⁶⁶
في الأصل، الأحلام ليست سوى مسرحية يصنعها العقل من شظايا ذكريات اللاوعي، تلتصق ببعضها كيفما اتفق.
ولهذا، لم يكن هناك داعٍ للتفكير فيها بعمق، فهي في النهاية مجرد خيال.
لكن الآن…
غررر!
شـــق!–
كلما ازداد عدد الوحوش التي يقضي عليها، لم يستطع هيوغو برنشتاين إلا أن يشك في الحلم الذي رآه.
اليد…
رفع ذراعه ليقطع عنق الوحش الذي انقض عليه من الأعلى.
وفي اللحظة نفسها، تمايل شيء أحمر غريب أمام بصره.
طعن!–
اخترق السيف عنق الوحش دفعة واحدة. تناثر الدم في كل اتجاه، لكن الخيط الذي يمر عبر مجال رؤيته ظل نظيفًا بلا أدنى أثر.
وكان ذلك وحده كافيًا ليؤكد له أن ما يراه الآن… لا يراه سواه.
إنه تمامًا كما رأيته في الحلم.
ذلك الذي قطعته أنجيليكا في الحلم….”خيط القدر”.
لماذا ظهر في الواقع فجأة، بعدما كان مجرد خيال؟
والأغرب من ذلك… أنه كلما قتل المزيد من الوحوش، ازداد خيط القدر وضوحًا.
إذًا لم يكن مجرد حلم بسيط؟
كياااا!
ششـــك!
انقضت عليه ثلاثة وحوش في وقت واحد كما لو أنها تحاصره، لكنه مزقها بحركة واحدة من يده بينما واصل التفكير.
…لا أفهم.
لكن ذلك التفكير لم يدم طويلًا.
كان الحلم الذي رآه واضحًا بصورة مبالغ فيها… ومع ذلك ضبابيًا في الوقت نفسه.
لم يستطع تذكر ما الذي تحدث عنه مع أنجيليكا في ذلك الحلم، ولا حتى ما الذي كان يفكر فيه حينها.
كل ما بقي في ذهنه كان شعورًا بدائيًا واحدًا.
رغبة امتلاك مرعبة… كانت تغلي حتى في أعماق دماغه.
“…”
نظر هيوغو برنشتاين إلى خيط القدر بعينين غارقتين في الظلال.
كان الخيط الملفوف بإحكام حول خنصره… لكن نهايته لم تكن مرئية بعد.
هل يا ترى يقوده هذا الخيط إلى الشخص الذي يريده؟
أم…
بووووم!—
سيُقطع كما حدث في الحلم؟
أنجيليكا.
أراد أن يذهب إليها فورًا ويتأكد بنفسه.
“هيوغو برنشتاين… أرجوك عدني… أنك لن… أبدًا…”
مع أنه لم يكن حتى متأكدًا مما يريد التحقق منه.
في البداية، سارت حملة إبادة الوحوش بسلاسة.
لكن مع مرور الوقت، بدأت الأمور تتعثر بسرعة.
فعدد الوحوش الذي اقترب من الألف لم يكن المشكلة الوحيدة؛ إذ إن هذه الوحوش، بخلاف تلك التي تعيش طبيعيًا في الشمال، كانت شديدة الذكاء.
يوم… يومان… ثلاثة…
ومع مرور الأيام، بدأت الوحوش تتعاون فيما بينها، بل وحتى تنصب الكمائن بذكاء.
وهكذا، بعد مرور أسبوع على الحملة—
أدرك القصر الإمبراطوري خطورة الوضع، وبدأ بالتعاون مع الطائفة، يطلب من أنجيليكا باستمرار أن تصنع المزيد من جرعات الشفاء.
وكان من حسن الحظ أنهم تمكنوا أخيرًا من تأمين كمية كبيرة من “قرن الوايفرن الصغير”، وهو المكون الذي كان يسبب أكبر مشكلة.
لكن الشيء الذي أسعد أنجيليكا أكثر من أي شيء آخر كان أمرًا مختلفًا.
[إلى رفيقتي الأبدية، أنجيليكا.]
“كيف عرف وأرسلها إلى هنا أصلًا؟”
كانت رسالة من هيبريون جيرفيه.
أشرقت ملامح أنجيليكا فورًا وهي تفتح الرسالة.
