كان الحب شعورًا يثير في نفس هيوغو تناقضات لا تنتهي.
أحيانًا كان يظن أنه ينبغي أن يتركها تذهب لتعيش سعيدة، وأحيانًا أخرى كان يرغب في أن يتمسك بها بإصرار حتى تبقى في حضنه وحده… حتى لو أدى ذلك إلى تعاستها.
في البداية بدا أن الشعور الأول هو الأقوى.
لكن عندما رأى أنجيليكا بعينيه وهي مع هيبريون… انقلب عالمه رأسًا على عقب.
أو ربما-من يدري-كان ما حدث بعد ذلك هو ما زرع ذلك الالتواء في داخله.
“إنكِ لطيفة أكثر مما ينبغي… وخاصة مع الآخرين غيري.”
رغم أنه كان غارقًا في برد الشمال القارس الذي لا يُقارن ببرودة العاصمة، شعر هيوغو وكأنه ما زال واقفًا في وسط شوارع العاصمة المزدحمة.
أنجيليكا… التي، رغم أنها سبق أن عانت من الأمر، اشترت مرة أخرى سموذي ممزوجًا بالروم، ثم أخذت تترنح وهي تمشي نحو العربة.
وعندما أمسك بها مجرد عابر طريق حتى لا تسقط، ابتسمت له ابتسامة مشرقة لم ير مثلها في العالم.
تلك الإبتسامة التي لم يحصل عليها منها بينما كان زوجها… نالها بسهولة مجرد عابر طريق.
لو كان ذلك قبل بضعة أشهر فقط، لمرّ الأمر عليه طبيعيًا.
فهو–مهما يكن–هيوغو برنشتاين.
ومن الطبيعي أن تتصرف الناس على هذا النحو.
لكن يا أنجيليكا… ألم تتعاطفي معي حتى بعدما عرفتِ حقيقتي؟
من عاش حياته كلها يستنشق هواءً خانقًا، إن شمّ يومًا عطر الوردة الساحر… فلن يستطيع أن يعيش بعدها كما كان من قبل.
حتى لو مزقت الأشواك يديه، سيكسر تلك الوردة ويغمر أنفه بعطرها مهما كلف الأمر.
وخز–
بينما كان يتمتم بكلمات لا يُدرى إن كانت مجرد سرد لبديهيات أم إعلانًا لقراره، اشتد الألم في خنصره.
في الآونة الأخيرة صار هذا الإصبع يسبب له المتاعب كثيرًا.
ولسبب ما، كانت شدة الألم تزداد يومًا بعد يوم… لكنه لم يكن يكره ذلك.
“همم.”
فبعد الألم، كانت مشاعره التي تصبح عادة عنيفة بلا حدود تهدأ فجأة.
أطلق زفيرًا مثقلًا بالاضطراب بين أسنانه.
كان يريد أن يمنح أنجيليكا كل ما هو جيد… لكن طبيعته كانت تدفعه باستمرار في الاتجاه المعاكس.
“ماذا عليّ أن أفعل بكِ؟”
الابتعاد صعب…
والاقتراب أصعب.
ورغم أن النتيجة كانت واضحة من تلك الحقيقة وحدها، أغلق هيوغو عينيه وكأنه يتجاهلها.
صرير–
الكرسي المصنوع خصيصًا ليتناسب مع جسده الكبير حمل وزنه بصعوبة.
تجاهل الصوت الحاد بلا اكتراث، ولأول مرة في حياته هرب إلى أعماق لاوعيه.
من دون أن يفكر فيما إذا كان ذلك المكان سيصبح جنة… أم جحيمًا.
“أنت… هل تسمعني أصلًا؟”
في لحظة ما، اخترق صوت حاد أذن هيوغو برنشتاين.
وفي لحظة تبخرت تلك المشاعر القاتمة.
بل إنه لم يعد يعرف أصلًا لماذا كان يغرق فيها.
فهو اليوم أمضى وقته كله في الحديقة يزرع الورود… من أجل “تلك المرأة”.
عاد البريق إلى عينيه الحمراوين.
وبينما كان يجمع شتات مشاعره المرتبكة، تذكر شيئًا رآه قبل قليل.
تحت الأسئلة التي كتبها وهو يحمل في قلبه آلاف الأمنيات… كان هناك رد كتبته أنجيليكا راتلاي.
“هي–…”
تمتم هيوغو برنشتاين بالسؤال الذي كان يريد معرفته أكثر من غيره.
كلمة غريبة … لا يسهل حتى نطقها ، وحتى لو نطقها تبدد بسرعة.
ومع ذلك، لمجرد أنه نطق حرفًا واحدًا منه، غلى الغضب في قلبه. ولهذا ربما…
أصبح فضوله تجاه نية أنجيليكا راتلاي التي تقف أمامه أكبر.
[ما الشعور أن تحب شخصًا لا يمكنك الحصول عليه؟ ]
كانت قد أوضحت له موقفها بحزم من قبل.
ومع ذلك لم يستطع أن يترك هذا الأمل الذي مُنح له يضيع هكذا، فجاء إليها ليقابلها.
