الفصل 118 :
تحمّل نويل ما كان يريد قوله، وأدخل إلى فمه أسماءَ عدة أشخاص آخرين، لكن ردّة فعل كيرتيس بقيت واحدة من البداية إلى النهاية.
“امرأة لا أعرفها جيدًا. إن كان اسمها لم يعتد عليه سمعي حتى الآن، فلا بدّ أنها لا تستحق الذكر. لا يعجبني الأمر.”
“ويُقال إن لتلك المرأة ثلاثة عشّاق على الأقل. مقززة.”
إن كان يجهلها كرهها لجهله بها، وإن عرفها كرهها لمعرفةٍ بها.
ثم في النهاية، صار ينظر من جديد إلى خارج النافذة، وكأن كلمات نويل لم تعد تصل إليه أصلًا.
ازداد ذلك الإحساس المشؤوم الذي راوده قبل قليل.
إحساسٌ بأن الفكرة التي راودته ذات يوم قد تكون خاطئة.
حتى لو رأى كيرتيس شان بيرك ثملًا، دافنًا وجهه في عنق الدوقة الكبرى نائمًا، فقد ظنّ أن ذلك لم يكن سوى مصادفة.
فأمور الناس لا يمكن الحكم عليها من مشهدٍ واحد فقط، أليس كذلك؟
لم يخطر بباله قط أن ذلك الرجل قد يكون قادرًا على أن يُحبّ أحدًا أصلًا….
‘لا. تمالك نفسك.’
هزّ نويل رأسه.
قد يكون ذلك الرجل فقط يبالغ في التذمّر.
لقد تجاوز الوضع مؤقتًا على أي حال، أليست الدوقة الكبرى تؤدي دورها على نحوٍ لا بأس به؟
لعلّه يظنّ فحسب أنه يمكنه أن يأخذ وقتًا أطول في إيجاد دوقةٍ جديدة….
“نويل.”
“هـ، هـاه؟!”
عند النداء المفاجئ، رفع نويل صوته دوّن وعيّ.
وبسبب ذلك ضغط على المكابح خطأً، فاهتزّت السيارة التي كان يقودها بعنف.
اندفع كيرتيس إلى الأمام، ثم استعاد توازنه، ونظر إليه بعينين لا تفهمان ما يحدث.
“معذرة. كنت شارد الذهن قليلًا….”
“هذا نادر.”
النادر هو أنت الآن!
بالطبع لم يكن بمقدوره قول ذلك.
كيرتيس، الذي لا يبدو أنه يفكّر حتى في فهم مشاعر نويل، رتّب ملابسه بهدوء، وتابع كلامه بنبرة عادية.
“أفكّر في إلى متى سأظل أتهرّب من أخي.”
“…ماذا؟”
“لكل مرة حدود في مجاراة نزواته بأسلوب الترقيع هذا. هل أرحل إلى غلينترلاند ببساطة؟”
كاد يسأله إن كان قد جُنّ.
منذ عشر سنوات، وهو يعمل ضمن هيئة أركان كيرتيس شان بيرك.
وكان نويل يواجه الآن أعظم أزمةٍ مرّت عليه طوال خدمته تلك.
وذلك، داخل هذه السيارة تحديدًا.
كم مرةً كبح رغبته في الصراخ: هل جننت؟ ماذا حدث؟ لماذا؟ ما الذي تفكّر فيه بحق السماء؟
وسواء كان يعلم بما يجول في خاطر نويل أم لا، شبك كيرتيس ذراعيه وفتح فمه.
“بالطبع لا أستطيع فعل ذلك.”
آه. هذا جيد، ما زال عاقلًا.
“إذًا لم يبقَ سوى خيارٌ واحد.”
لكن العبارة التالية جعلت قشعريرة تسري في ظهره.
“آسف، لكنني رجلٌ متزوّج. فهل تتكرّم بكبح فكرة التمرّد قليلًا، يا صاحب الجلالة؟”
“أنا أيضًا رجلٌ متزوّج.”
“أنت وأنا لسنا سواء!”
صرخ نويل دوّن أن يشعر، ثم أدرك خطأه.
لكن كيرتيس، الذي رآه في المرآة، لم يكن غاضبًا، بل كان يبتسم.