فقد كانت عالقة هنا في الشمال ولا تعرف ماذا تفعل، ولم تتوقع أن يأتيها الخبر منه هكذا.
كنت أظن أن الاتصال سينقطع تمامًا وينتهي كل شيء بلا نتيجة…
في هذا اليوم تحديدًا، شعرت أنها يجب أن تشكر إصرار هيبريون.
قرأت الرسالة حتى النهاية، مستمتعة حتى بأسلوبه المليء بالعبارات العاطفية المبالغ فيها.
ثم أخرجت قلمًا لتكتب ردها.
ساااا—
“…هم؟”
في تلك اللحظة، لامست طاقة أنجيليكا الذهبية طرف الرسالة مصادفة… وبدأت تتبدد بلا قوة.
راقبت أنجيليكا المشهد بوجه مذهول، فقد لم يحدث مثل هذا الأمر من قبل.
لكن لماذا اليوم…؟
هل فعل هيبريون شيئًا غريبًا بالرسالة؟ أم أن قوتها السحرية أصبحت تضعف شيئًا فشيئًا حتى صارت تتراجع حتى أمام رسائله؟
وبينما كانت تشك في الاحتمال الأول، طرقت أنجيليكا الرسالة بخفة في المكان الذي كانت الطاقة السحرية متجمعة فيه.
فششش—
كما توقعت.
تناثرت الطاقة الذهبية في الهواء واختفت. صحيح أن الكمية لم تكن كبيرة لأنها لم تتصل بهيبريون مباشرة، لكنها كانت مفيدة بوضوح.
“…!”
لمعت عيناها فجأة وهي تأخذ نفسًا عميقًا.
وفي لحظة، بدأ السد الذي كان يحبس مشاعرها ينهار دفعة واحدة.
دق دق دق–
ومع خفقان قلبها، بدأت عقلانيتها تتلاشى أيضًا.
شعرت وكأن اللحظة التي وقعت فيها في حب هيوغو برنشتاين قبل ثلاثة عشر عامًا قد عادت إليها من جديد.
مسحت أنجيليكا الدموع التي تجمعت في عينيها بسرعة بظهر يدها.
كان الشعور جارفا حتى إن رأسها كاد يفرغ من التفكير، لكن لم يكن لديها وقت لذلك.
فما إن سيطرت العاطفة على عقلها، حتى بدأ القلق على هيوغو برنشتاين يتضخم بسرعة.
أجلت الرد على الرسالة جانبًا وبدأت تفتش في مواد الجرعات التي أرسلتها العائلة الإمبراطورية.
ثم توقفت عند مادة معينة وأومأت برأسها وكأنها اتخذت قرارًا.
“كما توقعت… هذه التي جمعناها العام الماضي وجففناها.”
رفعت جذرًا جافًا يُسمى “جذر ميلونكا”.
وهو نبات طبي ينمو في الشمال، والغريب أنه لا يكتسب خصائصه العلاجية إلا إذا جُمع في قلب الشتاء.
“لو استخدمت جذرًا طازجًا، ستكون فعالية الجرعة أفضل.”
ثم إنها موجودة في الشمال أصلًا.
وهيوغو يقاسي مشقة القتال في هذا الشتاء القارس، فكيف لها أن تبقى وحدها في الداخل مستمتعة بالراحة؟
“يجب أن أذهب وأجمعه فورًا!”
حين تسيطر المشاعر على الإنسان، لا يبقى مجال للتردد.
عادت فورًا إلى غرفتها وارتدت طبقات من الملابس من خزانة الملابس المليئة.
لكنها لم تستطع خداع خدم القلعة، فقد كانوا ينظرون إليها جميعًا بقلق واضح.
“سيدتي، حتى أهل الشمال لا يخرجون في الشتاء. والسيد أوصى بذلك بشدة…”
“لكنني بحاجة إلى هذه الأعشاب. بدونها لن تكون الجرعات فعالة.”
“إذن سنذهب نحن! فقط أخبرينا بالمكان–”
“همم… لا، سأذهب أنا!”
إنها الجرعات التي سيشربها هيوغو… لا يمكنني أن أطلب من غيري جمع مكوناتها!
هزت رأسها بحزم وسارت عبر الممر.
