الفصل 127 :
نظرتْ كلوي إلى كيرتيس الذي كان يحدّق بها من أعلى، ثم ابتسمت ابتسامةً خفيفة.
“لن أُطيل في الشرح. فليس هناك ما يستدعي الإطالة أصلًا.”
أطِيلي!
كبحَ كيرتيس رغبته في قول ذلك، وأسند ظهره إلى مسند السرير. أما كلوي فبقيت ممدّدةً، وبدأت بالكلام.
“الآنسة أغات مونفيس تقدّمت قبل فترة بطلب أن تكون حارستي، أليس كذلك؟ كان ذلك بسبب إيزرا.”
“…لا تقلّي.”
تجعّدت جبهة كيرتيس. كاد الغطاء الذي في يده أن يتجعّد معه، فاضطرّ إلى عقد ذراعيه بقوّة. واصلت كلوي حديثها.
“بلى. ويبدو أن الآنسة أغات كانت تعرف على نحوٍ غامض طبيعة علاقتنا أيضًا.”
كان السبب الحقيقي وراء تطوّع أغات مونفيس لحماية كلوي هو إيزرا دوبوا.
والقصة، في حقيقتها، بسيطة.
إيزرا الذي مُنيَ بهزيمةٍ من طرفٍ واحد أمام كيرتيس في ذلك اليوم، لم يستطع حتى الآن تقبّل مسألة العقد. وفي النهاية، توجّه بنفسه إلى قصر عائلة مونفيس.
لكن نويل رفض مقابلته.
وهو أمرٌ بديهي. فلا يجوز بأيّ حال أن يُمنَح إيزرا مزيدًا من المعلومات حول عقد زواج الاثنين.
حين سمع كيرتيس بذلك، شعر أنه فعلًا أحسن اختيار صديقٍ واحد على الأقل.
لكن المشكلة كانت في إصرار إيزرا على مقابلة نويل، إلى أن وقع في شِراك أغات مونفيس. أو بالأحرى، في حدس أغات مونفيس.
أغات، التي كانت تخضع للإقامة الجبرية في المنزل، لاحظت أن إيزرا دوبوا يأتي مرارًا لزيارة أخيها، وشعرت على نحوٍ غريب أن للأمر علاقةً ما بالدوق والدوقة.
-‘الأمر بسبب الملازم أمبرويز، أليس كذلك؟’
إيزرا دوبوا الساذج ابتلع الطُعم فورًا.
-‘…وأنتِ تعرفين أيضًا؟’
لم تكن أغات تعرف حتى ما الذي يقصده بالضبط، لكنها كانت على وشك أن تعرف، فأومأت برأسها بجدّية، فاشتعل غضب إيزرا.
راح يلومها على كيف يمكنها أن تقف متفرّجة أمام زواجٍ تعاقديّ للدوق والدوقة. وبفضل ذلك، اطّلعت أغات بدورها على العقد.
-‘إذًا، يجب أن ألتقي بالدوقة الكبرى أنا أيضًا.’
وهكذا، وبحجّة التعاون مع إيزرا دوبوا، تطوّعت أغات لتكون حارسةً لكلوي.
“هل كان ذلك… في اليوم الذي التقيتِ فيه بالسيدة بريين؟”
“نعم. وهو اليوم نفسه الذي التقيتُ فيه بإيزابيلا.”
أومأت كلوي برأسها. كان قد لاحظ يومها أنها تحدّثت على انفراد مع أغات مونفيس، ويبدو أن إيزرا كان حاضرًا أيضًا.
في النهاية، لم يتمالك كيرتيس نفسه ولعن إيزرا دوبوا.
“كنتُ أظنه كاتمَ سرّ، فإذا به وضيعٌ رخيص إلى هذا الحد.”
لكن كلوي نظرت إليه بلا أيّ تأثّر. وأمامها، وهي مستلقية بلا حذر على السرير تحدّق به، لم يجد كيرتيس سوى أن يتنهّد. فليكن ما يكون.
