الفصل 1
رِواقٌ مُظلم.
ليلةٌ حالكة لا يَجرؤ أحدٌ على الخروجِ فيها، وصوتُ الرعدِ يُزمجرُ وكأنَّه يوشكُ على ابْتلاعِ العالَم.
“هاه، هاه.”
تَشبثتْ تيريسيا بأنفاسِها التي بَدتْ وكأنَّها ستنقطعُ في أيِّ لحظة.
كانتْ أنفاسُها المَكدودة، والسيفُ الذي اخْترقَ صَدْرها، والدماءُ التي سَالَتْ خَلْفَ ظَهرِها، تُخبرُها بأنَّ حَياتَها لم يَعُدْ يَبقَى فيها إلا القليل.
هل كانَ ذلكَ بالأمس، أمْ أولَ أمس؟
آه، أجل، كانَ بالأمسِ حينَ وَصلَ خبرُ مَقتلِ إيثان.
نُقِلَ نَبأُ مَوت الوَريثِ الوحيدِ إلى منزلِ الدوق.
خَبرُ مَقتلهِ بِبَسالةٍ في أشَدِّ المَعاركِ ضراوةً.
كانَ مَوتاً عَزَّ على الجميع.
“بِهذا المظهر، تَبْدِينَ حقاً كابنةِ دوق.”
تَوقفتْ تيريسيا عن إشعالِ الشموعِ عندَ سَماعِ الصوتِ المَمزوجِ بالسخرية، والتفتتْ إلى الوراء.
“عَمِّي.”
“عَمِّي، هاه…”
تَفقَّدَ الكونت كلو الرواقَ الطويلَ الذي دخلَهُ للتو. ثمَّ اتجهتْ نَظراتُه نحو الأعلامِ السوداء المُعلَّقةِ حِداداً على مَوتِ الوَريث.
رَفرفتْ أقمشةُ الموتِ المُنتشرةُ في كلِّ مكانٍ بهدوءٍ مع أضواءِ شموعِ العَزاء.
“الجنازةُ ستُقامُ بعدَ أسبوع.”
قالتْ تيريسيا بِصوتٍ هادئ.
بَدا مظهرُها وهي تَقِفُ بثوبِ الحدادِ الأسودِ ووجهِها الشاحبِ مَهيباً بشكلٍ ما.
رُغمَ نَحالتِها وضَعفِها، إلا أنَّ هيبةً لم تَكُنْ مَوجودةً من قبل كانتْ تُحيطُ بها.
لم يَعجبْ ذلكَ الكونت كلو؛ فقد بَدتْ وكأنَّها تقولُ إنَّ هذا المكانَ وهذا المَنصبَ يَعُودانِ لها.
لكنَّ هذا المكانَ أصبحَ له الآن.
بما أنَّ سُلالةَ أخيهِ قد انْقطعتْ، فهو الشخصُ الوحيدُ الذي يُمكنُه حَملُ اسمِ العائلة.
ومع ذلك، تَقِفُ هذه الفتاةُ التي لا يَجري في عُروقِها قَطرةُ دمٍ واحدةٍ من “هيسبيلد” هناك، وكأنَّها دوقةٌ حقيقية.
حينَ وَقعَ بَصرُ الكونت كلو على شَعْرِ تيريسيا البنيِّ الذهبي، الذي لا يَمُتُّ لِعائلةِ هيسبيلد بِصلة، عَقَدَ حاجبَيْه دونَ وعي.
“لماذا تَتولَّينَ أنتِ تنظيمَ الجنازة؟”
“إنْ لم أكنْ أنا، فَمنْ سيَحزنُ على مَوتِ إيثان إذن؟”
“هذا مُضحك. بأيِّ صِفةٍ تَفعلينَ ذلك؟”
لم تَستجبْ تيريسيا لكلماتِ الكونت كلو المَليئةِ بالاحتقار.
وبسببِ ثباتِها وعدمِ تَغيُّرِ تَعابيرِ وجهِها وهي تَنظرُ إليه، بدأَ الكونت كلو يَستشيطُ غَضباً.
“أنا مَنْ يَحملُ دماءَ هيسبيلد. أنا مَنْ سَيصبحُ الدوق ويُقيمُ جنازةَ ابنِ أخي.”
