على أيّ حال، كان لا شكّ أنّها حادثةٌ كبيرة التهمت ما يقارب ثمانين بالمئة من القرية ومنتجع الاصطياف.
ولهذا أرسل حاكم كيرشهير حتى مساعده الشخصي إلى المكان.
وبالنسبة لأهالي القرى الساحلية الصغيرة، كان ذلك رجلًا رفيع المقام إلى حدٍّ بعيد.
فاطمأنّ الناس في سرّهم قائلين إنّ الحاكم مهتمٌّ بهذا الأمر.
لكن بارثولوميو، خلال المدّة القصيرة التي أُسِر فيها على يد القراصنة، رأى من الأمور ما يكفي.
-‘كلّما كان أصحاب المقامات أعلى، كلّما أرادوا إن كان لهم ما يُخزى أن يُنهوا الأمر بسرعة بأنفسهم، بدل أن يتركوه للأتباع.’
كانت تلك كلمات أحد القراصنة الذين قدّروا فديته بعشر قطعٍ من الفضّة.
قال ذلك الرجل، وهو يضحك بخبثٍ، إنّه سبق له أن خطف شابًّا أرستقراطيًّا من دولةٍ أخرى كان متورّطًا في أعمالٍ قذرة، وإنّ أباه حضر بنفسه آنذاك لدفع الفدية.
ولكن أن يأتي مساعد الحاكم بنفسه إلى حريقٍ في قريةٍ صغيرة كهذه؟
كان الأمر، كما توقّع، تمامًا.
أقام المساعد ثلاثة أيّامٍ فقط، متظاهرًا بإجراء تحقيق، ثم أعلن أنّ “الأمر من فعل القراصنة بلا شك”، واستعدّ للعودة.
-‘أيّها السيّد المساعد! لماذا يُقدِم القراصنة على استفزازٍ واضح كهذا في مكان مليءٍ بأفراد العائلة المالكة والنبلاء؟ الجاني شخصٌ آخر بلا شك!’
وحين جادله بارثولوميو على هذا النحو، أمر المساعد حرّاسه بإخراجه إلى الخارج.
-‘أعلم أنّك فقدت عائلتك ولستَ في وعيّك الكامل، لكن لا تتفوّه بالهراء بشأن قضيةٍ انتهى التحقيق فيها.’
كان كثيرون آنذاك قد فقدوا عائلاتهم أو ديارهم ولم يكونوا بكامل اتّزانهم العقلي.
لكن بارثولوميو، على العكس، كان أكثر وعيًّا من أيِّ وقتٍ مضى.
لقد احترق منزله بالكامل، لكن لم يكن فيه أيّ جثمان.
لا زوجته ولا طفله.
وكان يعتقد أنّهما لا بدّ أنّهما ما يزالان على قيد الحياة في مكانٍ ما.
ومجرّد التفكير بذلك كان يمنعه من الانهيار.
-‘لا! أجروا تحقيقًا حقيقيًّا!’
صرخ بذلك، لكنّ مساعد الحاكم غادر على أيّ حال.
ظنّ أنّ الخطوة التالية ستكون إعادة إعمار القرية، لكن المفاجأة كانت صادمة.
فقد طُرد جميع الناجين من المكان بحجّة أنّ القرية التي أحرقها القراصنة مشؤومة.
كان الأمر مُثيرًا للغضب.
فبورتو رويال قائمةٌ وسليمة، فما شأن القراصنة أصلًا؟
لكن ما كان يتقدّم على كلّ شيء، هو العثور على زوجته وطفله.
وأثناء بحثه المحموم في الموانئ والقرى المجاورة ومخيّمات الإيواء، سمع شخصًا يهمس.
-‘يقولون إنّ أصحاب المقامات جمعوا كلّ الأطفال الذين صاروا أيتامًا وأرسلوهم إلى المدينة.’
-‘ماذا؟ سمعتُ أنّ القراصنة خطفوهم.’
لم يكن هناك أيّ شاهدٍ مؤكد.
فقط ظروفٌ ملتبسة.
من الواضح أنّ هناك من أخذ الأطفال الذين احترقت بيوتهم وصاروا أيتامًا بين ليلةٍ وضحاها.
-‘قالوا إنّه موظّفٌ إداري.’
-‘لا يوجد موظّفٌ بهذا الاسم.’
-‘هذا كلّه حيلة من القراصنة ليبيعوا الأطفال! آه، تبًا، تبًا.’
كانت كيرشهير منطقةً يتردّد عليها القراصنة علنًا.
