في ذلك الوقت، لم يكن قد مضى على التحاق كلوي بالبحريّة سوى نحو ثلاث سنوات فقط.
عندما قيل إنّ الاستعداد للحرب ضروريّ، عمّت الفوضى الجميع. وكان ذلك أوّل مرّة ترى فيها كلوي حقيقة بحريّة إيفانيس المتراخية على نحوٍ جليّ. سواري صدئة، ومجاذيف مكسورة….
‘لو اندلعت الحرب آنذاك، لكنتُ قد صرتُ طعامًا لأسماك القرش منذ زمن….’
كان أمرًا يُثير القشعريرة.
لكنّ تلك الحادثة انتهت عندما تدخّل الأمير فريدريك وليّ العهد بنفسه واعتذر للدوق.
يُقال إنّ الأمير فريدريك ذهب وحده إلى الدوق، لا يرافقه سوى حارسين، وقدّم اعتذارًا مهذّبًا قائلًا إنّ ما حدث كان خطأً.
وافق الدوق على الاعتذار وتراجع، ووهب الأمير منظارًا مُطعّمًا بالأوبال الأسود من جبل لاروشيل، كما سمح بتداوله مؤقّتًا في إيفانيس.
وهكذا دخل أوبال لاروشيل الأسود إلى إيفانيس.
“وجود ذلك الأوبال الأسود على منظار قرصان، يعني أنّ دوق تيريزماينيا يتغاضى عن ذلك القرصان.”
الأوبال حجرٌ ضعيف أمام الرطوبة والملوحة، وإذا لم يُعالَج بشكلٍ صحيح فسرعان ما يفسد.
ومهما كانت العناية به جيّدة، فإنّه يتلف بسرعة، ولذلك من البديهي ألّا يُستخدم في أدوات تُستعمل كثيرًا في البحر، كالمناشير والمناظير.
فإذا وُجد شيءٌ كهذا، فلا بدّ أنّه ليس أداةً تُستعمل على سفينةٍ تجاريّة عاديّة.
كما لا يمكن أن يكون غنيمةَ نهب، لأنّ المثبّت عليه هو أوبال لاروشيل.
ضحك بارثولوميو ضحكةً فارغة من المعنى.
“يبدو أنّ من تكون دوقةً كبرى، لا بدّ أن تعرف مثل هذه الأمور أيضًا، أليس كذلك؟”
أطلقت كلوي شخيرًا ساخرًا.
“لا. هذه مجرّد ميزةٍ خاصّة بي.”
على أيّ حال، فإنّ سحب كلّ تلك القطع البحريّة إلى الخارج على هذا النحو، كان سيُضخّم المشكلة دوليًّا.
فالطريق من تيريزماينيا إلى إيفانيس يمرّ عبر المياه الإقليميّة لدولٍ أخرى، مثل زيلتفيغ أو غلينترلاند.
لكنّ الدوق حلّ المشكلة دفعةً واحدة.
ففي طريق عودته إلى تيريزماينيا، هاجم بتلك الفرقاطات مدينة بورتو رويال.
كانت منطقة كيرشهير قد تحوّلت أصلًا إلى خرابٍ بسبب هجمات بارثولوميو، وكانت عائدات كيرشهير الضريبيّة تعتمد تقريبًا كلّها على بورتو رويال، التي صارت مدينةً يعبرها آلاف القراصنة يوميًّا.
قام دوق تيريزماينيا بتدمير بورتو رويال بالكامل، ثم نزل إلى البرّ وشنق الحاكم بنفسه.
أما الدول المجاورة، التي كانت ترى في بورتو رويال صداعًا مزمنًا، فقد أطبقت أفواهها في لحظة.
صحيح أنّ اقتحام الدوق لكيرشهير بتلك الطريقة كان خرقًا للمعاهدات الدوليّة، لكن التخلّي عن جزءٍ من المياه الإقليميّة مقابل القضاء على القراصنة المزعجين؟
كان ذلك ربحًا صافيًا، فلم يعترض أحد.
لكنّ بارثولوميو كان غاضبًا.
“حاكم كيرشهير وحده كان يعرف من هو العدوّ الحقيقي لعائلتي، لكنّ الدوق سبقني ونفّذ قسم انتقامي بقتله.”
أيّ جرأةٍ امتلكها؟
وقد قاده غضبه إلى أن يُبحر بسفينته الصغيرة وحدها، وينزل في ميناء تيريزماينيا حيث كان الدوق يقيم.
سمع دوق تيريزماينيا أنّ قبطان سفينةٍ صغيرة نزل الميناء وبدأ يدمّر ما حوله عشوائيًّا، وأنّ ذلك الرجل هو القرصان الشهير، فساوره الفضول لمعرفة ما يدور في داخله.
