كان الأمر مُضحكًا إلى حدٍّ مُثيرٍ للسخرية. كانت قد فكّرت يومًا ما أنّ لحظة وقوعها في حبّ شخصٍ ما قد تأتي في يومٍ من الأيّام. لكنّها لم تتخيّل أبدًا أنّ ذلك الشخص سيكون كيرتيس شان بيرك.
للأسف، لقد فات أوان الإنكار. وربّما، كيرتيس شان بيرك أيضًا.
من زاويةٍ ما، يمكن اعتبار الأمر حظًّا لكيرتيس. إذ إنّ الطرف الآخر قد أدرك المشاعر أسرع بكثير، تلك المشاعر التي لم تكن حتّى صاحبتها نفسها قد فرغت من إنكارها بعد.
لكنّ المؤسف أنّ كلوي، وبالرغم من حدّة ملاحظتها، لم تكن غارقة في البلادة التي تميّز العشّاق، ولا في أنانيّة التفكير بما يحلو لهم فقط.
وهكذا، وقعت كلوي في الفخّ الذي كثيرًا ما يقع فيه الحذرون قبل أن يغرقوا في الحبّ.
واسم ذلك الفخّ هو: الشكّ.
‘لكن… لماذا يبدو كلّ هذا سهلًا إلى هذا الحدّ؟’
أنا أحبّ كيرتيس شان بيرك. وكيرتيس شان بيرك يحبّني. فهل يكفي أن نتأكّد من مشاعر بعضنا؟ لقد تزوّجنا أصلًا، فلِمَ لا نقول إنّ الخير في ما وقع، ونعيش بسعادة ونأكل ونشرب ونمضي الحياة؟
لا. لم يكن الأمر كذلك.
طبعًا، قد يكون ذلك ممكنًا بالنسبة لكيرتيس. فهو يملك الكثير.
أمّا كلوي، فلم تكن تملك الكثير. الذين لا يملكون في الأصل ثرواتٍ وافرة، يعبرون الجسر الحجريّ بعد أن يطرقوه مئات المرّات.
من يملك الكثير، إن سقط في الماء وأسقط شيئًا، غالبًا لا تكون خسارته فادحة. لكنّ شخصًا مثل كلوي، إن سقط مرّةً واحدة، فقد يخسر كلّ ما يملك.
ولهذا، شكّت كلوي.
لم يمضِ على زواجهما سوى شهرين بالكاد. هل كان لا بدّ أن تكون أنا تحديدًا، المرأة التي ينظر إليها الدوق بتلك النظرات الواقعة في الحبّ؟
ألم يكن ليكون الأمر سيّان لو أنّ المرأة التي تزوّجها مصادفة، كحادثٍ عرضيّ، لم تكن أنا؟
ألم يكن كيرتيس شان بيرك، المعروف بأنّه مجنون وبأنّ قلعته منيعة لا تُقهر، مجرّد إنسانٍ سهل السقوط ما إن تُفتح بوّابة القلعة بأيّ طريقة؟
ليس هناك ما يضمن أنّ صاحب بوّابةٍ فُتحت مرّة واحدة سيبقى واحدًا إلى الأبد. يُقال عادةً إنّ قلوب النساء كأغصان القصب، لكنّ كلوي كانت تعرف جيّدًا أنّ الرجال هم الأجدر بهذا الوصف، إذ يغيّرون قلوبهم بسهولة.
‘بل إن منحوا القلب أصلًا يُعدّ حظًّا.’
ثمّ إنّ كلوي رأت في الجيش مشاهد متنوّعةٍ لا تُحصى. أمس فقط، كان أحدهم يبكي ويتوسّل قائلًا إنّه يحبّ الآنسة من تلك العائلة النبيلة، واليوم يتحدّث بلا خجل عن مؤخّرة فتاةٍ من بيت الدعارة. لم يكن هذا مشهدًا رأته مرّة أو مرّتين.
ومع ثقافة الجيش الخاصّة التي لعبت دورها، لم تستطع كلوي أن تثق بما يُسمّى حبّ الرجل.
عندما ذكرت قصّة أغات، فإنّها، بصراحة، كانت تختبره.
بالطبع، حديثها عن كونه طفلًا وحيدًا كان نابعًا من قلبها.