“برأيكَ، ماذا قالت لي الآنسة أغات عنكَ؟”
“ماذا قالت؟”
“قالت إنها ستتعاون بكلّ ما أوتيت من قوّة، فقط أرجو أن أدعمها بقوّة إن قرّر الدوق إعادة الزواج.”
كان الأمر سخيفًا. أمسك كيرتيس بجبهته وتنهد بعمق.
“لهذا بدت متعاونةً على نحوٍ غير معهود.”
تذكّر هيئة أغات مونفيس وهي تطيعه بكلّ هدوء وتنسحب قائلةً: نعم، حسنًا.
رغم أنها كانت تُرفَض منه دائمًا، إلا أنها بدت مبتهجةً على غير العادة.
يبدو أن إدراكها لكون الزواج بينهما زواجًا تعاقديًا، وحديثها مع كلوي عن “ادفعي بي” وما شابه، قد أثّر فيها.
“ألا يبدو ذلك لطيفًا؟”
“وما اللطيف في الأمر؟”
ردّ كيرتيس بحدّة، لكن دوقته رفعت حاجبيها بدهشة، وكأنها لا ترى أيّ مشكلة.
“هي تحبّ سموّك إلى هذا الحدّ.”
“وما علاقتي أنا بذلك؟”
مرّر الرجل يده في شعره بعنف، فتبعثر الذهب الأشقر الناعم. نظرت إليه كلوي، ثم تمتمت: يا إلهي، ونهضت لتجلس.
كانت ترتدي ثوب نوم بدل الزيّ الملطّخ بالدم، وقد ارتفع قليلًا. اقتربت وجلست إلى جانبه، وأسندت جسدها إليه. وبينما كانت تعدّل التنورة والأكمام، أبقت نظرها منصبًّا على ذراعها.
“سموك. لن أمكث إلى جوارك طويلًا، لكن مع ذلك، هناك أشياء تبدأ بالظهور.”
“وماذا تَرَين بالضبط؟”
خرج كلامه فظًّا. لكن كلوي لم تعبأ، وواصلت وهي تركّز على أزرار كمّها.
“أظنّ أن سموّك كنتَ في طفولتكَ طفلًا وحيدًا على نحوٍ غير معقول. ولهذا أفهم لماذا صرتَ اليوم ذا طبعٍ معطوب.”
هل تعلمين كم الساعة الآن؟ يجب أن ننام، أنتِ وأنا، فهل تريدين إغاظتي حتى نسهر الليل كله؟
كان يريد قول ذلك، لكن الغريب أن شفتيه لم تتحرّكا.
“لكن، وجود شخصٍ يحبّك إلى هذا الحدّ… أشعر أنه أمرٌ مؤسف أن يُهدر.”
“….”
“إن وُجد مثل هذا الشخص، فإتاحة بعض القرب له قد تكون وسيلةً جيّدة لتغيير الطبع.”
لم يعد كيرتيس قادرًا على الاحتمال. حدّق في كلوي الجالسة إلى جواره.
“وكأنّ طبعكِ أنتِ رائعٌ إلى هذا الحدّ.”
“أظنّ أن لديّ أصدقاء أكثر منك.”
“أهذا مدعاةٌ للفخر؟”
“أليس كثرة الأصدقاء شيئًا يُفاخَر به أصلًا؟”
كانت تحدّق به وكأنها تتعمّد استفزازه، ثم سرعان ما ابتسمت وهزّت كتفيها.
“من حيث المبدأ، أليسَت أغات مونفيس خيارًا لا بأس به؟”
“لا أريد.”
“نعم؟ هل هو اختلاف أذواق؟”
خرجت الكلمة منه دوّن وعيّ، وسؤالها البريء جعله يزداد حنقًا. شعر كأنه قادر على إلقاء خطابٍ كامل في الحال.
