في تلك الأثناء، كان هيبيريون، وهو يرى ابتسامة أنجيليكا، يغرق في وهمٍ عظيم تحت سقف حلمٍ مشتركٍ كاذب.
‘ إذًا لم يكن زواجها بدافعٍ من مشاعر نحو هيوغو بيرنشتاين. ‘
من عينيها، ومن طرف شفتيها المرتفع نحوه، كانت المشاعر تتدفّق بوضوح.
‘ أجل. لا يمكن أن تنسيني. ‘
كان قد أدرك ذلك على نحوٍ مبهم يوم افترقا سابقًا، لكن إعادة التأكّد منه الآن ملأت عنقه بنشوةٍ كادت تؤلمه.
“يكفي أن أبذل جهدًا أكبر قليلًا.”
لو سار الأمر وفق هواه، لأخضعها في هذه اللحظة واقتادها إلى إمبراطورية جيرفيه.
غير أنّ تلك العينين اللعنتين كانتا المشكلة. عينان احمرّتا في غضون أشهر قليلة.
في تلك الحالة، لا تعمل الأدوات السحرية بسهولة. ربما لو رفع قوّته إلى الحدّ الأقصى لنجح، لكنّه لم يكن واثقًا من العواقب.
‘ إنها عين الحكيم… يجب التعامل معها بدقّة.’
كبح نزعة الباحث الكئيبة المتأصّلة في السحرة، ثم ابتسم لها بطرف عينه.
وبحركةٍ خفيفة، وضع يده على ظهرها، متذرّعًا بالإرشاد ليستطيع ملامستها.
ارتجفت أنجيليكا قليلًا، لكنها لم تدفعه بعيدًا. ومع ذلك، بدأت الابتسامة المصطنعة على وجهها تتحوّل تدريجيًا إلى صدقٍ حقيقي.
وفي اللحظة التي كاد قلبه ينهار بسببها—
“أوه؟”
لمحت أنجيليكا بسطةً على جانب الطريق، فتقدّمت نحوها بخطواتٍ واسعة. تألّقت عيناها اللتان كانتا تتظاهرن بالهدوء للحظةٍ خاطفة.
“همم؟”
شعر هيبيريون بغرابةٍ خفيّة، فسارع ينظر إلى البسطة.
ظنّ أنّ المكان الذي أثار اهتمامها النادر لا بدّ أن يبيع كتبًا أو على الأقل أعشابًا طبية، لكن توقّعه أخطأ تمامًا.
“أريد كوب سموذي.”
“بأي نكهة؟”
“ممم… بالأحلى طعمًا.”
“شكرًااا.”
مدّت الكلمة بنبرةٍ لطيفة وابتسمت.
في ملامحها الرقيقة الحانية، أخذ شعورٌ بالنفور يتسلّل إليه ببطء.
بل أكثر ما أزعجه كان—
“أنجيليكا، ألم تكوني لا تحبّين الحلويات؟”
كان هذا مختلفًا تمامًا عمّا كتبته له في رسائلها عن عاداتها الغذائية.
“…غريب.”
حتى قبل لحظات، كانت بلا شكّ أنجيليكا. لكن لبرهةٍ قصيرة، راوده إحساسٌ كأنّ شخصًا آخر حلّ مكانها.
مستحيل… ومع ذلك.
هدّأ قلبه الذي بدأ يخفق بقلقٍ غير مبرّر. كان يبالغ لمجرّد توقّعٍ أخطأ وابتسامةٍ وُجّهت لغيره.
وفي تلك اللحظة، ارتشفت أنجيليكا رشفةً من السموذي وأجابت:
“الآن أحبّه.”
“…حقًا؟”
رغم تفاهة الأمر، ظلّ يزعجه. حتى ابتسامته التي كانت ترتسم بسهولةٍ عادةً لم تعد تثبت على شفتيه.
“هاه.”