“أنا أختُ إيثان وابنةُ هيسبيلد. أنا ابنةُ الدوق، ولستَ أنتَ أيُّها العمُّ من الفَرعِ الجانبي.”
“كيفَ تَجرؤُ مَنْ دَخلتْ عائلتَنا بِمحضِ الصدفةِ على قولِ ذلك!”
صَرخَ الكونت كلو فجأةً، لكنَّه تَوقَّفَ عن الانفعالِ وكأنَّه تذكَّرَ شيئاً ما.
طَق، طَق.
اقتربَ الكونت كلو خُطوةً نحو تيريسيا.
“أجل، لقد اعترفَ بكِ أخي كابنةٍ له. رُغمَ أنَّكِ لستِ من دَمِنا، إلا أنَّه أحبَّكِ أكثرَ من ابنِ أخي النبيل.”
“…”
“ولكنْ يا تيريسيا.”
تَوقفَ الكونت كلو أمامَها.
شَعرتْ تيريسيا بانقباضٍ في صَدرِها وكأنَّها نَذيرُ شُؤم.
“لا يُمْكنُ تَغييرُ السُّلالة.”
غَرْز!
“!…”
في اللحظةِ التالية، بَرزَ سيفٌ حادٌّ من ظَهرِ تيريسيا.
وفي الوقتِ نَفْسِه، دَوى الرعدُ بِقوة.
بدأتْ أعلامُ الرواقِ وشموعُه تَهتزُّ بِعنف.
“ابنةُ أخي العزيزة. إنْ كنتِ حقاً من هيسبيلد، فمِنَ الأفضلِ أنْ تَلحقي بِأخي وإيثان.”
“أنتَ…!”
“عائلةُ هيسبيلد لي! لم أصبرْ كلَّ هذه السنينَ تحتَ سُلطةِ أخي لأتركَها لكِ!”
“الكونت… كلو!”
مدَّتْ تيريسيا يدَها للإمساكِ به، لكنَّ جسدَها فقدَ توازنَه وتَرنَّحَ.
“لا تَقلقي، لنْ تَطولَ مُعاناتُكِ. لقد وَضعتُ سُمّاً على السيف، لذا ستنضمِّينَ إلى إيثان قريباً.”
سُم!
بدأَ السمُّ ينتشرُ بسرعةٍ كبيرةٍ لدرجةِ أنَّ جسدَها تَصلَّب.
حاولتْ ألا تَسقط، لكنَّها لم تَستطعِ الصمود.
سَقطتْ تيريسيا بضعفٍ إلى الوراء.
دوِيُّ رعد!
انْهمرَ المطرُ بغزارة.
كانتْ تَعلمُ أنَّ ذلكَ الرجلَ الطامعَ يَشتهي مَنصبَ الدوق، لكنَّها آمَنتْ بأنَّ الأمورَ ستكونُ بخيرٍ ما دامَ إيثان، الوارثُ الشرعيُّ، مَوجوداً.
لأنَّ عائلةَ هيسبيلد كانتْ مِلكاً لـ إيثان.
لكن…
°ألمْ تَكوني تَتمنَّينَ مَوتي يا أختاه؟°
لا يا إيثان.
أنا فقط أرَدتُ البقاءَ على قيدِ الحياةِ في هذا القصرِ المظلم.
بَعدَ فترة، هدأَ الكونت كلو ونَفَضَ ثيابَه واقتربَ من تيريسيا.
ارتسمتْ ابتسامةٌ على شفتَيْه وهو يَرى اللونَ الأحمرَ يَتَّسِعُ خَلْفَ ظَهرِها.
“يا لَه من أمرٍ مُؤسف، سأضطرُّ لإقامةِ جنازةِ طفلَيْ أخي معاً. سأُعاملكِ كابنةِ دوقٍ كما كُنتِ تَتمنَّين.”
كانَ صوتُ الكونت يَمْلؤُه الفرحُ الذي لا يُمْكنُ إخفاؤُه.
“وداعاً يا تيريسيا. سأحمي أنا عائلةَ هيسبيلد.”
تَراجعَ الكونت لِتجنُّبِ الدَّوسِ على بِركةِ الدماءِ المتوسِّعة، وخرجَ مُسرعاً من الرواق.
في تلكَ اللحظة، انْطفأتْ شمعةٌ واحدة.
“هاه، هاه.”
تَشبثتْ تيريسيا بأنفاسِها المُنقطعة.