تبادل الخدم نظرات القلق، لكن كلماتها التالية جعلتهم يذعنون في النهاية.
“من يصنع الجرعة يجب أن يفحص العشب ويجمعه بنفسه. ثم إن من سيشربها ليس شخصًا عادياً.”
“…كلامك صحيح.”
“أليس كذلك؟ إذن سأعود بسرعة. لا بأس بذلك.”
لقد لفّت نفسها جيدًا بالملابس، فهل يعقل أن تصاب حتى بالزكام؟
بهذا التفكير المتساهل، توجهت أنجيليكا إلى أقرب مكان تنمو فيه تلك الأعشاب.
كان يبعد أربعين دقيقة سيرًا على الأقدام، لكنه لم يكن صعبًا عليها.
كما توقعت، السحر هو الأفضل.
فبفضل السحر الذي تعلمته من الإمبراطور، تمكنت من الوصول إلى وجهتها براحة نسبية.
لكن حتى السحر لم يستطع صد برد الشمال القاسي بالكامل.
“كح.”
على الأقل لم يكن البرد كافيًا لتجمدها حتى الموت، وهذا كان أمرًا جيدًا.
إنه مجرد سيلان في الأنف لا أكثر.
صحيح أن درجة الحرارة كانت دون الصفر بكثير، وأن كل الماء قد تجمد، وأن جسدها كان يرتجف بلا توقف… لكن عليها أن تتحمل هذا القدر.
مررت أنجيليكا يدها العارية فوق الثلج، ثم ابتسمت بخفة حين وجدت نبتة.
لم تكن سوى واحدة… ومع ذلك امتلأ قلبها بالفرح.
تذكرت المعرفة التي تعلمتها، فحفرت الأرض المتجمدة بعناية حتى لا تتضرر الجذور، ثم اقتلعتها.
وبينما كانت تفعل ذلك، كان بعض أهل الشمال يراقبونها باهتمام، ثم بدأوا يساعدونها.
وبفضلهم، انتهى جمع الأعشاب قبل أن يمر نصف يوم.
وهكذا، مرّ الوقت حتى حل الليل المتأخر.
“آتشوه!”
لم تكترث أنجيليكا كثيرًا بالسعال الذي كان يداهمها بين حين وآخر، وواصلت تركيزها على صنع الجرعات.
كان الإرهاق يثقل عينيها، لكن ذهنها صار أكثر صفاءً كلما مر الوقت.
كان توقعي صحيحًا.
فقد أصبح العطر المنعش المميز للجرعة أقوى بكثير، رغم أنها غيرت مكونًا واحدًا فقط.
أسقطت قطرة صغيرة على ظهر يدها ثم لعقتها، فظهر التأثير فورًا.
“آه… هذا ينعشني…”
اختفى الإرهاق في لحظة، وحتى السعال الذي كان يزعج حلقها خفّ إلى النصف.
تمددت قليلًا بتنهيدة مرتاحة، ثم أخذت زجاجات معقمة وبدأت تملؤها واحدة تلو الأخرى.
لكن عندما وصلت إلى الجرعة الأخيرة–جرعة هيوغو–
“بما أنه يقاتل في المقدمة… ربما يمكنني إضافة المزيد.”
سكبت جرعته كلها في زجاجة أكبر من غيرها بمرتين.
في الأصل كانت قد صنعت كمية أكبر قليلًا، بحيث يحصل كل شخص على زجاجتين، لذا لن يشتكي أحد.
“إتشه!”
غطت فمها بذراعها وهي تسعل مرة أخرى، ثم سكبت بقية الجرعات.
“أوه… أريد أن أرتاح قليلًا الآن…”
يبدو أن الرد على رسالة هيبريون سيتأجل قليلًا.
رفعت رأسها ورأت أن الشمس قد أشرقت بالفعل.
سحبت أنجيليكا الحبل ببطء.
بعد ذلك دخل أحد الخدم وقال شيئًا بدا وكأنه مديح كبير للجرعات.
“همم.”
لكن عقلها كان قد انهار بالفعل في زاوية من أريكة المختبر…
لذلك لم تستطع تذكر ما قاله جيدًا.
♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪
الواتباد: @Toro1316
قناة التلجرام: @AMYNOVELS
ترجمة: ✧𝐀𝐌𝐘✧
التعليقات لهذا الفصل " 66"