الدهشة التي حبست أنفاسها للحظة تبدّدت سريعًا أمام المشهد الغريب الذي بدا أمامها. أطلقت أنجيليكا زفرةً قصيرة، وهي تتفحّص يدها الموضوعة على صدرها، تقلّبها ذات اليمين وذات الشمال.
“لماذا هذه المانا……؟”
غريب. فالمانا الذهبية التي كان من المفترض أن تلتصق باليد حتى يستحيل تمييز شكلها، كانت قد انحسرت إلى حدٍّ ما.
والأغرب من ذلك، أنها اختفت عن راحة اليد وحدها، اختفاءً تامًّا.
“شكلها غير طبيعي.”
أمالت أنجيليكا رأسها وهي تلاحظ أن جزءًا من المانا قد انفصل أيضًا عن ظاهر يدها بنحوٍ منظّم.
ولحسن الحظ، لم يدم هذا التساؤل طويلًا.
“هذا…… شكل يد؟”
ما إن فكّرت في اليد حتى طفا إلى ذاكرتها مشهد واحد: اللحظة التي صافحت فيها هيبيريون جيرفيه.
“إذًا… هل يعني هذا أن ملامسة هيبيريون تُسقِط هذه المانا عني؟”
لكن لماذا؟ انقبض وجه أنجيليكا بتعبيرٍ معقّد.
“لا يُعقل أن يكون أصل العودة بالزمن يحاول الآن مساعدتي.”
فهل كان تخلّص هذه المانا عنها أمرًا سيئًا في الأصل؟
هزّت رأسها نافية. فلو كان كذلك، لما تسبّبت هذه المانا في إسقاط الجرعة التي كانت تنوي تسليمها لهيوغو.
‘ لصالح من تقف هذه المانا بالضبط……؟’
فكّرت مرارًا، لكنها لم تجد جوابًا. وفي النهاية، وبعد زفرة قصيرة، وصلت إلى خلاصة واحدة: عليها التخلّص من هذه المانا مهما كان الأمر.
“إن أردتُ أن أبقى على قيد الحياة، فلا بدّ من ذلك.”
راح كفّها ، من غير وعي، يتّجه نحو قلبها.
نبض— وسقط قلبها مجددًا إلى قدميها. إحساس ضيّق، ومع ذلك استطاعت أنجيليكا، وللمرة الأولى منذ زمن، أن تبتسم ابتسامة صافية.
“يجب أن أعيش.”
جدّدت عزمها.
صحيح أن فكرة الاضطرار إلى ملامسة هيبيريون من جديد كانت مزعجة…… لكن—
“من أجل هيوغو.”
وما قيمة هذا الاحتكاك؟ حتى ذلك الاشمئزاز المقرف، يمكنها احتماله بابتسامة.
“وسأبحث، في الوقت نفسه، عن الأداة السحرية.”
الحلم الذي لم تكن تتذكّره بسبب هيبيريون جيرفيه ، أو لأي سببٍ كان ، صار الآن أوضح.
فلعلّها—
“قد أسمع مجددًا صوت أنجيليكا في الحلم.”
أو ربما ترى طريقة لتعطيل الأداة السحرية، أو حلًّا آخر من بين حلولٍ عدّة.
وإن استطاعت تدمير تلك الأداة أو إبطالها…
“فلن يموت هيوغو بسببي مرةً أخرى.”
ثبّتت قرارها، وأدارت رأسها نحو الجهة التي يوجد فيها.
لأنها كانت تضغط على قلبها بكفٍّ نظيفة خالية من المانا، كان قلبها ينبض بمزيجٍ من الترقّب والذنب.
ومع ذلك— لم تشعر بالخوف.
❈❈❈
في هذه الأثناء، في مكتب الدوق الأكبر.
رغم أن شمس الصباح كانت قد بدأت تشرق ببطء، كان مكتب هيوغو بيرنشتاين مكدّسًا بالوثائق.
خشخش.–
أمسك بالقلم الذي بدا نحيلًا مقارنة بيده وأكمل عمله بهدوء.
يبدو أنه سهر طوال الليل؛ فالوثائق التي انتهى من مراجعتها كانت مكدّسة من الأرض حتى مستوى مكتبه.
