عند كلماته، تجمّد وجه كلوي للحظة وكأنّ روحها قد غادرت جسدها.
وكان ذلك طبيعيًّا؛ إذ إنّ المرء، في العادة، يتوقّع من الرجل الذي تبادل معه قبلة للتوّ أن يقول إنّها ليست مقزِّزة.
وفي الحقيقة، فإنّ معظم الرجال، حتّى لو شعروا فعلًا بالقذارة، لن يصرّحوا بذلك صراحةً للطرف الآخر، لأنّهم يعدّون ذلك من باب المراعاة.
لكن، وللأسف، لم يكن الرجل من النوع الذي يملك هذا القدر من الحلاوة. وبالأدقّ، لم يكن يرغب في الكذب.
لقد ظلّ، حتّى الآن، يكذب على نفسه وعلى كلوي بلا انقطاع. وها هو ينظر الآن إلى حاله. يا للغباء، بعد أن ارتكب بحقّها كلّ تلك الأفعال الحقيرة، ها هو يتشبّث بها الآن لاهثًا.
لذلك، قرّر كيرتيس أن يكون صريحًا.
“الشَّعر وحده مقزِّز، فكيف إذا اختلط باللُّعاب؟ كيف لا يكون ذلك قذرًا؟”
عندها، ضاقت عينا كلوي الورديّتان، وهي المستلقية تحته، إلى حدٍّ كبير.
كان الرجل يسند جسده فوقها بكتفٍ واحدة وذراع،
ونظرة كلوي إليه كانت أقرب إلى: “لِمَ لا تخرجُ من هنا فورًا؟”
لكنّه تجاهل ذلك، وأمال جذعه العلويّ فوقها، ثمّ مسح خدّها بخفّة ورتّب شَعرها الذي كان مبعثرًا حتّى لحظات.
لم يكن ينوي الاكتفاء بالصراحة فحسب. لقد ارتكب، تحت ذريعة الصراحة، الكثير من الوقاحة في الماضي. لذا قرّر هذه المرّة أن يكون صادقًا بصدق.
“كما أنّ أكثر تعبير عن المودّة أكرهه هو التقبيل.”
“…هل هذا تصريحٌ نابع من كونكَ الطرف المعنيّ؟”
“لا فرق بيني وبين غيري. إنّه مقزِّز.”
وكان ذلك أيضًا حقيقة.
لم يكن يستسيغ رؤية الناس يتبادلون القُبَل بوصفها تعبيرًا عن الحبّ. تصادم الشفاه، وامتزاج الألسنة… ومن يدري أصلًا ماذا أكلوا قبل ذلك؟
لم يأتِ وسواسه من فراغ. بل ورثه مباشرةً عن والديه.
كان والد الرجل يعبّر عن حبّه لأمّه بلا تردّد حتّى أمام الآخرين. وكان الناس يمدحونهما بوصفهما زوجين مليئين بالمودّة، وكأنّ قصّة حبهما أسطوريّة.
لكن، هل كان أولئك الذين قالوا ذلك يؤمنون به حقًّا؟ كيرتيس لم يكن يعتقد ذلك.
حتّى بالنسبة لطفلٍ صغير، كانت مظاهر المودّة بين الزوجين مزعجةً إلى حدٍّ كبير. بل، وبالأدقّ، كانت استغلاليّة.
لمس الجسد العاري دون إذن، والعبث بالشَّعر في كلّ وقتٍ وحين….
وبتلك الإجابة الممزوجة بالضحك، ارتسم الارتباك على وجه كلوي.
أيّها الوغد، ألم تقل للتوّ إنّ الأمر مقزِّز؟
لكنّ الردّ الذي سيعيده كان، منذ البداية، محسومًا.
“كأنّي أدركت أنّ في مكبّ النفايات جنّةً ما.”
“….”
“إحساسٌ بأنّ المنطق كلّه قد انهار دفعةً واحدة.”
وبالطبع، لم يبدُ ذلك رومانسيًّا البتّة بالنسبة لكلوي.
إذ كادت تسأله: وهل أنا مكبّ نفايات إذًا؟
ومع ذلك، لم يكن شعورها سيّئًا إلى ذلك الحدّ.
فالإنسان لا يتغيّر بسهولة. والطرف المقابل هو كيرتيس شان بيرك، أكثر من يكره القذارة في هذا العالم.
“قذر. قذر إلى حدٍّ لا يُحتمل. هل لا يمكن التأكّد من الحبّ إلّا بامتزاج اللُّعاب؟ هذا ما أفكّر به.”
وعلى عكس مضمون كلماته البارد، كانت نبرة كيرتيس لطيفة على نحوٍ لم تسمعه من قبل، حلوةً كأنّها قد تذيب القلب. وكانت يده التي تلامس خدّها ترتجف، كما لو كان يلمس أشياء العالم هشاشةً.
