الفصل 169 :
قال ذلك، ثم التفت كيرتيس نحو إيزابيلا وأشار بذقنه.
تراجعت إيزابيلا، التي كانت ترتّب شعرها المبعثر، إلى الخلف وأغلقت باب الغرفة الداخلية بعنف.
ومن الواضح أنّه كان يبعد إيزابيلا عن المكان، فاشتعلت عينا الملك غضبًا.
“كنتُ أعلم ذلك. كنتُ أعلم أنّكما متواطئان معًا…!”
“للأسف.”
سخر كيرتيس ساخرًا.
“لديّ دوقةٌ أعشقها حدّ الإفراط. من المزعج قليلًا أن تربطني بامرأةٍ أخرى بتلك الطريقة، يا أخي.”
“هاه! ذلك الكذب هو أقبح كذبة تفوّهتَ بها في حياتك! أيُّ حبٍّ هذا!”
وأشار الملك إليه بإصبعه، فهزّ كيرتيس كتفيه.
“إنّه صحيح. والمثير للدهشة أنّني، في هذا الشأن تحديدًا، ممتنٌّ لك كثيرًا.”
“اخرج!”
“وتعلم جيّدًا أنّني لن أخرج لمجرّد أنّك أمرتني بذلك.”
قال كيرتيس ذلك وهو يقترب من الملك بخطواتٍ واسعة.
ارتجف الملك، لكن كيرتيس كان أسرع.
طَقّ.
“آه!”
وضع الرجل يد الملك على الأرض وداسها بحذائه.
لم يسحقها بقوّةٍ تُذكر، ومع ذلك أطلق الملك صرخة كمن يُحتضر.
لقد حرص على ألّا تنكسر عظمة، ومع هذا… نقر كيرتيس لسانه.
“لماذا فعلتَ ذلك بي؟”
“ماذا فعلتُ! آه، اتركها!”
“أجبني وسأتركك. لماذا كرهتني إلى هذا الحدّ؟”
كان الملك يتلوّى بجسده محاولًا سحب يده، لكنّه ما إن سمع السؤال حتى صاح على عجل.
“كُنتُ، كُنتُ أكرهك!”
تقطّبت جبهة كيرتيس بشدّة.
كأنّي لا أعرف ذلك وأسأل عبثًا.
“سألتُ: لماذا كنتَ تكرهني؟”
“لأنّي كنتُ أكرهك فقط! ولماذا أحتاج إلى سبب!”
كان صوت الملك حادًّا ومذعورًا، كصوت شخص مطارد.
ولا بدّ أنّ السبب هو أنّ يده ما تزال تحت حذاء كيرتيس.
تردّد كيرتيس.
حقًّا، هل يكسرها؟
لكنّه لم يستطع.
الشخص الذي سمح له بالتسلّل إلى هذا المكان كان فريدريك.
أن يتشاجر الملك سكرانًا ويحاول الاعتداء على السفير الدبلوماسي لغلينترلاند، وأن “يتصادم قليلًا أو يُصاب”، فذلك لا يُعدّ مشكلة.
لكن إن انكسرت الأصابع، فالأمر سيكبر.
وكذلك خنقه أو ركله.
‘تسك.’
“مجرد كراهية؟ ومع ذلك ظللتَ تضايقني لمدّةٍ طويلة.”
“وما المشكلة! أنا الملك، وكلّ ما في الأمر أنّني كنتُ أكره ما لا يخضع لإرادتي!”
ومع ذلك، ظلّ الملك حتّى النهاية يصرّ على كلمة “فقط”، ولم يذكر سببًا حقيقيًّا لكراهيته.
وذلك طبيعي.
فلا بدّ من وضع سكين عند عنقه حتّى يعترف قائلًا: “كرهتك لأنّك أفضل منّي.”
فكّر كيرتيس في سرّه.
كلوي.
كلامكِ صحيحٌ في الغالب، لكنّكِ على الأرجح لم تعرفي هذا.
أخي أسوأ مِمّا تتوقّعين.