طَق–
ما إن وقّع على آخر ورقة، حتى رفع بصره عن المكتب أخيرًا.
العينان اللتان اعتادتا البقاء صافيتين مهما طال السهر، كانتا هذه المرة محتقنتين بالدم. حتى بياض العين احمرّ، وانفجرت فيه شعيرات دقيقة، فصار مظهره أكثر غرابة.
وإذ كان يدرك حاله على نحوٍ تقريبي، ضغط بإبهامه على زاوية عينه.
ثم، فجأة، توقّف نظره عند باب الغرفة، وأطلق زفرةً منخفضة.
“يحدث هذا مجددًا.”
ما كان يتلاشى حين ينغمس في العمل، عاد يهاجمه دفعةً واحدة ما إن انتهى، ليعصف بذهنه.
شدّ هيوغو قدمه التي كادت تتحرّك من تلقاء نفسها، وغرسها في الأرض. فلو غفل لحظة، لتغلّبت الغريزة على العقل، ولساقته قدماه مباشرة إلى باب غرفتها.
هل أكتفي بالذهاب حتى باب الغرفة فقط؟ قد يقتحم غرفتها وهي نائمة، ويسألها فجأة عمّا حدث بالأمس.
تذكّر جدول يومها الذي سمعه من تقرير كبير الخدم بالأمس.
<يبدو أنها أمضت فترة بعد الظهر كاملة برفقة شخص من جهة جيرفيه. كانت هناك حواجز سحرية قوية، فلم نتمكّن من سماع فحوى الحديث.>
<لا يبدو لقاءً عابرًا. قال السائق إنه سمع، عرضًا، حديثًا يوحي بلقاءٍ آخر لاحقًا.>
<إن صدر أي توجيه من السيدة بخصوص الخروج مستقبلًا، سنرفع تقريرًا عاجلًا فورًا.>
“شخص من جهة جيرفيه.”
لا شكّ فيه.
كان هيبيريون جيرفيه.
‘ أنجيليكا، عمَّ تحدّثتِ مع ذلك الرجل؟ ‘
سؤالٌ لم يستطع أن يطرحه عليها قط، فاكتفى بمضغه وحيدًا في داخله. لم يكن ممّن اعتادوا الاستسلام للخيال، لكن ما إن تعلّق الأمر بها حتى راحت نهاياتٌ مروّعة، كأنها أحداث عاشها فعلًا، تعبر خاطره تباعًا.
كيف كان تعبير وجهكِ حين التقيتِ حبّكِ الأول الذي طالما تمنّيتِه؟ لا بدّ أنكِ ابتسمتِ ابتسامة لم تُظهريها لي يومًا، ابتسامة تشبه ربيع أيّار.
ربما تطرّقتما إلى الرسائل التي تبادلتماها طويلًا، واستعدتما ذكرياتٍ لا يعرفها سواكما. ثم لا بد أن الحديث انساق إلى الزواج، وإلى اللحظة التي اضطررتِ فيها لذكر أن زوجك هو هيوغو بيرنشتاين.
في تلك اللحظة… أيّ تعبيرٍ ارتسم على وجهكِ وأنتِ تنظرين إلى حبّكِ الأول؟
كان عليه أن يقطع هذه التخيلات العقيمة عند هذا الحد. لكن الأمر، كالعادة، لم يكن سهلًا.
ابتسامتها الصافية التي رآها خلال الأشهر الماضية، حين بدأ التقارب بينهما، كانت قد تلاشت منذ زمن.
والمرأة التي تشغل فكره الآن لم تعد تلك المبتسمة، بل صورةٌ ملوّثة بدماء الوحوش، ترتجف رعبًا.
ولهذا، لم يستطع هيوغو بيرنشتاين أن يقترب من أنجيليكا أكثر. كان يخشى أن تكون قد رأت حقيقته، صورته وهو يمسك السيف ويقطع به، فتفزع كما يفعل الآخرون، وترتعد لمجرّد نظرة، ثم تفرّ إلى مكانٍ لن يستطيع بلوغه أبدًا.
‘ …الآن، من الصواب أن أمنحها وقتًا.’
وقتًا لتألف وجوده… أو لتستسلم لحقيقته.