لم يكنْ بإمكانِها أنْ تَنتهيَ هكذا.
هذه العائلة، عائلةُ هيسبيلد، كانتْ مِلكاً لـ إيثان.
كانتْ مِلكاً له رُغمَ كلِّ المحاولاتِ التي بَذلتْها والدتُها للاستيلاءِ عليها.
إيثان.
أنا آسفة. أنا آسفة.
لو لم آتِ أنا وأمي إلى هنا، لما مِتَّ أنتَ بِهذا الغَدْر.
لو لم آتِ إلى هنا، لما اضطُررتَ لِتركِ مَنزلِ الدوق.
كلُّ هذا بَسَببي وبسببِ أمي.
دوى صوتُ رعدٍ قويّ.
‘لو كانَ بإمكاني العودة، لو استطعتُ العودةَ إلى ذلكَ الوقت…’
لنْ أسمحَ لأمي ولا للكونت كلو بِسلبِكَ هذا المَنزل.
سأفعلُ أيَّ شيءٍ لأُعيدَ لكَ حقَّكَ، سواءً كانَ العدوُّ هو الكونت كلو أو أيَّ شخصٍ آخَر…
حتى لو كانتْ أمي.
إيثان.
سالتْ دمعةٌ على خَدِّها.
وفي اللحظةِ التي لامستْ فيها الدَّمعةُ دماءَها…
انْفجرَ ضوءٌ ساطع.
°ألمْ تَكوني تَتمنَّينَ مَوتي يا أختاه؟°
كانَ صوتاً مَليئاً بالعتاب.
كانَ العتابُ هو أولَ شُعورٍ أدْركتُه منك.
ابتسمتْ تيريسيا بسخرية.
كانتْ ابتسامةً قد تَراها أمُّها غيرَ لائقة.
بل أرادتْ أنْ تضحكَ.
لو لم يَخرجِ الدَّمُ من رِئتيها بَدلاً من الضحك، لَضحكتْ تيريسيا فعلاً.
°لقد كُنتِ تَكرهينَني يا أختاه.°
لا، أنا لم أكرهْكَ أبداً.
°لو لم أكنْ مَوجوداً، لأصبحَ كلُّ هذا لكِ.°
لا يا إيثان. لم أتمنَّ ذلكَ أبداً.
°وأنا أيضاً، لم أتمنَّ يوماً أنْ تَكوني أختاً لي.°
شَعرتْ بألمٍ حادٍّ في صَدرِها.
لماذا لم تَصِلْ مشاعري إليكَ؟
°أتمنى أنْ يَمْنحَكِ مَوتي السلامَ.°
فتحتْ عَينَيْها مع شعورٍ بالاختناقِ والألم.
“هاه، هاه”
اندفعَ الهواءُ إلى رِئتَيْها فجأةً وكأنَّها لم تكنْ تَتنفَّس.
كانَ الهواءُ الكثيرُ يَضغطُ على صَدرِها.
أمسكتْ تيريسيا بصدرِها من شدةِ الألم.
المكانُ الذي اخْترقَهُ السيفُ كانَ يُؤلمُها وكأنَّه يَحترق.
يُؤلم؟ أشعرُ بالألم؟
‘ألمْ أكنْ مَيتة؟’
الشعورُ بالألمِ يَعني أنَّ الحياةَ مُستمرَّة.
حاولتْ فَرْدَ جَسدِها فَعادَ الألمُ مجدداً.
ومع ذلك، تَلمَّستْ صَدْرَها دونَ اهتمامٍ بالألم.
لا شيء.
لا سيفَ، لا دماءَ، لا جُروحَ… لا شيءَ على الإطلاق.
“آنستي؟”
“آه.”
رَفعتْ تيريسيا رأسَها بِذهولٍ عندَ سَماعِ الصوتِ الذي يَناديها.
اندفعَ الضوءُ إلى بَصرِها وكأنَّها أدركتْ للتوِّ أنَّها تفتحُ عَينَيْها.
“آنستي، هل أنتِ بخير؟ هل أستدعي الطبيب؟”
“ماندي؟”
“نعم، آنستي.”
ظَهرتْ فتاةٌ صغيرةٌ في رُؤيتِها التي اعتادتْ على الضوء.