الدوق بيرك الذي رأته كلوي كان شخصًا شديد العزلة. كانت هي نفسها من تسخر منه دائمًا قائلة: “أنت بلا أصدقاء، أليس كذلك؟”
لكنّ الحقيقة أنّه لم يكن هناك فعلًا من يستطيع أن يمنحه قلبه. ربّما حتّى نويل مونفيس، لم يكن يفهم الدوق بيرك فهمًا حقيقيًّا.
مكتب الدوق كان يشبه صاحبه. مكان لا يحتوي على شيء سوى وسائل للهجوم على الآخرين. أن يكون محيط شخصٍ بمنصب الدوق على هذا القدر من القفر، كان أمرًا مفاجئًا ومُحزنًا في آنٍ واحد.
ولهذا… تمنّت أن يكون إلى جانبه أحد. وكان ذلك أيضًا من صميم قلب كلوي.
‘لكن… هل يمكن أن أكون أنا؟’
لم تكن تعرف. ماذا لو كان الرجل قد وقع في حبّ أوّل امرأةٍ فتحت له باب القرب فقط؟ وماذا لو كانت تلك المرأة، صدفةً، هي كلوي؟ ماذا لو كان الاثنان، وقد اختبرا هذه المشاعر للمرّة الأولى في حياتهما، عاجزين عن التماسك أمام إحساسٍ ليس سوى لحظة عابرة؟
بل ماذا لو كانت كلوي نفسها، التي تظنّ أنّها عقلانيّة، في الحقيقة مسحورةٌ بجمال الرجل الواقف أمامها، وقد فقدت قدرتها على التمييز؟
في البداية، شعرت بالظلم، وتساءلت إن كانت قد قالت شيئًا خاطئًا. لكنّها سرعان ما فهمت السبب.
يعني… أنت أيضًا منحتني مكانًا، ولو صغيرًا، أليس كذلك؟ وعندما أدخلتُ شخصًا آخر إلى ذلك المكان، كرهت الأمر…
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها.
حقًّا، كم عمرك أصلًا؟
“أم… سموّك.”
قالت كلوي ذلك وهي تمسك ظهر الدوق بحذر وتهزّه. لكنّ الظهر العريض لم يتحرّك قيد أنملة. جمعت كلوي شجاعتها أكثر قليلًا.
“يا صاحب السموّ.”
وهي تقول ذلك، نظرت بخفّة إلى ما وراء كتفه المستدير. خلف مصباح حجر السحر الشاحب، بدا خدّ الدوق وكأنّه يرتعش قليلًا. بل ربّما كان محمرًّا.
“لا يمكن أنك… تبكي، أليس كذلك؟”
كان الاستفزاز فعّالًا.
“بِمَ تظنّينني؟”
نهض كيرتيس فجأةً بجسدٍ مشدود ونظرة شرسة.
وبسبب ذلك، سقطت كلوي جانبًا بخفّة، إذ كانت تمسك ظهره. أسرعت تمسك السرير وترفع الجزء العلوي من جسدها، وفي تلك اللحظة تلاقت أعينهما.
“…..”
“…..”
غريب. كان التسلّل قد انتهى منذ زمن، ومع ذلك بدا قلبها وكأنّه لا يزال يخفق.
وفوق كلّ شيء، كانت المسافة قريبة جدًّا. أرادت أن تتراجع، لكنّها شعرت أيضًا بأنّها لا ترغب بذلك كثيرًا. تناقض المشاعر كان يرفع كلوي ويخفضها.
من فتح فمه أوّلًا كان الرجل.
“لي طلبٌ واحدٌ أيضًا.”
“نعم؟ ما هو؟”
“إن وعدتِني بأن تلبّيه، فسألبّي طلبكِ أنا أيضًا.”
“…لا أريد. سأسمع الطلب أوّلًا ثمّ أقرّر.”
شعرت أنّها تعرف ما هو الطلب. لكنّها أرادت أن تتدلّل قليلًا. تجعّدت ما بين حاجبي الرجل.
“قولي فقط إنّكِ موافقة.”
عند هذا الحدّ، لم يعد من الممكن ألّا تفهم.
مهما كانت كلوي عديمة الخبرة في العلاقات، فإنَّ طبيعة هذا الموقف كانت واضحةً تمامًا. اختلطت الأفكار في رأسها.
وفي تلك اللحظة، همس عقلها.