بل… هل كان مجرد لقاء؟
لقد تحدث معها بالفعل عن هذا الأمر؟
هل كانت ترغب فقط في مشاهدة حاله وهو يوشك على الجنون من الأمل الكاذب…؟
أم أنها حقًا غيرت رأيها؟
لا يتذكر بدقة، لكنه يبدو أنه سألها بإلحاح يائس… كإنسان فقد أحد مساميره.
وقد تلقى الجواب للتو.
“نعم.”
“هل كنتِ…تسمعيني؟.”
أجاب هيوغو بذهول على كلماتها اللاذعة.
كان رده بطيئًا للغاية، لكن أنجيليكا راتلاي ابتسمت بسخرية وكأن هذا أمر معتاد.
“أعجبك؟”
“…”
“لا حاجة للسؤال أصلًا. بالطبع يعجبكَ ذالك.”
كانت سخرية صوتها ممزوجة بمرارة غير مألوفة.
حدقت مباشرة في عينيه اللتين كانتا توشكان على الغرق في الشرود مرة أخرى.
كان وجهها جادًا وحازمًا إلى حد لا يصدق.
وعندها فقط أدرك هيوغو برنشتاين أن كلماتها التي قالتها للتو… كانت الحقيقة الخالصة بلا أدنى شك.
“…ألن يكون الأمر بخير؟”
ورغم أنه لم يدرك ذلك بنفسه، استمر القلق في التسلل إلى كلماته. كان ذهنه ما يزال ضبابيًا، حتى إنه لم يتذكر بدقة ما الذي سمعه قبل قليل.
تنهدت أنجيليكا ابتسامة خفيفة تشبه الزفرة، وكأنها تقول إن القرار لم يعد ممكنًا تغييره الآن.
“بل أنت.”
هيوغو برنشتاين… هل أنت متأكد؟
“هذه آخر مرة أسألك.”
هل تستطيع حقًا تحمّل كل المخاطر التي سمعتها للتو؟
وهل تستطيع… أن تنتزع الشيء الذي تريده حقًا؟
كان السؤال أشبه باختبار أخير.
أغمض هيوغو برنشتاين عينيه ببطء ثم فتحهما.
كانت جملتها تفتقر إلى الكثير من التفاصيل، ومع ذلك…
“أقسم.”
كان واثقًا.
كان واثقًا أنه لن يترك أيًّا مما تحدثت عنه.
“لم يعد بإمكاني العودة إلى البداية… إلى الوقت الذي لم يكن لدي فيه أنتِ…”
“…”
“لذا سأحصل عليكِ… حتمًا.”
مهما كانت الوسيلة.
“حسنًا.”
على غير المتوقع، بدا على وجه أنجيليكا شيء من الارتياح حين سمعت إجابته المشبعة بذلك التعلّق العميق الذي يكاد يقشعر له الجسد. أما المرارة التي كانت في عينيها فقد خفّت بالفعل.
ثم، في اللحظة التالية مباشرة—
رفعت يدها دون تردد، وأطلقت طاقة سحرية شقت الهواء بسرعة.
طَــنغ!–
وفجأة، انقطع صوت خيط مشدود من الفراغ الذي لم يكن فيه شيء قبل لحظة.
لم يكن ذلك وهمًا سمعيًا.
سااااااا—
لسبب غريب، استطاع هيوغو أيضًا أن يرى الخيط الأحمر الملتف حول خنصره. خيط القدر الأحمر…الذي قطعته أنجليكا.
“هيوغو برنشتاين.”
نادته أنجيليكا بصوت حزين.
“كان ينبغي ألا ألتقي بك.”
“…”
“لكن بما أننا التقينا بالفعل.”
رجاءً… لا تجعلني أندم على أنني تخليت عنك.
لأول مرة، اختلط صوت أنجيليكا ببكاء خافت.
في تلك اللحظة… ماذا أجابها هو؟
لم يستطع التوصل إلى جواب.
كانت مشاعره متداخلة إلى حد لا يسمح بأي قرار.
وفي اللحظة نفسها—
ووش—
غمر العالم نور أبيض ساطع.
شعر هيوغو وكأنه يُسحب مع ذلك الضوء إلى هاوية لا قرار لها… أو كأنه يُرفع إلى مكان بعيد.
وفي لحظة ما، اختفت أنجيليكا راتلاي التي كانت أمامه.
ولم يشعر بأي أسف.
سحب نفسًا ببطء.
“…”
فقد كان قد وصل بالفعل إلى مكان لا يعرف إن كان هاوية أم فردوسًا.
بدأ هواء الشمال البارد يوقظ وعيه تدريجيًا.
“هان…”
“…”
وسط ذهنه المشوش، أعاد تمتمة الكلمة التي كانت تحتل أفكاره كلها ببطء.
خشخشة خفيفة–
وعندها فقط شعر أن خنصره، الذي كان يؤلمه كأنه فقد شيئًا ما، قد شدّ فجأة.
❈
مرّ الوقت كالسهم، وحلّ يوم الانطلاق بعد يومين.
كان الطقس معتدلًا على نحو غريب، كأنه يعلم أن معركة دامية ستقع.