وذلك النوع من “النهاية النظيفة” التي تتحدّثين عنها مستحيل مع هذا الإنسان.
بعد أن حسم كيرتيس أمره، تنفّس بعمق ورفع قدمه عن يد الملك.
“يـ، يدي!”
عوى الملك وهو يمسك يده.
“أنا أخوك، أليس كذلك؟ بل أخوك الأصغر بفارق عشرين عامًا. ألا يمكنك أن تشفق عليّ؟”
ما قاله كيرتيس كان اندفاعًا.
ورغم ذلك، كان أمرًا فكّر فيه دائمًا.
ألا يملك أخوه، الذي كان يكره طفلًا أصغر منه بكثير إلى حدّ محاولته القضاء عليه، أيّ ذرة شفقة؟
لكنّ الملك غيّر ملامحه فورًا وحدّق فيه بغيظ.
“ابن عاهرة غلينترلاند، كيف تجرؤ على أن تُسمّي نفسك أخي! لم أفكّر بك يومًا على أنّك أخي!”
لماذا؟
الكلمات التي تفوّه بها الملك في تلك اللحظة، سمعها كيرتيس عشرات المرّات في حياته.
لكنّ الغريب أنّ دمه، على غير عادته، غلى في تلك اللحظة وحدها.
رفع كيرتيس شان بيرك قبضته.
طَخّ.
“آه!”
تلقّى الملك الضربة على فكّه وسقط، مُصدرًا صوتًا كمن يختنق.
“أُهغ! آه!”
إنسانٌ لم يُضرب قطّ في حياته، خرّ أرضًا وكأنّه على وشكّ الإغماء من لكمة جنديّ خاض كلّ صنوف المعارك، وراح ينهج ويشهق كخنزير لبرهة طويلة.
ولم يكتفِ بذلك، بل ما إن تقدّم كيرتيس خطوة أخرى حتّى ارتعب وتراجع معتذرًا.
“حـ، حسنًا! أخطأت! أخطأت!”
ضربة واحدة فقط، وها هو يعتذر.
يا له من رخيص.
ومع هذا المنظر، تلاشى الغضب الذي كان قد اندفع فجأةً بسخافة.
حدّق كيرتيس فيه طويلًا، ثم فتح فمه.
“…أرغب في ضربك بضع مرّاتٍ أخرى، لكن بما أنّ لي فضلًا عندك، فسأتوقّف هنا.”
وكان يقصد كلوي بالطبع.
فلو لا ضغطه، لما تزوّجها أصلًا.
لكنّ الملك، وقد أشرق وجهه فجأة، رفع رأسه وهو يلهث مبتسمًا.
“نـ، نعم. أنت تعرف الجميل أيضًا، أليس كذلك؟ لقد أبقيتُك حيًّا…”
أبقيتَني حيًّا؟ أنا؟
على يدك؟
سخافة.
فهو نفسه من كان يزجّ به مرارًا في ساحات القتال.
لقد نجا بالكاد، بفضل حظٍّ عارض واستعدادٍ محكم متواصل.
ولو لا ذلك، لكان كيرتيس قد صار من سكّان العالم الآخر منذ زمن.
كان على وشكّ الردّ، حين قال الملك:
“وأمّك أيضًا، هيهي. في النهاية، يمكن القول إنّي أنا من تخلّص منها أوّلًا…”
الملكة ميلدريد.
في تلك اللحظة، ابيضّ عقل كيرتيس تمامًا.
-‘كيتي.’
هكذا كانت أمّه تناديه دائمًا.
كان الملك الراحل يعشق الملكة ميلدريد عشقًا بالغًا.
وكانت الطريق إلى اتخاذها زوجة ثانية شاقّة، إذ لم تكن سوى أميرةٍ من غلينترلاند.
ويُشاع بين الناس أنّ الملكة ميلدريد كانت ذكيّة جدًّا، وأنّها طالبت بالكثير مقابل حبّها.
اسم بيرك، لقب الدوق الأكبر لطفلها، الإقطاعية، تمويل دفاع غلينترلاند، واللقب المزدوج….
