كان حوارًا بين أصحاب المقام الأعلى. ومهما حملت إيزابيلا لا غلينترلاند من لقب غلينترلاند، فإنّ حقيقتها لا تعدو كونها ابنةً بالتبنّي، جرى ضمّها لأجل غايةٍ معيّنة.
لذلك، كان الاستياء واضحًا في صوت ويليام الخامس. لكن إيزابيلا لم تتردّد، وفتحت فمها بلا تهيّب.
“أعتذر. لكن بحسب ما أختبرتُه بنفسي، فإنّ دوق بيرك… رجلٌ لا يعرف للجميل قدرًا. كما أنّ جلالة الملك في هذا المجلس قد اختبر ذلك بنفسه.”
عند كلام إيزابيلا، رفع الملك حاجبيه باهتمام، ثمّ أومأ برأسه.
“يبدو أنّ الآنسة إيزابيلا تُجيد قراءةَ الناس.”
“أعتذر. أنا امرأةٌ وضِيعة، لا تُقارن بجلالة سموّك في وطني، قليلة الفهم وضحلة الإدراك، لكنّي أرجو أن أُسهم، ولو بقدرٍ ضئيل، برأيي المتواضع.”
<إذًا، ما الذي تودّين قوله بالضبط؟>
تدخّل ويليام الخامس وقد بدا عليه الضجر من تبادل المجاملات. ابتلعت إيزابيلا ريقها، ثمّ تابعت.
“لا خلاف على أنّ دوق بيرك يُحبّ الدوقة الكبرى. لكن لا يبدو أنّه يقدّمها على نفسه. وفوق ذلك، هو شخصٌ بارع في الحيل والمناورات.”
همهم الملك موافقًا.
“هو يحمل لقب ماركيز سوليريا، ولذا فليس مضطرًّا أصلًا لطلب أسطول إيفانيس من سموّ وليّ العهد، إذ يكفيه أن يطلب من غلينترلاند ليستعمل أسطول سوليريا. ففي الأساس، أسطول إيفانيس…”
توقّفت إيزابيلا عند هذا الحدّ، وألقت نظرةً حذرة على الملك.
فضحك الملك ضحكةً وديعة متصنّعة.
“لا أنكر أنّ قوّة أسطول إيفانيس القتاليّة أدنى من غيره، لكن ينبغي النظر إلى أسطولنا على أنّه جماعة دينيّة تُكرّس نفسها للقداسة.”
“شكرًا لك. وبالنظر إلى ذلك، فإنّ طلبه أسطول إيفانيس بدلًا من غلينترلاند، رغم خطورة الموقف، يُشير إلى أنّه لا يريد، مهما كان الثمن، أن يدين لغلينترلاند بجميل.”
<بعبارةٍ أخرى.>
تدخّل ويليام الخامس.
<هل تقصدين أنّه، حتى لو أصاب الدوقة الكبرى مكروه، فلن يتصرّف بصفته ماركيز سوليريا؟>
“نعم.”
ساد الصمت بين الملكين. أي إنّ احتمال تنكّر كيرتيس شان بيرك للجميل، حتى لو أسدت غلينترلاند له معروفًا، كان مرتفعًا.
عادت إيزابيلا للكلام.
“وإن سمحتم لي بتجاوز حدودي، ما رأيكم في إغرائه بحقّ تحصيل الضرائب في سوليريا…؟”
<اصمتي!>
انفجر ويليام الخامس غاضبًا، وصرخ في وجه إيزابيلا.
كان حقّ تحصيل الضرائب امتيازًا سياديًّا، ومجرّد التطرّق إليه بخفّة أمرٌ غير مقبول. ثمّ إن منحه لدوق بيرك؟
<أيتها الحمقاء! ألن يعني ذلك أنّ سوليريا لن تكون مجرد ماركيزيّة، بل ستسعى للاستقلال كدوقيّة؟!>
كان غضب ويليام الخامس شديدًا. لكن إيزابيلا لم تتوقّف.
“أعتذر. لكن دون ذلك، لن يوافق دوق بيرك أبدًا.”
