عائلة الماركيز روفينتر.
لعلَّه لا يوجد أحدٌ في إمبراطوريَّة أڤيرك لا يعرف اسم “روفينتر”.
فإذا كانت عائلة دوق ديكارت قد ذاع صيتها بلقب سيِّد السيف، فإنَّ عائلة ماركيز روفينتر، على النقيض، رفعت شأن الإمبراطوريَّة بلقب أعظم ساحر.
وبطلة رواية 《تضحيةُ السَّاحرةِ العظيمة》 “كانَّا أو ميلا روفينتر”، هي منحدرة من هذه العائلة، ومن المقدَّر لها أن تصبح لاحقًا أعظم ساحرةٍ لا نظير لها.
“كانَّا؟”
… لكن وريثة ذلك الساحر العظيم، أي بطلة الرواية المستقبليَّة، ممدَّدة الآن في مكتبي؟ بل إنَّه ليس سقوطًا عاديًّا إن أردنا الدقَّة.
أليست قد اندفعت كالرصاصة، واخترقت النافذة، ثم هبطت هبوطًا اضطراريًّا؟ حسنًا، قد لا يكون الأمر كذلك.
غير أنَّه إن لم تكن هي البطلة، فكيف نفسِّر علامة “النجمة” على معصمها، التي تصرخ بأنَّها من عائلة روفينتر؟ لحظة… لا تقل لي…
هل لأنِّي تمنَّيت لقاء البطلة، تحقَّق الأمر فعلًا؟
لكن إذًا، لماذا لم تسقط أموالٌ أو جواهر؟ أإلى هذا الحدِّ يكون الحظ انتقائيًّا؟
وبينما أنا شاردةٌ، رفع هوبرت نظَّارته وقال بنبرةٍ مستفزَّة:
“لا بدَّ أنَّكِ عوقبتِ لأنَّكِ طلبتِ من السماء مالًا أو جواهر بكلامٍ فارغ، يا سيِّدتي الكونتيسة. حقًّا، لا يكفي أن نغرق في الديون، حتَّى نُبتلى بطفلة؟ لحظة…”
“والآن ماذا أيضًا؟ ماذا تنوي أن تقول؟”
اتَّجهت نظرات هوبرت إلى كانَّا، التي كانت منكمشةً بلا حراك كالميتة.
يا تُرى… ليست ميِّتة، أليس كذلك؟ مستحيل. لم تبدأ الرواية أصلًا بعد، فكيف تموت؟ لكن… ماذا لو ماتت فعلًا؟
عندها قال هوبرت بصوتٍ جادٍّ:
“إنَّها تشبهكِ، يا سيِّدتي.”
“هاه؟ هذا غير ممكن.”
“بل بلى، هناك شبهٌ خفيّ. انظري، أليس لون شعرها قريبًا من لون شعركِ يا إيفلين؟”
“…….”
كنتُ على وشك أن أنفي بحزم، لكنَّني لمحتُ فعلًا بعض الشبه. ومع ذلك، لا يعقل.
ليست من دمي، فكيف تشبهني؟ ثم إنَّ الرواية وصفت شعر البطلة بأنَّه أحمر، فلماذا هو أشقر ذهبيٌّ داكن مثلي؟
وتراكمت الحيرة في صدري.
“على أيِّ حال، لنأخذها إلى الداخل ونمدِّدها. لننتظر حتَّى تستيقظ.”
قرَّرتُ تأجيل التفكير وحملتُ كانَّا إلى السرير. لا بدَّ أن تنكشف الأمور لاحقًا.
لكنَّ الأخبار اللاحقة زادتني اضطرابًا. فقد كانت عربةٌ تعود لعائلة ماركيز روفينتر متوقِّفةً أمام بوَّابة قصرنا.
إذًا، بحسب توقُّعي، كانت البطلة في تلك العربة، ثم قُذفت منها لسببٍ ما. لكن لماذا إلى قصرنا تحديدًا؟! وهناك أمورٌ أخرى مريبة.
“……والأغرب يا سيِّدتي إيفلين، أنَّ هذه الطفلة لا إصابة بها إطلاقًا.”
تأمَّلتُها جيِّدًا، فرأيتُ ما يشبه درعًا شفافًا يغلِّف جسدها. ذلك المستوى من الحماية لا يصدر إلا عن ساحرٍ ماهر. فمن يكون؟
صحيح أنَّني لا أمارس السحر، لكنَّني تعلَّمتُ شيئًا عنه من أبي، فأدركتُ فورًا السبب.
لهذا لم تُصب بأذى رغم ارتطامها بالجدار.
“لا شكَّ أنَّ أحدهم تعمَّد التخلُّص من الطفلة هنا، يا سيِّدتي. وتحديدًا في عائلةٍ مفلسةٍ مثلنا.”
“اشتمْني أهونُ من ذلك.”