ولذلك لم يكن القول إنّ القراصنة هم من خطف الأطفال أمرًا غير معقول.
لكن بارثولوميو أدرك، دون وعيٍّ منه، أنّ شخصًا ذا مقامٍ عالٍ متورّطٌ في هذه القضيّة.
القراصنة الحقيقيّون لا يهتمّون بشؤون البرّ.
وما الذي سيفعلونه بأطفالٍ صغارٍ أصلًا؟
سفن القراصنة تحتاج إلى بحّارةٍ قادرين على العمل، لا إلى أطفالٍ سيكونون عبئًا محضًا.
وبدل عناء جمع الأطفال وبيعهم لتجّار العبيد، فإنّ نهب سفينةٍ تجاريّة واحدة أسهل بكثير.
لكن أن يتنكّر موظّفٌ إداريّ بزيّ القراصنة ليبيع الأيتام المعدمين، فذلك ليس بالأمر الصعب.
“منذ ذلك اليوم، أقسمتُ أن أصبح قرصانًا حقيقيًّا.”
كان صوت بارثولوميو مشبعًا بالبؤس.
“أقسمتُ أن أُحرق كيرشهير، وأن أنتقم من حاكمها.”
عاد إلى القراصنة الذين أسروه، وأعلن أنّه سيصبح واحدًا منهم.
ربّان السفينة الذي أخذ فديته وقدرها عشر قطعٍ من الفضّة، سأله بتجهم: ‘هل جُننت؟’
لكن بعد أن سمع القصّة كاملة، بدا عليه الذهول بدلًا من الغضب.
‘ذلك الحاكم اللعين! يأخذ منّا أموالًا طائلة بحجّة رسوم الموانئ، ثم يُلقي بكلّ المصائب علينا! حسنًا! سنقبلك واحدًا منّا!’
كانت ابنته في عامها الأوّل، لكن زوجته كانت بالغة.
ولو كان بإمكانها العودة إليه، لكانت فعلت ذلك منذ زمن، ما لم تكن محتجزةً أو ميتة.
لكنّ الزوجة لم تعد، ومصير الطفلة ظلّ مجهولًا.
وبقناعةٍ حزينة أنّ أيًّا منهما لم ينجُ، بدأ الرجل بإحراق سواحل كيرشهير.
هدفه كان الانتقام، وهدف القراصنة كان النهب.
وحين تلاقت الأهداف إلى حدٍّ ما، تسارعت وتيرة الانتقام.
كان الرجل بحّارًا لا بأس به، لكنّه اكتشف، على نحوٍ مدهش، أنّه يملك موهبةً أعظم في السلب والابتزاز.
وكانت سرعة اشتهار اسم بارثولوميو تتناسب عكسيًّا مع شعوره بالذنب.
“ازدادت سمعتك سوءًا لأنّك لم تكتفِ بنهب السفن التجاريّة، بل اعتديت أيضًا على سفن نزهة النبلاء، أليس كذلك؟”
“…مضحكٌ الأمر، أليس كذلك؟ إن نهبتُ عشر سفنٍ تجاريّة قالوا: ‘فعلُ قراصنة’، لكن إن ابتززتُ شابًّا أرستقراطيًّا واحدًا، شاع اسمي في كلّ مكان.”
ضحك الرجل ضحكةً عريضة، لكن مرارةً واضحة كانت عالقة فيها.
ربّما لم يكن يتوقّع أنّ حريق العشر سنوات الماضية، بل وحتّى سبب تحوّله إلى قرصان، سيُلقى اللوم فيه عليه هو نفسه.
فحين تشتهر كثيرًا، تصبح هدفًا لمن يُحبّون حَبكَ المؤامرات.
“لكن… لماذا خطفتَ والدَيَّ إذًا؟”
عند كلمات كلوي، ضيّق الرجل عينيه مبتسمًا.
“هذه قصّةٌ طويلة.”
“كلّ ما سبق كان طويلًا بما فيه الكفاية. تكلّم.”
“هممم.”
نظر بارثولوميو إلى سيمون أمبرويز مرّة، ثم أعاد بصره إلى كلوي.
“هل تعلمين؟ يُقال إنّني لم يُقبَض عليّ قطّ من قِبل أيّ بحريّة، لكن في الحقيقة، قبل خمس سنوات، أُلقي القبض عليّ مرّةً واحدة.”
ضيّقت كلوي عينيها.
كان هناك ما يثير شكّها.
“…لا تقل إنّها تيريزماينيا؟”
اتّسعت عينا بارثولوميو دهشةً.