وهكذا، سيق بارثولوميو إلى أمام الدوق، مغطّى بالجراح، لكن حيًّا.
بصراحة، كان يظنّ أنّه سيُشنق فورًا.
لكن على غير المتوقّع، سألَه الدوق عن كلّ ما جرى.
وبعد أن استمع إلى القصّة كاملة، حدّق في بارثولوميو طويلًا بصمت.
-‘لو أنّني استطعتُ أن أتصرف بذلك القدر من الجرأة حين كنتُ في عمرك.’
لم يفهم بارثولوميو ما الذي قصده، لكنّه انتفض عند الكلمات التالية.
-‘حاكم كيرشهير ليس سوى دمية. كما جئتَ تسألني، اذهب واسأل ملك إيفانيس.’
-‘ماذا؟!’
-‘إن استطعتَ احتلال ذلك الساحل الذي لا يُقهر والوصول إلى عتبة فمه، فربّما تقترب قليلًا من الحقيقة.’
ثمّ، أطلق الدوق سراحه.
-‘هذه هديّةٌ أقدّمها لمبتدئ.’
وقال ذلك وهو يرمي إليه منظارًا كان يستخدمه بنفسه.
“ومنذ ذلك اليوم، صار ساحل برادو واجبي الذي لا بدّ من حلّه.”
خلال سنواتٍ عدّة، تحدّى الرجل تيّارات ساحل برادو مرارًا وتكرارًا.
وكان من الطبيعي أن تصبح فانتوم مقرّه الرئيسي.
وطبعًا، لم تكن سوى مكانٍ يمكث فيه لفترةٍ قصيرة، مثل سوريين، فهي مجرّد نقطة عبور نحو هدفه الحقيقي.
لكن مهما بلغ القرصان من براعة، فإنّ التيّارات السريعة غير القابلة للتنبّؤ، التي قيل إنّ تنّينًا نائمًا يسكنها، كانت عبئًا ثقيلًا.
لم يكن يملك ثلاثين فرقاطةً ضخمة كما فعل دوق تيريزماينيا، ولا كان قادرًا على اقتحامها بمفرده.
إلى أن أدرك يومًا أنّ السفن الصغيرة مثل الكارفيل هي الأسهل في الإفلات من تلك التيّارات.
-‘على الأقلّ أدركتَ هذا القدر. اشرب!’
كان ذلك يومًا اشترى فيه الخمر.
-‘حتى ساحل برادو سيّئ الصيت، يمكن الاقتراب منه إن ركب بحّارٌ متمرّس التيّارات!’
قال ذلك رجلٌ وقورٌ مجهول بعدما شرب الجِعَة.
وطبعًا، كان ذلك الرجل….
“أنا. هاه هاه….”
حكّ سيمون أمبرويز مؤخرة عنقه بإحراج.
في البداية، لم يصدّق بارثولوميو الأمر.
فلا يُعقل أن تُمدّ له يد الخلاص بهذه المثاليّة وفي هذا التوقيت.
لكنّ الرجل الوقور قال إنّه باحثٌ مشهور.
لذلك، بدلًا من زوجته التي بدت حائرة وهي تسند زوجها السكير، تولّى بارثولوميو إيصاله إلى النُزُل.
وفي المنزل، رأى كمّيّةً هائلة من الخرائط البحريّة.
عندها أدرك فورًا مَن يكون هذا الزوجان.
كان زوجا أمبرويز معروفَين إلى حدٍّ ما بين البحّارة.
يستأجران السفن، يبحران إلى عرض البحر، لا للصيد، بل لمراقبة الأمواج والغيوم، ويطلبان الاقتراب من المنحدرات الصخريّة، في طلباتٍ غريبة لا تنتهي.
“ولهذا خطفتُهما.”
كان يخطّط لاختطاف الزوجين كلٌّ على حدة، ثم الإبقاء على سيمون أمبرويز وحده وتهديده.
ليدلّه على الطريق المؤدّي إلى ساحل برادو.
لكن ما إن أزيل الكمّام عن فم سيمون أمبرويز، حتّى قال شيئًا غير متوقّع.
“وماذا قال؟”
رغم أنّها كانت تتوقّع الإجابة في قرارة نفسها، حاولت كلوي أن تسأل بهدوء، متمنّيةً أن تكون مخطئة.
ابتسم بارثولوميو ابتسامةً خفيفة.
“سألني إن كان لديّ قريبٌ فقد ابنته.”
هل هذا كلامُ شخصٍ مخطوف؟!
