لقد كانت مجرد كلمات بسيطة مصفوفة بجانب بعضها البعض، لكنه استغرق وقتًا طويلاً لاستيعاب معناها.
وجه ليونيل، الذي كان دائمًا باردًا كطبقة الجليد التي تغطي بحيرة في منتصف الشتاء، بدأت تظهر عليه ملامح الاضطراب. بدأت التموجات كدوائر صغيرة، ثم أخذت تتسع وتكبر حتى صارت كالأمواج العاتية.
لكن إدريان لم يدرك هذا التغيير الذي طرأ على ليونيل.
“هل.. هل تعلم كم عانيتُ بسبب ذلك؟”
كان إدريان لا يزال مستشارًا من شدة خيانته من قبل كلوي، وكان مشغولًا ببث شكواه وتصوير نفسه كضحية بريئة. وفي المحصلة، كان تصرف إدريان هذا هو الخيار الأسوأ الذي أدى إلى تفاقم الوضع بسرعة فائقة.
“كم من الجهات كانت تعرض مبالغ طائلة لشراء تلك الأسلحة، لكن أنيس تلك الماكرة كانت تهرب الأسلحة إلى الشمال في كل مرة، هل تدرك حجم الأموال التي خسرناها بسببها!”
“وهل تظن أن الأمر اقتصر على الأسلحة فقط؟ المستلزمات الطبية والمؤن أيضًا! لم تكن تتصرف كتاجر بل كأنها فاعلة خير! كلما سنحت لها الفرصة، كانت ترسلها للشمال— أغغه!”
في تلك اللحظة، شعر إدريان بشعور غير واقعي وكأن جسده يطفو في الهواء. وبمجرد أن أحس بذلك التحليق الخاطف، ارتطم جسده بالأرض مجددًا.
طاخ—!
بسبب الألم الرهيب الذي اجتاح ظهره، أدرك إدريان أنه سقط للخلف مع الكرسي.
“ار.. ارحمني! أرجوك ارحمني!”
عندما أدرك إدريان أخيرًا خطورة الموقف بدأ يصرخ بجنون، فاقتحم كالت والفرسان الغرفة. لكن ليونيل كان قد اعتلى الجزء العلوي من جسد إدريان بالفعل، قابضًا على عنقه بيد واحدة.
ضغط ليونيل دون تردد على الشريان السباتي الذي كان ينبض بعنف تحت يده. تحول وجه إدريان إلى اللون الأحمر القاني ثم شحب فجأة ليصبح أزرق اللون.
اتسعت حدقتا إدريان بشدة؛ لم يستطع رؤية وجه ليونيل بوضوح بسبب الإضاءة الخلفية، لكن عينيه الزرقاوين اللتين تلمعان بوضوح وسط الظلام كانتا تخبرانه بيقين أن هذا الرجل قد تجاوز حدود العقل.
ارتجف جسد إدريان بشعور مرعب جمد عموده الفقري.
“ببطء.”
خرج صوت ليونيل منخفضًا جدًا لدرجة أنه لم يبدُ كصوت بشري.
“أخبرني بكل شيء، من الألف إلى الياء، دون أن تنقص حرفًا.”
“غـ.. غـ.. غغه……”
شحب وجه إدريان تمامًا، واستقر رعب حقيقي في عينيه لأول مرة. أدرك أن هذا الرجل قد يقتله فعلاً. ولأجل البقاء، بدأ يحرك لسانه لينطق بالحقيقة.
“الـ.. الإشاعات. كل الإشاعات التي قيلت عنها.. كـ.. كـ.. كلها محض كذب!”
“……”
خبط إدريان بيده على يد ليونيل بجنون وهو يلهث، فارخت يد ليونيل قبضتها قليلاً، بالقدر الكافي فقط ليتمكن من الكلام.
“إذن، حتى الإشاعة التي تقول إن أنيس هربت الأسلحة إلى الجنوب لتنضم للفرقة الملكية؟”
“نعم، نعم! لا جنوب ولا غيره، حتى في ذلك الوقت كانت أنيس ترسل الأسلحة إلى الشمال! لكن يبدو أن خطبًا ما حدث في المنتصف ولم تصل إليك يا سيادة الدوق! والقطار.. أجل، ذلك القطار لم تركبه أصلاً!”
أراد إدريان أن يذكر حادثة سقوط عربة أنيس وانفجارها، لكنه أغلق فمه بسرعة. شعر أنه لو ذكر حادثة أنيس الآن، فسيُكسر عنقه في الحال؛ فنظرة ليونيل كانت تبدو كنظرة شخص فقد عقله تمامًا.
كالت أيضًا تجمد كتمثال وهو يستمع للحقائق التي تنهمر من فم إدريان. حل سكون قصير داخل غرفة التحقيق. وسط ذلك الصمت الملتوي، كان كتفا ليونيل العريضان يرتفعان وينخفضان وكأنه يستنشق أنفاسًا عميقة ومضطربة.
“…… ووالدها الحقيقي.”
اخترقت نظرة ليونيل إدريان. كان صوته لا يزال هادئًا وأنيقًا، لكن لم يعد فيه ذرة واحدة مما يسمى بالعقل.
“هل تعرف أنيس أن راؤول هيرفين غوتن هو والدها الحقيقي؟”
“كـ.. كيف عرفت ذلك يا سيادة الدوق……!”
اتسعت عينا إدريان لدرجة كادت تخرج من محجريها. كان منظره مخزيًا وهو يسمع الحقيقة التي أخفاها طويلاً بدافع الجشع تخرج من فم شخص آخر.
“سألتك، هل تعرف أنيس؟”
عندما تأخر الرد، ضاقت قبضة ليونيل مجددًا. هز إدريان رأسه بيأس وهو يشعر بالاختناق:
“غغه.. لـ.. لا! أنيس…… لا تعرف شيئًا عن والديها! لم أخبرها!”