بالنسبة للجنود القادمين من العاصمة كان ذلك حظًا جيدًا… لكن الوحوش ربما ستستفيد من ذلك أيضًا.
“…”
أنهى هيوغو برنشتاين التفتيش الأخير ثم وقف في المقدمة.
لم يُلقِ أي خطاب.
فلم يكن هناك داعٍ لشحذ العزيمة من أجل مجرد القضاء على بعض الوحوش.
“انطلقوا.”
وبأمر قصير، وصلوا إلى سهل مفترق الطرق الذي يُتوقع أن تمر منه الوحوش.
وبفضل تعقّب سرعة تحركها باستخدام الأورا، تمكنوا من الاستعداد في الوقت المناسب، وسرعان ما شعروا بالوحوش تقترب بسرعة.
“تحركوا وفق الخطة.”
أطلق هيوغو صوته المشبع بالأورا ليصل إلى مئات الجنود.
كان صوته منخفضًا وخشنًا كشتاء الشمال، ورغم أنه نطق بهدوء، بدا وكأنه تحذير مخيف.
“نعم!”
ارتفعت أصوات الجنود بحزم تلقائي.
وبدا أنهم يخشونه أكثر مما يخشون الوحوش.
ابتلع هيوغو تنهيدة ارتياح.
على الأقل هذه المرة لن يموت أحد وهو يبكي خوفًا من الوحوش.
في العام الماضي، مات بعض الكهنة بسبب ذلك، وتعرض الشمال لانتقادات لاذعة من الطائفة.
ولا تزال تلك السخرية باقية، لذلك بالغوا هذه المرة في إظهار فضلهم عند إرسال كهنة الشفاء.
مع أن الحقيقة أن أهل الشمال هم من كانوا يتغاضون عن أفعال أولئك الكهنة الذين لم يلتزموا بشيء مما طُلب منهم.
تسك.
أفكار لا فائدة منها… كالسيف الصدئ.
تخلص منها سريعًا وشدّ قوته في قدميه.
طَــاخ!
اندفع جسده الضخم في الهواء بخفة ريشة، واخترق المسافة نحو الوحوش التي كانت لا تزال تبدو كنقاط سوداء.
شششش!
اندفع سيفه المغمور بطاقة دموية في ضربة أفقية قوية، فمزق الوحوش بلا رحمة.
غرررر!
كيااااااا!
امتلأ السهل المغطى بالثلج بصراخ الوحوش الغاضب.
“هاااااه!”
اندفع الجنود بدورهم نحو الوحوش وهم يطلقون صيحات الحرب.
وسرعان ما تحول ميدان المعركة إلى فوضى عارمة.
كان السحرة يهاجمون من الخلف بينما يحمون الكهنة، أما الفرسان فاندفعوا إلى الأمام وسيوفهم مشبعة بقوة البركة التي يمنحها كهنة الشفاء.
وعندما يتعرض أحدهم لإصابة قاتلة—
بوب!
يسحب الجرعة التي صنعتها أنجيليكا من صدره ويصبها على الجرح أو يبتلعها.
وبسبب قلة المواد، حصل كل جندي على زجاجة واحدة فقط.
لكن حتى تلك الزجاجة الواحدة كانت كافية لإعادتهم من حافة الموت.
“كرااااا!”
“…”
حتى هيوغو برنشتاين لم يكن استثناءً.
كان يقاتل في الخط الأمامي ليقلل عدد الوحوش قبل أن تتدفق نحو الجنود.
ولأن هذه الوحوش غير اعتيادية في كل شيء، بدأت جروح عميقة تتراكم على جسده.
كراك!
أمسك بإصبعه الذي كاد يُقطع، ثم شرب جرعة من الدواء.
فلاش!
اليد التي كانت تتدلى قبل لحظة عادت سليمة تمامًا.
ششششش!
استغل أحد الوحوش ثغرة وأطلق عليه سائلًا سامًا.
صدّه بسيفه المشبع بالأورا، لكن بعضه التصق بجسده.
شعر بإحساس مقزز كأن جلده يذوب، فشرب مزيدًا من الجرعة.
فلاش!
احترق السم واختفى، وعادت بشرته كما كانت.
وتكرر ذلك عدة مرات…
حتى نفدت الجرعة أخيرًا.
وفي تلك اللحظة، بينما كان هيوغو برنشتاين يقاتل كمن فقد وعيه بذاته…
لم يستطع إلا أن يتذكر الحلم الذي رآه من قبل.
ما الذي…
ماذا يعني هذا…؟
♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪ شرح~ أنجليكا المفروض قالت لهيوغو عن مخاطر علاقتهم وأن بقائها معاه بيجيب له الهلاك عشان كذا سألته هل أنت متأكد من إنك تتحمل هالمخاطر عشاني؟ فقال لها ايوا ، وقتها يوم ظهر الضوء وخيط القدر خيط القدر الأحمر الي كان مرتبط بيهم قطعته أنجليكا…وهيوغو حس بالفراغ بس برضوا كان عنده أمل ترجع له.
التعليقات لهذا الفصل " 65"