<إيزابيلا! تسامُحي مع الوقاحة له حدود…>
لكن في تلك اللحظة، تدخّل ملك إيفانيس.
“مهلًا. لم تنتهِ دوقة غلينترلاند من حديثها بعد. أليس من الأفضل أن نسمعها حتّى النهاية، ثمّ نقرّر العتاب؟”
ابتسم ابتسامةً ودودة، وأمسك يد إيزابيلا، وهمس لويليام الخامس.
بالنسبة إليه، لم يكن يهمّه إن استقلّت سوليريا أم لا. كلّ ما يريده هو إقصاء دوق بيرك، وحسب.
تنحنح ويليام الخامس بإحراج حين تذكّر متأخّرًا وجود ملك إيفانيس في المجلس.
<آه… أعتذر أشدّ الاعتذار. ولكن…>
“بحسب ما فكّرتُ فيه، فإنّ الحفاظ على لقب ماركيز سوليريا يتطلّب، في الواقع، وجود الأسطول البحري.”
“لكن الأسطول ملكٌ لجلالة ويليام الخامس، فما رأيكم في تقاضي أجرةٍ مقابل إعارته؟”
أجرة الأسطول. كلمةٌ لم تخطر لهما من قبل. ساد الصمت بين الملكين.
تابعت إيزابيلا بهدوء.
“سفن سوليريا وبحريّتها هي، بلا جدال، ملكٌ لمملكة غلينترلاند. وحتى لو قَبِل دوق بيرك بلقب ماركيز سوليريا طمعًا بحقّ تحصيل الضرائب، فلن يستطيع الحفاظ على الإقليم دون أسطول.”
كان كلامها صحيحًا.
فحتى لو مُنحت كيرتيس السلطة الكاملة على سوليريا،
يبقى الأسطول قوّةً عسكريّة تابعة للملك.
وسوليريا، بسواحلها، لا يمكن أن تستمرّ دون أسطول.
الخطة كانت:
إغراؤه بحقّ تحصيل الضرائب، ثمّ بعد موافقته على لقب ماركيز سوليريا، يُطرح موضوع تأجير الأسطول.
تلعثم ويليام الخامس. ابتسمت إيزابيلا بلطفٍ لمن يمسك يدها.
“إنّه ثمرةُ تعليماتٍ كثيرة تلقّيتها من شخصٍ جليل المقام.”
عند سماعه كلمة “جليل المقام”، احمرّ وجه الملك. تنحنح مصطنعًا. ثمّ سأل ويليام الخامس متأخّرًا.
<ولكن ماذا لو سارع إلى إنشاء أسطولٍ جديد؟>
ردّت إيزابيلا فورًا.
“أليس صحيحًا أنّه لا توجد أحواضُ بناء سفن قرب سوليريا؟ منذ الحريق العظيم في كيرشهير.”
<..…>
كان ذلك صحيحًا.
بارثولوميو، على مدى ما يقارب عشر سنوات، أحرق كلّ سواحل المنطقة، من سوليريا إلى كيرشهير وزيلتفغ، حتى شاع بين البحّارة مزاحٌ أسود يقول إنّهم حصلوا على بيوتٍ جديدة بفضل بارثولوميو
ظلّ الملكان صامتين طويلًا. لا بدّ أنّهما كانا يُعملان أذهانهما.
ومع ذلك، لم تفُت إيزابيلا ابتسامةُ الرضا الخفيّة التي ارتسمت على فم الملك حين ذُكرت كيرشهير. لكنّها لم تُعلّق، بل واصلت.
“بناءُ أحواضٍ صالحة، وتربيةُ بحّارةٍ مهرة، يتطلّب أكثر من عشر سنوات. ولا تزال سوليريا تفتقر إلى أحواضٍ جيّدة، ولهذا رغب جلالتكم أصلًا في دوق بيرك.”
كان ذلك صحيحًا. فمنذ البداية، سعى ويليام الخامس إلى هذا الزواج لسدّ عجز ضرائب سوليريا الفقيرة.