يا امرأة، يبدو أنّ هذا المجنون ينوي فعل ما أظنّه. لكن فكّري قليلًا. فكرة أن يفعل هذا بي… أكرهها حقًّا، حقًّا. تذكّري، كم نظّفتِ أسنانكِ في ذلك اليوم؟ كان مقرفًا. شعرتِ بالغثيان.
…هل شعرتُ فعلًا بالغثيان؟ توقّفت كلوي لتفكّر.
لكنّ الغريزة دائمًا تسبق العقل.
غريزة كلوي، تلك التي أنقذتها مرارًا من الموت أمام كيرتيس شان بيرك، سبقت عقلها هذه المرّة أيضًا، وفتحت فمها قسرًا.
“حسنًا… افعل ما تشاء.”
يا للجنون، للجنون! أرادت أن تضرب فمها بيدها. وفي الوقت نفسه، فكّرت: حسنًا، بما أنّني وافقت، فأنهِ الأمر بسرعة. أجل؟ قبل أن أتراجع.
وهكذا، اتّخذت كلوي قرارًا جذريًّا مع نفسها.
أغلقت عينيها بإحكام.
***
أمّا كيرتيس، فكان ضجيج أفكاره لا يقلّ عن ضجيج أفكارها.
حتّى عندما نهض غاضبًا ردًّا على كلام كلوي، كان كذلك. كان السبب هو كلوي التي سقطت جانبًا.
بهذا القدر من الإهمال، ومع ذلك… كيف تقلب قلب الإنسان رأسًا على عقب هكذا؟
“إن وعدتِني بأن تلبّيه، فسألبّي طلبكِ أنا أيضًا.”
لم يكن طلبه شيئًا عظيمًا. أغلقي فمكِ قليلًا. ثمّ…
…هل أستطيع أن أعانقكِ مرّةً واحدة فقط؟
-‘يبدو لي أنّ سموّك كان طفلًا وحيدًا إلى حدٍّ لا يُصدّق.’
في اللحظة التي قالت فيها كلوي ذلك، تذكّر طفولته.
أمٌّ كانت تعامل ابنها وكأنّه بديلٌ عن والده، وتنهال عليه بالأذى. ومع ذلك، كان الصبيّ كيرتيس يذهب إلى غرفة أمّه في الليالي الوحيدة.
آسفة، كيتي. آسفة.
كانت الأمّ تمقته معظم الوقت، لكنّها في لحظاتٍ نادرة، كانت تهمس بذلك وتضمّ الصغير بين ذراعيها.
وبسبب تلك اللحظات القليلة، لم يستطع كيرتيس أن يكره أمّه كرهًا كاملًا حتّى موته. وبعد رحيلها، ازداد الأمر تعقيدًا.
لذلك، أراد أن يسأل. أن يطلب عناقًا واحدًا فقط. حينها سيعرف. هل سقط مرّةً أخرى في المستنقع، أم أنّ كلام فريدريك كان صحيحًا؟
-‘أتمنّى أن يكون عمّي، ذو الطبع المليء بالعيوب، قد وجد أخيرًا شخصًا يُحبّه إلى درجةٍ يعجز هو نفسه عن السيطرة عليها.’
“قولي فقط إنّكِ موافقة.”
تنفّس الصعداء. حتى وهو يقول ذلك، لم يتوقّع أبدًا أن تطيعه.
أليست هي كلوي أمبرويز؟ التي لا تطيقه. هل يعقل أن توافق فقط لأنّ مجنونًا طلب ذلك؟
وفوق ذلك، لكيرتيس شان بيرك سابقةً في أن قبّلها من طرفٍ واحد بحجّة التعويض. عندما فكّر في الأمر لاحقًا، أدرك أنّه تصرّف كأحقر الرجال. اللعنة! أيّها الأحمق!
لكنّ ما حدث في اللحظة التالية كان غير قابلٍ للتصديق.
“حسنًا… افعل ما تشاء.”
قالتها كلوي لي دافيد بيرك، المرأة التي حملت اسمه بكلّ فخر.
رمش كيرتيس بعينيه. الآن… كنتُ سأطلب أن أعانقكِ فقط. وهل تقولين… افعل؟ حقًّا؟
لكنّ ما هو أعجب حدث بعدها.
العينان الورديّتان اللتان كانتا تحدّقان به، أُغلقتا برفق.
الرجل المسكين والأحمق في آنٍ واحد، تجمّد في مكانه.
التعليقات لهذا الفصل " 130"