“وما الذي يختلف؟”
كان بإمكانه أن يقول: وهل نحن متشابهان؟
لكن لسببٍ ما، شعر نويل بإحساسٍ قوي بأن عليه ألا يقول ذلك.
لو قالها، فسيغوص ذلك الصديق صعب المراس في هذا الوضع حتى النهاية، ويدخل به في منعطفٍ لا يرغب نويل فيه إطلاقًا.
لذا، غيّر نويل مجرى الحديث.
“هل الأمر مُرهِق إلى هذا الحد؟”
المسافة من مقرّ الدوقية الكبرى إلى القصر الملكي ليست بعيدة بالسيارة.
ولم يكن الذهاب إلى القصر الملكي أمرًا جديدًا عليهما، ومع ذلك، ولأجل صديقه الغارق في الأفكار على غير العادة، أدار نويل المقود.
“وهل تصل ألاعيبه إلى حدّ الإرهاق؟ الإرهاق الحقيقي هو شيء مثل معركة غولدن.”
كان كيرتيس يقارن بين تلك المعركة، التي استمرت ثلاثة أيام وليالي لا يعرف فيها أحدهم إن كان الآخر حيًا أم ميتًا، وبين ألاعيب الملك.
لكن في نظر نويل، لا فرق كبير بينهما.
ألم يُضايَق كيرتيس على يد الملك طوال ثمانيةٍ وعشرين عامًا منذ ولادته وحتى الآن؟
“إنه أمرٌ مزعج على أيّ حال.”
“…يستهلك قدرًا كبيرًا من الطاقة.”
عند تكرار السؤال، وافق كيرتيس أخيرًا بإيجاز.
في الحقيقة، لو لم يُضايقه الملك بهذا الشكل، ألم تكن إيفانيس لتصبح الآن دولةً أغنى بمرتين على الأقل؟
لم يكن نويل وحده من يظنّ ذلك، بل كثيرون غيره أيضًا.
في السادسة عشرة من عمره، أقسم أن يصبح جنديًا.
ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم، اجتاز شتّى المحن.
وبحسب مزحةٍ دارجة، فإن براعته الفذّة في استخدام الناس جعلته بطل حرب.
لكن ذلك، من وجهٍ آخر، يعني أيضًا أن لديه موهبةً تجعل الملك يتحسّب منه.
لو لم يكن شقيق الملك، لكانت ملامحه وموهبته صخرًا صلبًا يسنده بلا شك.
لكن لأن الأمر لم يكن كذلك، امتلأت حياته بمواجهة تهديدات الملك ومكائده دون انقطاع.
‘إلى متى سأستمر في العيش هكذا؟’
سؤالٌ جوهري راود كيرتيس منذ وقتٍ ما.
ولم يكن وليد الأيام الأخيرة فقط.
ظنّ أن أداء واجبه كابنٍ ثانٍ عبر الالتحاق بالجيش سيكون كافيًا.
وظنّ أن النصر في الحرب سيغيّر الأمور، وأن طاعة أوامر الملك ستُصلح كل شيء.
لكن كل ذلك كان خطأً.
فالملك ازداد كراهيةً له مع الوقت.
ثم، بعد لقائه بكلوي، أضيفت فكرةٌ أخرى إلى ذلك السؤال.
“نويل. ما رأيك في حياةٍ تُعاش على سجيّتها، بلا مقاومة؟”
“…هل هذا ذمٌّ لي الآن؟”
“ما هذا الهراء.”
ضحك متجاوزًا مزحة صديقه المقرّب ومساعده، الذي يدّعي أنه يعيش منساقًا مع التيار.
فلو كان نويل يعيش فعلًا على هذا النحو، لما جلس اليوم في موقع مساعد كيرتيس.
ثم مجددًا… كلوي أمبرويز.
كان الرجل قد عاش دومًا وهو يُدفَع من قبل الملك ليترك نفسه للتيار.
فذلك أكثر أمانًا.
صحيح أن مقاوماته الصغيرة صارت موضع حديث، لكن لو تمرّد على الملك بجدية، لما بقي كيرتيس في مكانه هذا.
ولهذا، كان ينوي الاستمرار في العيش منساقًا مع التيار.
ولو لم تكن كلوي، لكان فعل ذلك دون شك.
“منذ قضية الملازم دوبوا، كثرت أفكاري.”
بدلًا من أن يقول “كلوي”، تلفّظ باسم إيزرا دوبوا.