<كلّ شيءٍ احترق فعلًا… وسوليريا في الأصل لا تملك غير البحر… اللعنة على بارثولوميو!>
صرّ ويليام الخامس على أسنانه.
كان بارثولوميو من أكثر القراصنة سوء سمعة، لأنّه لم يكتفِ بالنهب، بل كان يُحرق القرى بلا تردّد.
وبينما يكتفي القراصنة عادةً بمهاجمة السفن التجارية، كان هو يصعد إلى البرّ ويحرق القرى، ما رفع قيمة الجائزة الموضوعة على رأسه.
وحريق كيرشهير العظيم، رغم غموض فاعله رسميًّا، كان معظم الناس ينسبونه إليه.
والسبب بسيط. منذ ذلك الحين، ذاع اسم بارثولوميو واشتدّ نفوذه.
<…حين أفكّر في الأمر، ليست فكرةً سيّئة.>
“أليس كذلك؟ ويمكنني أيضًا الاحتفاظ بمهرِي كاملًا. آه، ربما لا يليق بي قول هذا أمام ملك إيفانيس؟”
غمزت إيزابيلا بعينها للملك، وكأنّها تذكّرت الأمر فجأة. ضحك الملك ضحكةً خفيفة.
“لستُ ضيّق الصدر إلى حدّ الغضب بسبب مهرٍ لا غير. بل يؤسفني أنّنا أضعنا فرصةَ ضمّ امرأةٍ بهذه الحكمة إلى أسرة إيفانيس الملكيّة.”
“شكرًا لك.”
<…صحيح أنّ مشروع الزواج بين البلدين لم يثمر كما أُريد له، لكنّ كِلا الطرفين سيحصل في النهاية على ما يريد، وهذا باعثٌ على السرور.>
أضاف ملك غلينترلاند.
وفي داخله، لا بدّ أنّه كان يقفز فرحًا، لأنّه وفّر المهر، وسيحصل على إيراداتٍ جديدة.
بعد ذلك، تبادلوا عباراتٍ متكرّرة مملّة. كلماتٌ مزخرفة بلا معنى، من قبيل:
“صداقتنا متينة، أليس كذلك؟”
“كنتُ سأقول ذلك.”
“لم نلتقِ وجهًا لوجه، لكن يبدو أنّنا منسجمان.”
وخلاصة الأمر، كلامٌ لا قيمة له.
لكن لأجل ذلك الكلام الذي لا طائل منه، اضطرّت إيزابيلا إلى الإمساك بيد شيخٍ جشعٍ ودنيء طوال الوقت.
وهي تنظر بلا مشاعر إلى الملك الذي كان يلمس يدها بطريقةٍ مقزّزة، تذكّرت إيزابيلا امرأةً عجوزًا.
-‘أيتها الفاجرة! أبكيتِ أبناء الناس دمًا، ثمّ تظنّين أنّك ستنعمين بالسعادة؟!’
كانت تفهم الآن تلك النظرات التي كانت تحتقرها. كيف لا تفهم، وهي ترى هؤلاء الملوك؟ ربّما كانت آنذاك تستحقّ تلك الإهانات. وربّما لا تزال.
‘كلّها؟’
تذكّرت الخادمة التي نظرت إليها بذهول. امرأةٌ من المغسلة، كانت تنظر إلى ملابس إيزابيلا بعينين حالمتين، تحسدها، لكن لا تجرؤ على الطمع.
ربّما لهذا كانت قاسيةً معها. لأنّها رأت فيها نفسها في الصغر.
لكن الندم لا يُجدي. هناك أشياء لا يمكن إرجاعها، وهي لا تريد تبرير ذنوبها.
من قتل الآخرين ليبقى حيًّا، فعليه أن يتحمّل نصيبه من الثمن.
***
في الجهة الأخرى، سوريين.
“إلى أين تذهبين وتتركينني؟!”
“آه! لا، ليس كذلك!”
كانت كلوي تحاول جاهدةً إبعاد أغات، التي كانت تندفع نحوها بلا هوادة.
التعليقات لهذا الفصل " 146"