كان كلامه منطقيًّا. لا بدَّ أنَّ أحدهم ألقاها عمدًا. طلبتُ مالًا أو جواهر، فجاءتني طفلة بدلًا منها!
“من يكون الفاعل…؟ وهل يظنُّ أنَّني سأربِّيها إن طلب ذلك؟”
تمتمتُ وأنا أفرد ظهر الورقة المجعَّدة.
[ربِّها ما دمتُ أقول لكِ بلطفٍ]
“……!”
كأنَّ الكاتب توقَّع كلامي. كان تهديدًا واضحًا. وضعتُ الورقة متظاهرةً بعدم الاهتمام.
“أترى الجاني عائلة روفينتر؟ سمعتُ أنَّ شؤون الماركيز العائليَّة فوضويَّة، لكن هل يعقل أن تكون الطفلة من دمه وهي…؟”
“أغلقِ فمك إن كنت لا ترغب في تهمة إهانة نبلاء.”
فسكت فورًا.
يا إلهي، ماذا أفعل؟ هل كان هذا عقابًا لأنَّني عبثتُ بالأحداث؟
“ممم….”
تحرَّك جبين كانَّا أخيرًا.
“أفقتِ؟”
اقتربتُ منها بلهفة. كانت لطيفةً وناعمةً كما توقَّعت.
“أين… أنا؟”
نهضت فجأة، فركت عينيها الممتلئتين، ثم بدأت تبكي خوفًا من المكان الغريب.
“من أنتِ يا عمَّة؟ لماذا أنا هنا؟ لا أتذكَّر شيئًا… هاااه!”
كنتُ في موقفٍ محرج؛ لستُ بارعةً في تهدئة الأطفال. هدَّأتها سريعًا وسألتها بحذر:
“لا تتذكَّرين شيئًا حقًّا؟ حتَّى اسمكِ أو أصلكِ؟”
“نعم…”
أسوأ الاحتمالات تحقَّق. فقدت ذاكرتها.
قال هوبرت ببرود:
“بما أنَّ عربة روفينتر في الخارج، فلنعدها إليهم. لا بدَّ أنَّهم سيتعرَّفون عليها.”
يا له من عجوزٍ قاسٍ.
وفجأة سعلت كانَّا وأسقطت ورقة.
“أوه.”
التقطتُها، فإذا بها معنونة: “وثيقة التبرُّؤ”.
[يُتَبَرَّأ من كانَّا روفينتر وتُفصل نهائيًّا من عائلة روفينتر.]
“…….”
فقدت ذاكرتها وتبرَّأت منها عائلتها؟! أهذا انحرافٌ مبالغٌ فيه عن الرواية؟
من الواضح أنَّهم قرَّروا التخلُّص منها تمامًا.
لكنَّني أنا المتورِّطة الآن. فلا مال لديَّ لتربية طفلة.
التقت عيناي بعينيها الصافيتين، فغمرني شعورٌ بالذنب.
ضغط هوبرت على كتفي:
“لا يجوز، يا سيِّدتي.”
“…….”
“ديون العائلة أولى من تأنيب الضمير.”
أفاقني كلامه. مهما كان مستقبل البطلة عظيمًا، حاضري أنا بائس.
كنتُ على وشك الرفض حين قالت:
“أوه؟ يدي انزلقت.”
وسقط حجرٌ من كمِّها.
فجأة كان هوبرت منبطحًا أرضًا يحدِّق مذهولًا.
“يا إلهي! إنَّه أَلجِنْتا، يا سيِّدتي! بهذه القيمة يمكن سداد جزءٍ من الدَّين فورًا!”
حجر ألجِنْتا، أحد أندر خامات الذهب، التي يحتكر مناجمها ماركيز روفينتر.
“واااه! هذا الحجر ثمينٌ هكذا؟ لديَّ مثله أكثر في حقيبتي!”
تلألأت عينا هوبرت بجنونٍ ذهبيّ.
“آنستي، اتبعيني! بل دعيني أحملكِ!”
منذ متى أصبحتَ الطفلةُ “آنسة”؟
“سنمنحكِ أكبر غرفةٍ مشمسةٍ في الطابق الثاني!”
“واااه!”
“لحظة، تلك غرفتي!”
تبدَّل موقفه في لحظة.
التقطتُ رسالةً أخرى:
[سمُّوا هذه الطفلة “ميلا”. أرجوكم اعتنوا بها.]
توقَّف بصري عند الاسم.
ناديتُها:
“يا صغيرة.”
اقتربتَ مني بخطواتٍ قصيرةٍ، وخدودها تهتزُّ لطفًا.
“اسمكِ ميلا.”
ربَّتُّ على رأسها. ما الضرر من بقائها مؤقَّتًا؟
“تشرَّفنا.”
لم أكن أعلم أنَّ ذلك كان بداية الفوضى العظمى.
وهكذا بدأتُ العيش مع بطلة الرواية فاقدة الذاكرة.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 2"