اصطكت أضراس ليونيل مصدرة صوتًا مخيفًا. كل كلمة يتفوه بها إدريان كانت تؤكد حقيقة واحدة تكررت مرارًا في هذه اللحظة:
أنيس التي في الإشاعات كانت كذبة بالكامل.
إذن، ما الذي كان يراه طوال هذا الوقت؟
بماذا كان يؤمن؟
ومَن.. مَن الذي كان يكرهه بكل تلك القسوة؟
اهتزت حدقتا ليونيل بعنف. رغم أن إدريان هو من كان يختنق، إلا أن ليونيل شعر وكأن أنفاسه هو التي انقطعت. تلك الموجة العاتية حطمت في لحظة جدار الكراهية الذي بناه ليونيل بصلابة طوال السنين.
انقلبت كل الحقائق والأكاذيب في لحظة واحدة.
لقد كان كل شيء خاطئًا.
لدرجة أنه صار يخشى حساب متى بدأ الخطأ وإلى أي مدى وصل.
لقد كان الوضع فوضويًا للغاية.
طاخ!
فُتح الباب بعنف وكأن الفرسان سيحطمون المقر، واقتحموا وكر ريبلت.
“فتشوا كل شبر! في كل الظروف، اجعلوا سلامة الدوقة هي أولويتكم القصوى!”
مباشرة بعد أن حصل على موقع المقر من إدريان، قاد ليونيل الفرسان إلى هناك دون لحظة تردد واحدة.
ساد صمت مطبق داخل المقر منذ الخطوة الأولى. على الجدران، كانت قصاصات الورق الممزقة وإطارات الصور الفارغة تتأرجح وكأنها بقايا هجر سريع.
“لا يوجد أحد هنا. يبدو أنهم غادروا المكان بالفعل.”
تردد صدى صوت كالت المنخفض في المكان. مسح ليونيل المحيط ببطء؛ كان المقر يشبه جحر النمل، حيث ترتبط الطوابق الأرضية بالقبو بشكل معقد. انقسم الفرسان لمجموعتين يفتشون الممرات والسلالم واحدًا تلو الآخر.
كانت هناك بقع دماء وآثار انتقال سريع تشير إلى أن شخصًا ما قد هاجم هذا المكان بالفعل، لكن لم تكن هناك أي علامة تتعلق بأنيس في أي من تلك الآثار.
استمر الوقت في المرور بلا رحمة. بدأت أصوات الاحتفالات والأغاني البعيدة تتلاشى، وانطفأت أضواء المدينة واحدًا تلو الآخر. لكن البحث لم يتوقف. حتى بدأ فجر الصباح يتسلل عبر النوافذ، استمر الفرسان في البحث وكأنهم سيقلبون كل حجر في المبنى. لكن رغم كل تلك الجهود، كانت النتيجة محبطة.
“ليست موجودة يا سيادة العقيد.”
“لقد استجوبنا الناس في المهرجان، لكن لم نحصل على أي معلومة مفيدة هناك أيضًا.”
توالت تقارير الفرسان الذين انقسموا بين المقر والساحة. كان ليونيل يستند إلى الباب وهو يغمض عينيه، وبرودة الفجر في المقر المهجور استقرت على كتفيه.
وسط ضوء الفجر الخافت، أخرج سيغاريلو (سيجارًا صغيرًا) ووضعه في فمه.
تيك—.
قبل أن يشعل النار، توقفت يده فجأة. أصدر معدن الولاعة صريرًا بسبب القوة المفرطة التي ضغط بها ليونيل بأصابعه. تلك الحركة البسيطة جعلت الفرسان يحبسون أنفاسهم جميعًا.
ظاهريًا، بدا ليونيل باردًا وهادئًا كالعادة، لكن رفاقه الذين قضوا معه وقتًا طويلاً كانوا يعرفون جيدًا:
ليونيل الآن عبارة عن فتيل قنبلة سينفجر عند أدنى لمسة.
خاصة الفرسان الذين شهدوا ما حدث في غرفة التحقيق؛ كانوا حذرين حتى في أنفاسهم. فقد رأوا بأم أعينهم الحقيقة الصادمة: أنيس لم تكن العدو الذي تسبب في موت أخت قائدهم.
أشعل ليونيل السيجار أخيرًا واستنشق الدخان ببطء.
“أغلقوا المنطقة المحيطة بمكان اختطاف أنيس بالكامل.”
خرج صوته المبحوح والمضطرب مع دخان السيجار من بين شفتيه:
“ابدأوا البحث من جديد. أريد أي شيء، ولو كان دليلاً تافهًا.”
“حاضر! علم وينفذ!”
بمجرد صدور الأمر، تفرق الفرسان. السيجار الذي كان يتوهج طرفه بالأحمر قصر طوله بسرعة، وسقط رماده على الأرض. أخرج ليونيل سيجارًا آخر ووضعه بين شفتيه.
‘ماذا لو لم أجد أنيس هكذا……’
كانت تلك الفرضية تشوش عقله باستمرار. لكن ليونيل حاول طرد القلق، وهمس لنفسه كأنه يغسل دماغه: “لا. سأجدها. سأفعل ذلك حتمًا.”
ومع ذلك، وكأن القدر أراد خيانة ذلك العهد المتغطرس، لم تتغير تقارير الفرسان بعد ذلك. رغم تمشيط العاصمة وضواحيها شبراً شبراً، كانت الجملة التي يسمعها ليونيل دائمًا هي نفسها:
“نعتذر يا سيادة العقيد. لا يمكننا العثور على أي أثر للدوقة في أي مكان.”
التعليقات لهذا الفصل " 81"