وخز.–
عاد خنصره، الذي كان ساكنًا، ليُعلن عن وجوده من جديد. عندها فقط انتشل هيوغو نفسه من أفكاره، ووجّه نظره إلى الإصبع الذي لم يبقَ فيه حتى أثر جرح.
وحين ضغط خنصره بإبهامه، كمن يتحسّس يده التي ترتدي خاتمًا ،
طَقّ، طَقّ.—
دوّى طرقٌ حذر على باب المكتب. كانت وطأة مألوفة، ومع ذلك لم يسعه إلا أن يتفاجأ.
‘ ألم ألحظ وجوده حتى بعدما اقترب إلى هذا الحد؟ ‘
مهما كان غارقًا في أفكاره، فقد تصرّف في الآونة الأخيرة وكأن مسمارًا قد انفكّ من رأسه.…مع أن عدم حدوث ذلك كان سيكون الأغرب.
أطلق زفرة قصيرة بين شفتيه، “ادخل.”
انفتح الباب، ودخل الخادم وقد اسودّ وجهه من شدّة القلق. حتى خطواته، على غير عادته، كانت سريعة. عقد هيوغو حاجبيه وهو يحدّق فيه.
“ما الأمر؟”
“سيدي، ينبغي أن تتوجّه إلى الشمال.”
حتى هيوغو، الذي يفضّل سماع الخلاصة مباشرة، وجد الكلام مفاجئًا. ازدادت التجعيدة بين حاجبيه عمقًا، فسارع الخادم إلى الشرح.
“توجد مؤشرات على استيقاظ الوحوش.”
“همم.”
أمرٌ نادر. فشتاء الشمال قاسٍ إلى حدّ يجعل حتى الوحوش عاجزة عن النشاط، فتدخل في سباتٍ طويل لتخزين قوتها. وحين يقترب الربيع وتبدأ البرودة بالانحسار، تتدفق بأعدادٍ كبيرة نحو المناطق الأدفأ.
نمطٌ تكرّر كل عام، دون استثناء واحد.
“هل توجد ظواهر غير طبيعية أخرى؟”
سأل هيوغو، وقد خطر بباله تلقائيًا موسم الصيد. فأخرج الخادم، كأنه كان ينتظر السؤال، رسالة وصلت إلى مقرّ الدوقية.
كان الشمال أكثر مناطق الإمبراطورية انغلاقًا، حتى في إمبراطوريةٍ تقدّس السيف. ومع ذلك، وللمرة الأولى، وصلت رسالة من موطنه وقد فُرض عليها سحر الانتقال.
وبينما يقرأ هيوغو محتواها، التقط لا شعوريًا السيف الموضوع إلى جانب مكتبه. فتصلّب جسد الخادم وهو يقول:
“يجب أن نطلب دعمًا عسكريًا من القصر الإمبراطوري. إن كانوا لم يتمكنوا من حصر عددها، فهذا يعني أن الأعداد تضاعفت… لا، ربما بلغت ثلاثة أضعاف.”
“غريب. في الشتاء لا يحدث تكاثر.”
“يبدو أنها عبرت الحدود واتجهت جنوبًا. وبالنظر إلى أن غزوات البرابرة هذه المرة غير مسبوقة، فالأمر مؤكد.”
شدّ هيوغو قبضته حول مقبض السيف بقوة. كيف لشيءٍ أن يعجز الشماليون، الذين لا يترددون في السلب، عن التصدّي حتى لوحشٍ واحد؟
لكن كونهم صامتين إلى هذا الحد، يعني أن القوة الجديدة التي تتقدّم جنوبًا أقوى بكثير مما يُتخيَّل.
“أرسلوا طلب الدعم إلى القصر فورًا.”
“نعم، سيدي. سأُتمّ الاستعدادات للمغادرة خلال ثلاثة أيام.”
انحنى الخادم وهمّ بالخروج، ثم توقّف فجأة، وقد طرأ سؤال إلى ذهنه، فالتفت إلى هيوغو.
ارتخت القبضة التي كان يشدّها في الهواء، وتردّد الخادم لحظة قبل أن يحرّك شفتيه قائلًا:
التعليقات لهذا الفصل " 59"