“لكن، خطر لي هذا التفكير أيضًا.”
“أيُّ تفكير؟”
على عكس ما في قلبها، خرج جوابها فظًّا، فضحك الرجل بسخرية خفيفة.
“هل البشر يتّسخون طوعًا لأنّهم يحبّون بعضهم؟”
“….”
“أم أنّه، لكي يحبّوا بعضهم، لا بدّ أن يتّسخوا حتمًا….”
كانت نظرة الرجل عميقة وهو يقول ذلك. ولم تستطع كلوي أن تفهم تمامًا طبيعة العينين اللتين تحدّقان بها.
كما لم تستطع أن تستوعب كلّ ما يعنيه كلام كيرتيس. كلّ ما أدركته أنّه نابع من طبيعته الوسواسيّة.
كان كلامه غامضًا، ومع ذلك، كان هناك شيءٌ ما يحفر في أعماق قلبها على نحوٍ غريب.
فالتودّد، والفعل الجنسيّ، هما في جوهرهما أفعال قذرة إلى أقصى حدّ. وذلك أمر لا يجهله أحد.
ملامسة الشفاه، ومسّ أكثر الأماكن حميميّة. امتزاج اللُّعاب، وامتزاج السوائل. كشف أجزاء سرّيّة لم تُرَ من قبل لأيّ أحد، وقبولها بكلّ طواعيّة تحت مسمّى الحبّ.
لعلّ الحبّ يتطلّب أن نتّسخ.
كلّما أعادت التفكير، اضطرب قلبها على نحوٍ غريب. ربّما لأنّها أدركت، بغريزتها، أنّ الرجل جاهل بالحبّ والعلاقات الإنسانيّة كطفل.
حتّى وقاحته التي لا أصل لها، كانت نابعة من تلك الجهالة.
وهو الآن، بعدما أدرك جهله، كان يرى كلوي قذرة، ومع ذلك، كان يرغب بها.
ذلك التناقض أشعل رأس كلوي.
كما راودها شعورٌ غامض.
شعور بأنّ هذا الموقف لن ينتهي بمجرّد قبلة أو اعتراف، أو حتّى تأكيد للمشاعر.
كان المكان غرفة نوم، وكان الرجل فوقها، يبدو كأنّه لن يبتعد عنها أبدًا.
سواء أكان مدركًا لما يدور في داخلها أم لا، ظلّ كيرتيس يحدّق فيها بفضول، ويمسح جبينها وخدّيها مرارًا.
ثمّ فجأة، وكأنّه تذكّر شيئًا، تمتم بلعنة.
“اللعنة.”
“…لماذا؟”
كادت تكمل سؤالها، لكنّ الكلمات ابتُلعت، إذ عاد الرجل يقبّلها.
وبعد أن غاص معها طويلًا، وأبعد شفتيه أخيرًا، همس بصوتٍ خافت:
“أنا مخطئ.”
كانت كلوي تعلم أنّ هذا الجوّ ليس مناسبًا للتشدّد. لكن، عند هذه العبارة تحديدًا، لم تستطع السكوت.
“في ماذا أخطأتَ؟ وللعلم، لا يعني هذا أنّك لم تخطئ أصلًا. قائمة <أخطاء سيادة العميد> في رأسي طويلةٌ جدًّا، لذا أرجو أن تكون دقيقًا.”
عندها، عضّ الرجل شفتيه للحظة، ثمّ انفجر ضاحكًا.
“هاهاها!”
بدا الأمر مضحكًا له إلى حدٍّ لا يُحتمل. وكان ضحكه، بلا علاقة بالسياق، منعشًا على نحوٍ غريب.
لكن، أنا لن أتأثّر. شدّت كلوي على شفتيها محاولةً منع ابتسامتها من الارتفاع.
وفي هذه الأثناء، وبينما كان يسند جسده بكتفيه، اهتزّ جسده ضحكًا، ثمّ استلقى إلى جانبها، وظلّ يضحك طويلًا.
“قاسٍ جدًا.”
لم ينطق أخيرًا إلّا بعد أن انتهى من الضحك، وكانت الدموع قد تجمّعت عند أطراف عينيه.
لكنّ كلوي ظلّت عنيدة. أخطأتَ؟ إذًا عليك أن تعتذر كما يجب.
“الاعتذار يكون محدّدًا. النهايات التي يُطمس فيها الخطأ بين الزوجين تنتهي غالبًا بالطلاق.”
وبعد أن قالت ذلك، مالت كلوي رأسها قليلًا. ففي الحقيقة، نهاية علاقتهما محدّدة أصلًا بالطلاق.
التعليقات لهذا الفصل " 132"