“كيف عرفتِ ذلك؟”
هزّت كلوي كتفيها.
“رأيتُ الأوبال الأسود القادم من جبل لاروشيل المثبّت على منظارك.”
كان المنظار الذي التقطته سابقًا قطعةً فاخرة بلا شكّ.
وليس غريبًا أن يستخدم قبطان قراصنةٍ بمستوى بارثولوميو منظارًا جيّدًا.
لكن حين يكون ما زُيِّن به هو الأوبال الأسود، فالأمر يختلف.
أخرج بارثولوميو المنظار من صدره، ونظر إليه ثم إلى كلوي بتناوب.
“تعرفين أنّ هذا أوبال أسود من لاروشيل؟ هل يكفي النظر لمعرفة ذلك؟”
“طبعًا.”
وكان ذلك، في الحقيقة، كذبًا.
-‘ألم يدخل أوبال لاروشيل الأسود البلاد إلّا منذ خمس سنوات فقط؟ قلتَ إنّ والدك توفّي منذ أكثر من عشر سنوات.’
-‘كيف عرفتِ ذلك…؟’
-‘كنتُ في البحريّة. حين التحقتُ بها حديثًا، كاد هذا الأوبال الأسود أن يتسبّب في استعدادٍ للحرب، لذا أعرفه جيّدًا.’
تذكّرت كلوي الحديث الذي دار ذات يوم في متجر المجوهرات باسيلور.
صحيح.
كانت من البحريّة، ولذلك كانت تعرف جيّدًا أوبال لاروشيل الأسود.
يشتهر ببريقه الأخضر المميّز، وبكون دوق تيريزماينيا لا يفرّط به أبدًا.
وكان دخول ذلك الأوبال الأسود إلى إيفانيس حدثًا بسيطًا في ظاهره، لكنّه حمل في طيّاته قصصًا كثيرة.
في الأصل، بدأت الحادثة حين أراد دوق تيريزماينيا، قبل خمس سنوات، إبداء حزنه على وفاة الملكة دو سولي.
قبل زواجها، كان الاثنان معروفَين بصداقتهما الوثيقة.
ومن الطبيعي أنّ الدوق أراد حضور الجنازة في إيفانيس بعد وفاة الملكة.
كان حضور رئيس دولةٍ أجنبيّة حدثًا عظيمًا، لكنّ ملك إيفانيس تجاهله تمامًا.
لم تكن الأسباب واضحة آنذاك، لكن كلوي، وقد رأت الملك عن قرب، باتت قادرةً على تخمينها.
‘كان يغار من الملكة دو سولي التي اشتهرت بفضيلتها.’
إلى هذا الحدّ، صار يُشكّ في أنّ الملك، بدل أن يبكي ‘واه، واه’ عند ولادته، كان يصرخ: ‘عُقدة نقص! عُقدة نقص!’
إنسانٌ يغار من كلّ شيء.
‘مستقبل إيفانيس…’
على أيّ حال.
بعد أن رُفض حضوره، أرسل الدوق راية حدادٍ تعبيرًا عن تعازيه.
لكنّ الملك لم يعلّقها في جنازة الملكة، بل تجاهلها وأعادها.
وكان عذره أنّ ‘أحد الخدم نسي’.
لكن أيّ خادمٍ مجنون ينسى راية دولةٍ أخرى؟
حتى وإن أُرسلت بدافع الصداقة الشخصيّة، فقد كان ذلك إهانةً صريحة لتيريزماينيا.
في النهاية، غضب الدوق وقاد بحريّة تيريزماينيا، وبدأ باستعراضٍ عسكري قرب سواحل برادو في إيفانيس.
كانت تيّارات برادو البحريّة سريعةً جدًّا ويصعب الاقتراب منها.
مكانٌ قد تنقلب فيه السفن الصغيرة في لحظة.
لكن حتّى تلك التيّارات لم يكن لها أثر أمام ثلاثين فرقاطة قادها الدوق.
صحيح أنّ الفرقاطات لا تستطيع الاقتراب مباشرةً من الساحل، لكن لا شيء يقف في وجه ثلاثين سفينةٍ ضخمة حين تُثبّت بالسلاسل وتُلقي مراسيها.
ثلاثون فرقاطة قبالة ساحل برادو.
وكان في كلّ واحدةٍ منها مئةٌ وستّون مدفعًا.
أمام هذا المشهد، ومع وجود تلك السفن على مرمى البصر، أصاب القلق إيفانيس.
التعليقات لهذا الفصل " 151"