-‘ابنتنا الصغرى، خلف أذنها مباشرةً، لديها وشم يشبه ذلك الوشم على كتفك…. سمعتُ أنّ أهل هذه المنطقة، وأقاربهم، يتشاركون وشومًا متشابهة. فهل….’
“ثمّ ماذا؟”
“ظننتُه مجرّد مخطوفٍ يحاول استغلال الفرصة للهرب، فتجاهلتُه.”
ابتسم القرصان ابتسامةً ماكرة.
ومن الغريب أنّ كلوي، شعوريًّا، أرادت أن تتعاطف مع هذا الخاطف.
فمن الذي يُختطف ثم يسأل عن الوشوم بهدوء؟
-‘كفّ عن الهراء، وارسم هنا، حالًا، الطريق البحري الذي يسمح بالاقتراب من ساحل برادو.’
بارثولوميو بدوره تجاهل ذلك الكلام، ورمى أمام سيمون خريطةً بحريّةً فارغة.
لكنّ سيمون تردّد، ثم سأل: ‘لماذا تسأل عن ذلك؟’
لم يكن هناك داعٍ لأن يكشف الرجل عن هدفه الحقيقي، فأجاب باقتضاب.
-‘يُقال إنّ مملكة إيفانيس غنيّةٌ جدًّا. أريد ضربةً واحدة كبيرة.’
عندها قطّب سيمون جبينه وأطلق أنينًا خافتًا.
-‘آه… هذا مُحرِج.’
أُصيبت كلوي بالذهول.
“ولِمَ التفكير أصلًا؟! إن قلتَ إنّ الأمر مُحرِج، هل تظنّ أنّ القرصان سيقول: ‘آه، فهمت، إذًا واصل طريقك’؟!”
يا لهذا الأب الذي لا يعرف قيمة حياته!
لكنّ سيمون ابتسم بإحراج وعدّل نظّارته.
“الأمر أنّ أباكِ، يا كلوي، سمع خبرًا مُربكًا قبل اختطافه ذلك اليوم، أثناء تناول الغداء.”
“أيُّ خبر؟”
“خبر أنّ ابنتنا… تزوّجت؟”
“…ماذا؟”
في صباح ذلك اليوم تحديدًا، ذهبت الزوجة إيرا بعد انقطاعٍ طويل إلى صندوق البريد في مكتب المراسلات.
وهناك، اطّلعت على الرسائل المتراكمة، فارتبكت.
-‘عزيزي… يقولون إنّ كلوي تزوّجت.’
-‘ماذا؟ مِمَّن؟’
-‘مِن دوق بيرك…؟’
لو كان مجرّد نبيلٍ عادي، لربّما كان اسمًا مجهولًا لزوجي أمبرويز اللذين كرّسا حياتهما للدراسة.
لكن اسم دوق بيرك كان مستحيلًا ألّا يُعرَف.
فهو شخصٌ مشهورٌ أكثر من اللازم.
وهكذا، وبينما كانا عائدَين إلى المنزل بعد شراء الصحف، خُطف سيمون.
وعندما اختُطف سيمون على يد بارثولوميو، وجد نفسه يفكّر بجدّيّة في ما إذا كان سيعترف أم لا.
-‘إن كانت ابنتي قد صارت فعلًا دوقةً كبرى…. فهذا خرقٌ أمنيّ خطير.’
أهمّ ما يحرص عليه الباحثون هو أخلاقيّات البحث.
ولو سار الأمر كما هو معتاد، لكان سيمون، الذي لم يتلقَّ فلسًا واحدًا من إيفانيس، قد رسم التيّارات على عجل وأُطلق سراحه.
لكن إن كانت ابنته دوقة بيرك؟
وإن كان زوجها من الأسرة المالكة في إيفانيس؟
وإن شاع أنّ حما دوق بيرك هو من دلّ قراصنة على طريق الدخول إلى ساحل برادو؟
-‘هذا لا يمكن….’
لهذا السبب، أغلق فمه.
فكّرت كلوي.
هل هذا ما يُسمّى ازدواج المشاعر؟
لماذا، يا أبي، لا تهتمّ حتى بوجباتك اليوميّة، لكنك تصير فجأةً ذكيًّا اجتماعيًّا في مثل هذه المواقف؟
في النهاية، ولإعادة تهديد سيمون الذي أطبق فمه بإصرار، أحضر بارثولوميو الزوجة إيرا التي كان قد خطفها منفصلة.
لكن أوّل ما قالته الزوجة إيرا بعد إزالة الكمّام عن فمها كان مطابقًا.
-‘يا إلهي… ذلك الوشم على كتفك…. لم ألاحظه في الظلام، لكن يا عزيزي، أليس يشبه وشم آيريس؟!’
التعليقات لهذا الفصل " 152"