لكنّ ذلك لم يكن صحيحًا.
أدقّ القول أنّ الملكة ميلدريد لم تكن تريد صفقة أصلًا.
فذلك الزواج لم يكن في حقيقته سوى بيع غلينترلاند لها.
الشروط التي قيل إنّها طالبت بها مقابل الحبّ، لم تكن سوى ذرائع لتفادي الزواج.
“احموا بلادي. تحمّلوا نفقات الدفاع.”
وافق الملك الراحل.
“امنحوا طفلي لقبًا واسم عائلة مختلفًا.”
كانت الأميرة ميلدريد ترى أنّ الرجال يعتبرون توريث الاسم أهمّ شيء، وظنّت أنّهم سيتركونها وشأنها.
لكنّ الملك وافق على ذلك أيضًا.
“أعطوا طفلي لقب غلينترلاند، لكن ليكن من رعايا إيفانيس.”
وافق الملك حتّى على ذلك.
وهكذا غرقت الأميرة ميلدريد في اليأس وصارت ملكة.
وأخذ الملك الراحل ثمن كلّ ذلك كاملًا.
“…أمّي، جراحي القديمة…”
كانت الملكة ميلدريد الجرح القديم في حياة كيرتيس شان بيرك.
يكره كيرتيس رؤية الشعر المتساقط على السرير.
كانت الملكة ميلدريد، كلّما أصابها الجنون، تخنق عنق طفلها قائلة: “لنمت معًا.”
وحين كانت تضغط على عنقه فوق السرير، كان شعرها الأشقر الطويل ينسدل كشلال.
وكان الطفل يشعر دائمًا وكأنّ ذلك الشعر هو ما يخنقه.
لم يكن الناس يعلمون ذلك، لكنّ الملكة ميلدريد كانت قذرةً دائمًا.
لأنّها لم تعتنِ بنفسها.
كانت تكره أن تلمسها الخادمات.
واليوم الوحيد الذي كانت تستحمّ فيه وتتعطّر وتصفّف شعرها، هو اليوم الذي يأتي فيه الملك.
رغم شهرتها بالجمال، كانت تفوح منها رائحة.
تلك المرأة الذكيّة فقدت نصف عقلها، وراحت تهيم في القصر المنعزل.
وكان الملك يعلم كلّ ذلك، ومع ذلك تركها.
ما دامت جميلة ونظيفة أمامه، فلا يهمّ أيّ شيء آخر.
كان يعصر جسدها حتّى تمتلئ بالكدمات، ويُشبع رغباته وهو يعلم أنّها تتقيّأ ولا تستطيع الأكل.
كلّ ذلك ظلّ محفورًا في كيرتيس زمنًا طويلًا.
في الثامنة عشرة من عمره، كان كيرتيس شان بيرك في طريقه لزيارة أمّه بعد انقطاعٍ طويل.
عامان في الجيش.
ربّما الآن يستطيع رؤيتها على حقيقتها.
وكان خائفًا في الوقت ذاته.
يومٌ واحد فقط.
لنؤجّل يومًا واحدًا فقط.
“لقد حدث أمرٌ خطير! اندلع حريق في قصر كيرشهير…!”
وأمام القصر الذي احترق بالكامل، شعر كيرتيس براحةٍ غريبة.
كان ذلك شعوره الحقيقي الذي لم يستطع البوح به لأحد.
كأنّ جرحًا تعفّن طويلًا انفجر فجأةً بيد شخصٍ آخر.
ومع ذلك، كان قلبه يؤلمه.
فمهما كانت إنسانة محطّمة، فهي أمّه.
والجرح الذي لم يُشفَ تمامًا، يبقى إلى الأبد.
لقد سلب الملك من كيرتيس حتّى فرصة التغلّب على الملكة ميلدريد.
“ليس لك أن تقول هذا.”
بوجهٍ خالٍ من التعبير، ركل كيرتيس رأس الملك بحذائه.
طَخّ.
التعليقات لهذا الفصل " 169"