هل تعرفين كم يُفسد الحبّ الناس؟ ثم إن عائلة مونفيس لا تفيدني كثيرًا، وفوق ذلك، نويل كان أكثر من عارض…
كان بإمكانه قول كلّ ذلك. لكن على عكس ما يجيش في قلبه، خرج صوته فاترًا وجافًّا.
“هذا قلبي.”
صارت نظرة كلوي إليه كأنها تنظر إلى طفلٍ في الثامنة. ولا عجب، فذلك كان جوابًا طفوليًا إلى حدٍّ مضحك.
اشتعل غضب كيرتيس حتى من نفسه، لكنه قرّر أن حلّ الموقف أولًا أهمّ. فسارع إلى تغيير الموضوع.
“إذًا، ماذا قال إيزرا دوبوا؟”
لكن كلوي لم تكن سهلة. لم تُرد أن تعطيه ما يريد سماعه.
“لا شيء مهم. هذا شأنٌ شخصي، وأنهيته على خير. لم يكن هناك ما يستدعي الإطالة.”
لكنني أريد أن أسمع بالتفصيل. غير أن كلوي تابعت حديثها دون أن تمنحه فرصةً للاعتراض.
“حديثنا لن يخرج إلى الخارج. لكن بالمقابل، لديّ طلبٌ واحد.”
“أيّ طلب؟”
على نحوٍ غريب، صار صوته أكثر حدّة. وسأل مباشرة.
“هل له علاقة بإيزرا دوبوا؟”
“نعم. لكن….”
كان الأمر مريبًا.
لماذا لا تتحدّث عمّا دار بينها وبين إيزرا دوبوا؟ تذكّر كيرتيس المواجهة السابقة بينه وبين إيزرا.
كان يعرف جيدًا كم تمّ العبث بمشاعره في ذلك الوقت. إيزرا دوبوا الذي هزّه بعنف، أكثر مِما فعل الملك أو إيزابيلا.
فكيف يكون حديثها معه أمرًا عاديًا؟
لا. عقل كيرتيس حلّل الأمر بهدوء.
السبب هو أنه ينجذب إلى كلوي. ولهذا بدا له حتى شجارٌ لفظيّ واحد مع إيزرا كعاصفةٍ عاتية.
إذًا، لماذا تتصرّف كلوي على هذا النحو اللامبالي؟ عند إسقاط ما في قلبه على الواقع، يظهر الجواب.
لأن كيرتيس شان بيرك، بالنسبة لها، ليس أمرًا ذا شأن…
وحين بلغ تفكيره هذا الحدّ، انقلبت معدته فجأة.
-‘إن وُجد مثل هذا الشخص، فإتاحة بعض القرب له قد تكون وسيلةً جيّدة لتغيير الطبع.’
كلماتها قبل قليل أخذت تتردّد في داخله بإلحاح. ومعها، تلك الفكرة التي سبق أن تخيّلها ذات مرّة، عادت فجأةً تتضخّم وتفرض وجودها.
أيّ: الزواج الثاني لكلوي أمبرويز، وأمامها يقف إيزرا دوبوا….
هل من الممكن أن دوقته قد قبلت مشاعر إيزرا دوبوا؟ ولهذا تدفعه هو نحو الزواج من أغات مونفيس؟
“لا أريد.”
وهكذا، عاد كيرتيس ليتصرّف كطفلٍ في الثامنة. الجواب الذي خرج بنزقٍ جعل عيني كلوي تتّسعان مجددًا.
“نعم؟ ولم تسمع الطلب أصلًا….”
“لا أريد، فقط.”
قال ذلك واستدار ليوليها ظهره، وهو يدرك تمامًا أنه يتصرّف بسذاجةٍ مفرطة.
كان وجهه يحترق خجلًا.
وشعرت كلوي، بدورها، بإحساسٍ غريب يشبه النظر إلى آيريس حين تكون غاضبة. أصابها الذهول.
‘ما هذا؟ هل قلتُ شيئًا خاطئًا؟’
بل الأهم… سيد الدوق، كم يبلغ عمرك الآن بالضبط؟
التعليقات لهذا الفصل " 127"