ورأى نويل يتوقّف لحظة ثم يزفر.
“قلت لك لنلحق به وننتزع العقد.”
“ليس هذا.”
“إذًا ماذا؟”
كشف كيرتيس عن أسنانه مبتسمًا.
“سئمت من كل من يحاول هزّ الناس عبثًا.”
“….”
“حين أعيش منساقًا مع التيار، لا أفعل سوى أن أُجرف.”
بعد صمتٍ طويل، سأل نويل:
“هل تتحدث عن الدوقة الكبرى؟”
“….”
كان نويل محقًا.
حادثة استخدامه لكلوي لتصبح دوقته الكبرى كانت أدقّ وصفٍ لحالة انجرافٍ كامل عاشها مؤخرًا.
لكن كيرتيس، وبمفارقةٍ غريبة، استطاع بفضل ذلك أن يرى الوضع الراهن بعينٍ جديدة.
الملك لا يكفّ عن زعزعته.
ولن يتوقّف، على الأرجح، حتى يختفي أحدهما: الملك أو كيرتيس.
مهما حاول الإفلات بردود أفعالٍ معيّنة، فلن يكون ذلك سوى مؤقت.
ألم يكن يعلم ذلك جيدًا حتى حين أستخدم كلوي دوقةً كبرى؟
ولهذا سمّاها “مالكة الروح المؤقتة”.
وفريدريك لم يكن مختلفًا.
كان ودودًا للغاية معه، ويحتقر الملك، فيبدو ظاهريًا وكأنه يقف في صفّ كيرتيس.
لكن السبب الحقيقي هو أن فريدريك أيضًا ملكٌ يحسب الأرباح والخسائر بدقة.
لم يمضِ وقتٌ طويل منذ قاد كيرتيس إلى هدنة مع الممالك الثلاث.
ولو غادر الآن إلى غلينترلاند، أو أُقصي عن السياسة المركزية، لاستأنفت تلك الممالك الحرب فورًا.
ولهذا استخدم فريدريك كل موارده لدعم كيرتيس.
وكان كل ذلك الدعم يتمّ وفق حسابات فريدريك الدقيقة.
حتى الرسالة التي أرسلها يقول فيها: “ألا يمكن الاكتفاء باعتبار الأمر سوء فهم من جانب الدوقة الكبرى؟” كانت مثالًا واضحًا.
وبالطبع، فعل ذلك لأنه رأى في الأمر ربحًا معقولًا.
وفي الظروف المعتادة، لظنّ أن كيرتيس سيقبل بهذا العرض.
لكن الأمر لم يكن كذلك.
أما عند إيزرا دوبوا، فلم يعد الأمر مضحكًا أصلًا.
‘أبهذا العقد التافه تحاول هزّي؟’
ومع ذلك، هناك حقيقة لا يعرفها أحد.
أكثر من هزّ كيرتيس بين أولئك الثلاثة، لم يكن الملك ولا فريدريك، بل إيزرا دوبوا الذي لا يستحق الذكر.
لا، ليس إيزرا دوبوا من هزّه….
“علينا أن نصنع موجة.”
“هاه؟”
سأل نويل، وهو يعاود الضغط على دواسة الوقود في التوقيت نفسه، لكن كيرتيس لم يُجب.
بل استعاد في ذهنه لحظةً من أيامٍ خلت.
لحظة انفجار البارود.
حين انطلقت الرصاصة واستقرّت في مركز لوحة التصويب تمامًا.
-‘يبدو أنك نسيت أنني من البحرية، وترقيتُ إلى رتبة ملازم بفضل الرماية.’
وسط دخان السلاح الذي لم يتبدّد بعد، كانت كلوي لو دافيد بيرك تبتسم أمام لوحة التصويب.
وعندها أدرك كيرتيس أخيرًا.
التيار ملك من يصنع الموجة.
ومن يعيش منساقًا مع التيار، لا يفعل سوى أن يُجرف.
بمفارقةٍ عجيبة، كانت كلوي، التي جُرفَت إلى حياته، هي من أيقظت هذا الإدراك في قلب الدوق.
“…لا عجب، ابنة البحرية.”
تمتم كيرتيس ضاحكًا بخفوت.
دون أن يلتفت حتى إلى صديقه الذي يتظاهر بعدم رؤيته.
التعليقات لهذا الفصل " 118"