘لماذا أعدَّ هديةً لي منذُ زمنٍ؟’
كانَ الجوابُ بسيطًا.
كانَ منَ المفترضِ أنْ تتزوجَ ليليث ابنهُ.
اقتربَ الخادم ووضعَ شيئًا أمامها.
صندوقٌ مربعٌ.
داخلهُ قلادةٌ منَ الزمردِ ترمزُ إلى العائلةِ الإمبراطوريةِ.
“آه…”
لم تستطع ليليث قولَ شيءٍ للحظةٍ.
شعرتْ بوخزٍ في قلبها كأنَّ إبرةً طعنتها.
أمامَ كرمِ الإمبراطورِ العظيمِ،
لم تستطع تجاهلَ خطيئتها القبيحةَ.
لكن لم يعد هناكَ مجالٌ للتراجعِ الآنَ.
زيفت ليليث ابتسامةً ومدَّت يدها لتأخذَ القلادةَ.
“إنَّها حقًا… جميلةٌ.”
نظرَ الإمبراطورُ إليها وضحكَ بحزنٍ خفيفٍ.
مهما حاولَ نسيانَ الماضي،
لم يستطعْ نسيانَ ابنهِ تمامًا.
معَ ذلكَ، تظاهرَ بابتسامةٍ مشرقةٍ و تحدث.
“خذيها. هذهِ القلادةُ ستحميكِ دائمًا يا ابنةَ الدوقِ.”
أن يمنحَ مثلَ هذهِ الهديةَ في لحظةِ إعلانِ زواجِ ليليث وزينون، يعني أنَّ الإمبراطورَ نسيَ الماضي حقًا وباركَ زواجهما بصدقٍ.
فهمت ليليث ذلكَ المعنى،
فلم تستطعْ الكلامَ لفترةٍ.
فجأةً، شعرت برغبةٍ تتصاعدُ داخلها.
‘لنعدْ كلَّ شيءٍ إلى أصلهِ…’
سمعت همسًا في عقلها. و ربما كانَ صوتَ ضميرها.
‘انتِ تعرفينَ الحقيقةَ. لا ترتكبي المزيدَ منَ الذنوبِ.’
عضت شفتيها بقوةٍ وكأنها تفكرُ.
شدَّت قبضتها حتى كادت يدها تنزفُ.
و بدأ صداعٌ يعصرُ رأسها.
حدقت ليليث في القلادةِ بغضبٍ، كأنها تعاقبها…
في تلكَ اللحظةِ، تحدثَ زينون.
“شكرًا، جلالتكَ.”
التفتَ الجميعُ إليهِ عندَ سماعِ صوتهِ لأولِ مرةٍ تقريبًا بعدَ التحيةِ.
التعليقات لهذا الفصل " 26"