ما به؟ استاء من نفسه. فلتكن مختلفة عمّا عرفه عنها في الرسائل، فما المشكلة؟
‘ الساحر الذي يصبّ مشاعره على عيّنة اختبار هو الأحمق. ‘
أعاد ترتيب أفكاره حول فائدتها، وسار إلى جوارها.
لكن في النهاية–
“…أنجيليكا، آسف، هل نكتفي بهذا اليوم؟”
ارتكب هيبيريون جيرفيه حماقةً لا يفعلها إلا ساحرٌ ناقص.
“حسنًا.”
وافقت بسهولة. كان في وجهها أثرُ أسفٍ خفيف، لكن الغريب أنّه لم يشعر بالسرور كما في السابق.
“جيد. سأرسل رسالةً أخرى.”
“سأنتظر.”
تجاهل كلماتها المليئة بالصدق بخفّة، ثم استدار.
لم يشعر بأيّ أسفٍ وهو يبتعد عنها.
“عليّ أن أراجع الرسائل.”
امتلأ ذهنه بأنجيليكا وكلّ الرسائل التي تبادلاها.
دخل مسرعًا إلى النُّزل الذي يقيم فيه.
صعد إلى الغرفة الواقعة في أقصى الطابق الثالث، وفكّ ياقة ثوبه التي كانت تخنقه.
ثم أخرج ردودها التي كان يحتفظ بها بعنايةٍ بين أمتعته وبدأ يراجعها.
لم يكن بحاجةٍ إلى تدقيقٍ فعلي، فقد أعاد قراءة رسائلها مرارًا حين يشعر بالملل، ويعرف بدقّة ماذا كُتب في أيّ تاريخ.
“…..”
فتح الرسالة التي تبادلاها في ربيع العام الماضي. حتى الختم لم يُمزَّق بإهمال، فبدت الرسالة وكأنها وصلت تَوًّا.
[شخصيًا، لا أحبّ الربيع. ربما لأنني أضعف أمام موجة البرد التي تسبق الدفء مباشرةً. أقلّ ما فيه سوءًا هو الأزهار التي تنبت خضراء في الحديقة القاحلة. وبمجرّد أن ذكرتُ الأزهار، تذكّرتُ كيف يسعى القصر الملكي بجنون لاحتكار العسل. يا لهم… ماذا يفعلون بالرعيّة التي لم تكد تلتقط أنفاسها بعد شتاءٍ قاسٍ؟ يتنهّد المرء قبل أن يبدأ. ربما لهذا السبب أكره الربيع أكثر. (….) هل تحبّ الأشياء الحلوة؟ لسببٍ ما، أجد صعوبةً في التآلف مع العسل أو السكر.]
[مزجتُ القهوة ومكعّبات السكر التي أرسلتها في المرّة الماضية وفق النسبة التي ذكرتها لي، لكن تبيّن أن القهوة من دون أي إضافات هي ما يناسب ذائقتي. وعلى أيّ حال، أشكرك على إرسال السكر. الخادمة الصغيرة التي عُيّنت في برجي تذوّقته للمرّة الأولى وأُعجبت به كثيرًا. كلّ ذلك بفضلك.]
“هاه…”
لم تكن المرّة الأولى التي يُخرج فيها الرسالة، ومع ذلك انقبض قلبه كأنه يقرؤها لأوّل مرّة.
ابتسم هيبيريون ابتسامةً باهتة من غير وعي، ثم ما لبث أن استحضر صورة أنجيليكا قبل قليل فتصلّبت شفتاه.
“هل يمكن أن يتغير ذوقها إلى هذا الحدّ خلال عامٍ أو عامين فقط؟”
بل في الحقيقة، لم يمضِ حتى عامٌ كامل.
مرّر نظره سريعًا على كومة الرسائل وفتح الرسالة التي تلقّاها في ربيع هذا العام.
“كما توقّعت… لا ذِكرَ لتغيّر في الذوق.”
كانت تُبدي فضولًا خفيًا تجاه يوميّات رجلٍ لا تعرف حتى اسمه جيّدًا، لكنها لم تسأله بإلحاح. تكتفي بردٍّ خفيف على ما يكتبه عرضًا عن يومه، ثم تنتقل للحديث عن نفسها.
