لم يَعُد كيرتيس يعتبر الأمر مُجرّد صدفة على الإطلاق. كان لجوؤه إلى تشغيل الجواسيس وسيلةً للبقاء حيًّا في مواجهة الملك.
ذلك السلوك الذي بدأ منذ طفولته المبكرة لم يتوقّف حتى بعد وفاة الملكة ميلدريد. لقد جمع جواسيسه أدلّةً من قرية ساحلية مدمّرة، وكان كيرتيس يراكم تلك القرائن واحدةً تلو الأخرى، ثم قدّمها إلى كلوي.
‘لكن الأمر غريب.’
إيزرا، الذي تسلّم تلك المستندات، لم يستطع إخفاء شعوره بالنفور والريبة. لماذا؟ لو استمرّ التحقيق على هذا النحو فقط، فربما ستظهر أدلّة حاسمة قادرة على الإطاحة بالملك. فلماذا ظلّ دوق بيرك صامتًا طوال هذه المدة؟
غير أنّ طرح هذا السؤال لم يكن من شأن إيزرا. فقد حمل القائمة بهدوء، وتوجّه إلى منزل شخصٍ كان قد شغل منصب نائب حاكم كيرشهير سابقًا.
-‘من هناك؟’
-‘إيزرا دوبوا، برتبة مُلازم، من الحرس الملكي الإيفانيس.’
-‘ما الذي جاء بالحرس الملكي الإيفانيس إلى هنا…؟ أنا لا أعرف شيئًا!’
في العادة، من يملك شيئًا يخفيه هو أكثر من يطلق مثل هذه الصرخات. ولم تكن القائمة التي في يد إيزرا مجرّد اسمت لنائب الحاكم فحسب.
بل كانت قائمةً تُفصّل، وبشيء من اللطف المريب، كيف يمكن تهديد رجلٍ تولّى حتى خمس سنواتٍ مضت التستّر على شتّى أنواع الفساد للحاكم.
-‘اللعنة. أنت… هل أنت من رجال دوق بيرك؟’
وكان النائب يبدو معتادًا على مثل هذه المواقف. وبالطبع، لم يكن ينوي الإجابة بصدق.
-‘الحرس الملكي الإيفانيس جماعةٌ شريفة، وُجدت لحماية جلالة الملك.’
-‘…ما أدهى مكرَك. أهذا يكفي؟’
الذين أيديهم ملوّثة غالبًا ما يتركون خلفهم كلّ شيءٍ تحسّبًا للعواقب. وبتثاقل، ناول النائب رسالةً واحدة مختومة بخاتم ملك إيفانيس.
سلّم إيزرا المال الذي كانت كلوي قد أعدّته مسبقًا. تناول النائب المال بفرحٍ ظاهر وهو ينفث دخان سجائره بكثافة، ثم سأل باستغراب:
-‘مرّ وقتٌ طويل منذ تأكّدتم من الأصل، فلماذا تحتاجون إليه الآن؟’
-‘…ليس من شأنك أن تعرف.’
كان دوق بيرك قد اطّلع على الأصل. ومنذ زمنٍ بعيد أيضًا. حفر إيزرا هذه الحقيقة في ذهنه، ثم عاد أدراجه.
وفي مكتب البريد، اطّلع على البرقية والمذكّرة اللتين أرسلتهما كلوي.
كانا قد اتفقا مسبقًا على الرجوع إلى هذا الخيار إن لم يتمكّنا من اللقاء في البلدة التي يقيم فيها زوجا أمبرويز. كانت المذكّرة قصيرة، لكن مضمونها العام كان واضحًا. إذا اطّلع على هذه المذكّرة، فهذا يعني أنّها محتجزة بالفعل، وعليه أن يتوجّه إلى سوريين.
-‘…هل توقّعت حتى هذا؟’
تساءل إيزرا إن كانت كلوي قد توقّعت الوضع الراهن بكل تفاصيله. لكن بما أنّه أنهى مهمّة الإبلاغ، سلّم الرسالة أولًا. أخذ بارثولوميو الرسالة، وما إن ألقى عليها نظرةً حتى توقّف فجأة.