كانتْ فتاةً ذاتَ شَعرٍ بنيٍّ ونَمَشٍ تحتَ عَينَيْها، تَنظرُ إلى تيريسيا بِاستغراب.
لم تُصدِّقْ تيريسيا عَينَيْها.
كانتْ بلا شَكٍ خادمتَها الشخصية “ماندي”.
الخادمةُ التي مَاتتْ مع والِدَيْها قبلَ ثلاثِ سنوات.
“هل أنتِ على قيدِ الحياة؟”
“ماذا تقولين؟ هل كُنتِ تَحلُمين؟”
“…حُلُم؟”
بدا وجهُ ماندي أصغرَ مِمَّا تتذكَّرُه.
لم تكنْ ماندي وحدَها، بل حتى صوتُ تيريسيا نَفْسِها بدا صغيراً.
“هل يُعقل…”
نَهضتْ تيريسيا من السريرِ وركضتْ نحو المِرآة.
عَينانِ أرجوانيتانِ وشَعْرٌ بنيٌّ ذهبي.
رُغمَ شُحوبِ وجهِها، إلا أنَّ مَلامحَها كانتْ أصغرَ مِمَّا تَتذكَّرُه في لحظاتِها الأخيرة.
“إيثان.. أينَ إيثان؟”
سألتْ وهي تُحاولُ مَنْعَ صَوتِها من الارتجاف.
“أهو نائم؟”
“نعم. السيدُ الصغيرُ يُحبُّ النومَ في الصباح.”
“…أجل، كانَ كذلك.”
أجل، كانَ طفلاً يُحبُّ النوم.
كانَ يَتذمَّرُ أحياناً لأنه يُريدُ النومَ لِفترةٍ أطول.
ارْتجفتْ أجفانُ تيريسيا.
“يجبُ أنْ أرى إيثان.”
“ماذا؟”
“يجبُ أنْ أرى إيثان!”
“آنستي!”
خَرجتْ تيريسيا من الغرفةِ وكأنَّ شيئاً ما يَتملَّكُها.
سَمعتْ صوتَ ماندي وهي تَناديها بِذعرٍ من الخَلْف، لكنَّها لم تَهتم.
لم يكنْ يَهُمُّها كيفَ تَبدو ملابسُها أو كيفَ يَراها الآخرون.
الشيءُ الوحيدُ المهمُّ الآن هو أمرٌ واحد.
‘يجبُ أنْ أتأكَّدَ بِنفسي. هل أنتَ حيٌّ حقاً؟ هل عُدتُّ حقاً؟ هل هذا حُلُمٌ أم حقيقة؟’
كانتْ قَلِقة.
شَعرتْ وكأنَّ قَدَمَيْها ثَقيلتان.
بدأتْ خُطواتُ تيريسيا نَحوَ غرفةِ إيثان تَتسارعُ حتى أصبحتْ تَرْكُض.
تَجاهلتِ الأصواتَ التي تَناديها من الخَلْف.
نَظرَ إليها بَعضُ مَنْ صادفتْهم في الطريقِ باستغرابٍ لأنَّها كانتْ تَركُضُ حافيةَ القَدَمين، لكنَّها لم تَهتم.
ما دامَ إيثان حياً.
“إيثان!”
عندما فَتَحتِ البابَ بقوة، رأتْ إيثان.
نَظرَ إليها الطفلُ الذي بَدا وكأنَّه استيقظَ للتوِّ بِعَيْنَيْنِ مُتسعتَيْن.
بدا وجهُه مُتصلِّباً قليلاً، رُبما لِتفاجُئِه من مَجيءِ أختِه غيرِ الشقيقةِ لِرؤيتِه في الصباحِ الباكر.
مَظهرُ طفلٍ رقيقٍ وصغير.
هل عمرُه الآن 13 أم 14 عاماً؟
بدا أخي أصغرَ مِمَّا في ذاكرتي.
“أختاه؟”
ناداها إيثان بِحيرة، لكنَّها لم تَستطعِ الردَّ.
شَعرتْ أنَّها لو فتحتْ فَمَها، سَيخرجُ صوتٌ غريب.
حاولتْ تيريسيا بِصعوبةٍ حَبسَ دُموعِها التي كادتْ تَنْهمر.
لقد عُدتُ. لقد عُدتُ حقاً.
لقد حَصلتُ على فُرصةٍ حقيقية.
فُرصةٌ لإنقاذِك.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 1"