ولعلّ لهذا السبب كانت رسائلها مشبعةً بعاداتها الصغيرة وأفكارها وفلسفتها الخاصّة.
فهل يُعقل أن تتغيّر طباعُ شخصٍ كهذا جذريًا من دون أن يذكر ذلك؟ إمّا أنّها كانت تحبّ الحلوى منذ البداية، أو…
“مستحيل.”
انتفضت في ذهنه فرضيّة مفاجئة، ففتح الرسالة التي أرسلتها قبل أيّام.
انفتحت الورقة المطويّة بعناية بصوتٍ حادّ. أخذ يقارن الرسالتين حتى احمرّت أطراف عينيه.
“الخطّ…”
تنقّل بين تهجئات الكلمات التي يختلف فيها الناس عادةً اختلافًا واضحًا.
“…متطابق.”
لم يجد أيّ فارقٍ يُذكر.
تسرّبت ضحكٌ فارغ من بين شفتيه. أبالغتُ لأن ذوقًا واحدًا اختلف؟
“نعم… فكرة تبدّل الأرواح أكثر عبثًا من عين الحكيم نفسها.”
أمورٌ كهذه ليست سوى حكاياتٍ نسجها من لا يعرفون من السحر سوى اسمه؛ إحياء الموتى أو تبديل الأرواح… ما يسمّى بالسحر الأسود.
هزّ رأسه ساخرًا من نفسه لانسياقه خلف خيالٍ سخيف.
ومع ذلك، لم يستطع التوقّف عن مقارنة الرسالتين.
الخطّ متطابقٌ كأنه مطبوع، لكن الأسلوب بين السطور مختلفٌ على نحوٍ طفيف.
“الجمود ليس من ذوقي.”
إذًا منطقيًا، كان ينبغي أن تعجبه الرسالة الأخيرة أكثر. فهي ليست رصينةً وأنيقةً كما السابق، بل دافئةٌ ولطيفة.
لكن لماذا…؟ رغم أنها لا توافق ذوقه، ظلّ هيبيريون يعيد قراءة الرسائل القديمة مرارًا.
مع أنه لأجل خططه المقبلة ينبغي أن يدرس أنجيليكا المتغيّرة.
“ليس بالأمر السهل.”
الشعور بالنفور الذي راوده لم يتبدّد، بل أخذ يتضخّم ويعذّبه.
ما الذي يجعله عاجزًا عن تقبّلها كما هي الآن؟
لم يطل التفكير. لا بدّ أنّ السبب هو هيوغو بيرنشتاين، الرجل الذي صبغ عينيها بالأحمر.
“من بين كلّ البشر… لماذا هو؟”
ولِمَ بجوار ذلك الوحش الذي لا يمكن إقصاؤه بسهولة؟ انفجر قلقٌ وضيقٌ لا يعرف سببهما في تنهيدةٍ ثقيلة.
“حتى لو اضطررتُ للمجازفة قليلًا… يجب أن أتخلّص منه سريعًا.”
ألن تعود أنجيليكا حينها كما كانت؟ مرّر إبهامه على الرسالة التي لا يزال ممسكًا بها.
عندها تذكّر مشهدًا رآه قبل قليل.. هيوغو بيرنشتاين يراقبه من بعيد وهو يحتضن أنجيليكا.
من يدري؟ هل سيرى يومًا تعابير انهيار ذلك الوحش عيانًا؟
“لا يبدو أنه مهووسٌ بعين الحكيم فحسب.”
فهل يُعقل أن يكون ذلك الوحش قد أدرك معنى الحبّ حقًا؟
“هاها.”
أطلق هيبيريون ضحكةً خفيفة لا تليق بالكلمة.
لكن عينيه تحوّلتا إلى نظرةٍ شرسة كأنها تمزّق الدوق الأكبر إربًا.
التعليقات لهذا الفصل " 61"