“كيف يُقرأ هذا أصلًا؟”
كانت الرسالة مكتوبة بأسلوبٍ معقّد، مليءٍ بالالتفاف والدوران. وفي النهاية، تولّى سيمون قراءتها. عدّل سيمون نظّارته، وتمعّن في الرسالة طويلًا، ثم فتح فمه قائلًا:
“أمم…المحتوى ساذجٌ نوعًا ما، لكن الخلاصة هي هذه. هذه الرسالة تُعدّ أيضًا وثيقة ضمانٍ لنقل صلاحيات إقليم بيرك.”
شحبت وجوه جميع النبلاء الحاضرين. ومن بينهم إيزرا، وآغات، وكلوي كذلك. وكانت آغات أشدّهم فزعًا،فصرخت بصوتٍ مرتجف:
“آه! لا تخبروني بهذا! أريد الخروج!”
لكن بارثولوميو كان جالسًا أمام الباب. وكانت سرعة بديهة آغات مذهلة. فقد جلست أرضًا فورًا، وسدّت أذنيها، وبدأت تصرخ:
“آآآآآ! لن أسمع شيئًا! آآآ! آآ! آآآ!”
كان موقفها واضحًا؛ لا رغبة لها في التورّط أكثر في أعماق هذه القضية، ولا في سماع أيّ كلمةٍ تُقال هنا. وذلك مفهوم. فهذا دليلٌ ظرفيّ على أنّ ملك إيفانيس قد تخلّص من أقربائه، وقرّر تسليم إقليمهم لدولةٍ أخرى. حتى لو كان الملك فوق الجميع، فهذا تجاوزٌ فاضح.
لكن سواء أعجبهم أم لا، واصل سيمون شرح الرسالة.
“كاتب هذه الرسالة يشكر الطرف الآخر على الثأر لضيفين كريمين قُتلا في حريق. ويضيف أنّ على أولئك القراصنة الأوغاد أن يُبادوا سريعًا. وكعربون شكر، تقرّر نقل جزءٍ من صلاحيات إقليم بيرك. لكن تاريخ كتابة الرسالة هو….”
“قبل الحريق.”
قاطعت كلوي فور أن نظرت إليها.
“هي رسالة تُمهّد لادّعاء أنّ سبب الحريق هو القراصنة، وتُنبئ سلفًا بوفاة الضيفين الكريمين.”
لم يستطع بارثولوميو تحمّل المزيد، فانتزع الرسالة من يد سيمون. ثم أخذ يحدّق فيها بعينين متّسعتين، يقرأها مرارًا وتكرارًا. ضحك سيمون ضحكةً خفيفة بعد أن سُحبت الرسالة منه.
“ابنتي.”
“ماذا؟”
“أظنّ أنّ لابنتنا صهرًا مخيفًا جدًّا….”
وكان العرق البارد يتجمّع على ظهر سيمون. وشاركت كلوي هذا الشعور، باستثناء وصف ‘المخيف’.
‘حقًّا، مستقبل إيفانيس ليس بخير….’
تذكّرت اللحظة التي وقفت فيها أمام الملك مع كيرتيس شان بيرك. حين تساءلت في نفسها: هل مستقبل إيفانيس بخير؟
بدت تلك الذكرى وكأنّها حدثت بالأمس، وفي الوقت ذاته كأنّها من زمنٍ بعيد. على أيّ حال، كان هناك أمرٌ واحد مؤكّد. مستقبل إيفانيس ليس بخير.
وفي خضمّ ذلك، كانت آغات لا تزال تسدّ أذنيها وتتمتم:
“آآآآآ… عندما تنتهون أخبروني، أنا لا أسمع شيئًا….”
“كلوي.”
الذي ناداها كان إيزرا. أشار بذقنه نحو بارثولوميو وسأل:
“إذًا، هل تنوين تسليم الرسالة والمغادرة؟”
لم يكن قد سمع شرحًا كاملًا للوضع من كلوي. لكن من رؤية بارثولوميو يحدّق في الرسالة بعينين محتقنتين، فهم أنّ هذا الشيء ذو أهميةٍ بالغة لذلك القرصان العظيم. ولهذا أوكلت إليه هذه المهمّة، على ما يبدو.
تساءل في نفسه إلى أيّ مدى كانت تعرف كلوي قبل أن تبدأ. وشعر بقليلٍ من الفخر. فبصرف النظر عن مشاعره تجاهها، من الطبيعي أن يشعر المرء بالفخر حين ينجح صديقُه.
لكن كلوي هزّت رأسها.
“لا، سأبقى هنا. أنت وآغات اخرجا.”
“ماذا؟”
ارتفع صوته دون قصد من شدّة الذهول.
“ما الذي تقولينه؟ لماذا عليكِ البقاء هنا أصلًا؟”
لم يكن إيزرا يعرف تفاصيل ما حدث، لكنّه لم يرَ سببًا واحدًا لبقاء كلوي بين هؤلاء القراصنة. فإذا كانت تُطلب منه المغادرة بهذه الثقة، فهذا يعني أنّ الوضع قد حُلّ بالفعل.
وكان ذلك صحيحًا. كلّ ما أراد بارثولوميو معرفته قد انكشف. ومن الآن فصاعدًا، لا مانع لديه من إطلاق سراح عائلة أمبرويز، بل والجميع.
لكن كلوي دارت بعينيها ثم ابتسمت ابتسامةً خفيفة.
“…هناك شيء أريد اختباره.”
“ماذا؟ ما الذي تريدين اختباره؟”
“ليس من الضروري أن تعرف.”
بدأ الإحباط يتملّك إيزرا.
“أنا جئت إلى هنا لأُخرجكِ!”
حين أرسل برقية تفيد باختطاف كلوي، تخيّل كم سيبدو أحمق في نظر كيرتيس شان بيرك. بعد أن كُشف أمر حبه لها أمام دوق بيرك، ثم لا يفعل شيئًا سوى إرسال برقية بعنوان <اختطاف ضيفة>.
ولهذا جاء إلى هنا بعزمٍ ثقيل، راكبًا القارب، مصمّمًا على إخراجها.
لكن كلوي كانت تنظر إليه بصمت، بعينين ضاقتا أكثر من المعتاد. وعندما طال الصمت، تكلّم إيزرا مجددًا بنفاد صبر:
“هل تعلمين أنّ دوق بيرك حصل على حقوق الثروة المائية والضرائب في غلينترلاند؟”
“…حصل على لقب كونتٍ إقليميّ في سوليريا، إضافةً إلى حقوق الثروة المائية؟”
“نعم. هذا شرط التجنيس. جميع الصحف لا تتحدّث عن شيءٍ غيره.”
بطل حرب إيفانيس، سيصبح كونتًا إقليميًّا في غلينتراند وحاكمًا لدولةٍ إقطاعية. كان خبرًا صاعقًا، حتى إن صحف الدول المجاورة أفردت له عناوينها.
شعر إيزرا بأنّه سيجنّ. ذلك الوغد ربط كلوي إلى جانبه فقط لأنّه لا يريد الذهاب إلى غلينترلاند. ثم الآن، يقول إنّه سيذهب؟
إذًا، كلوي، لماذا تزوّجتِ ذلك الرجل أصلًا؟
تراكبت الأفكار حتى أوشك الغضب أن ينفجر. وحين رأت كلوي حالته، أطلقت زفرةً قصيرة.
“إيزرا.”
“…تكلّمي.”
“أنتَ جندي.”
ازدادت مرارته عند سماع ذلك. لأنّه جندي، فعليه أن يطيع؟ أن يتركها هنا ويرحل؟
“صحيح. أنا جندي. وكما قلتِ، أنا مكلّفٌ بحمايتكِ. أليس من واجبي، إذًا، أن أؤمّن هروب رئيسي الذي اختطفه القراصنة؟”
التعليقات لهذا الفصل " 155"