الفصل 28
– تعالي إلى هنا، يا صغيرتي… تعالي.
كان ذلك الصوت بالغَ اللطف والنعومة، ومفعمًا بالحنان.
صوتًا يشبه نداء أمٍّ لابنتها، أو أختٍ كبرى تنادي أختها الصغرى المولودة مؤخرا، بحذرٍ ومحبةٍ غامرة.
وبمجرد أن بلغ الصوت أذنَي إيفي، رفعت الغطاء ونهضت من مكانها كما لو كانت مسحورة.
وكأنّ محاولتها السابقة لاستجماع وعيها لم تكن سوى عبث، إذ عادت غارقةً في دوار النعاس من جديد.
كان الموضع الذي كانت تستلقي فيه قبل قليل مجعّدًا ومبعثرًا،لكنها لم تُعره أيّ اهتمام.
وهو أمرٌ غريب للغاية،خاصةً إذا ما علمنا أنّ إيفي كانت بطبعها مرتّبة، لا تترك فراشها صباحًا دون تسويته.
رمشت إيفي بعينيها المثقلتين بالنعاس ،ثم أخذت تمشي ببطء، متّبعةً الصوت.
طَبَق… طَبَق.
تردّد وقع خطواتها داخل الغرفة الساكنة.
لكن نيل رويس لم يستيقظ،كما أنّ باب الغرفة التي كانا ينامان فيها انفتح ببطء،
كأنّه كان ينتظر إيفي منذ البداية.
وفي تلك اللحظة….
[ أيتها الصغيرة! إلى أين تذهبين؟! مهلاً! ]
استيقظ إكس، الذي كان موضوعًا في السلة قرب سرير إيفي، وناداها بصوتٍ مذعور.
[ هيه! إيفي! إلى أين تذهبين؟ خذيني معكِ! ]
صرخ إكس بأعلى صوته.
لكن إيفي لم تلتفت،وخرجت من الغرفة بخطواتٍ ثابتة،كما لو أنّ أيّ صوتٍ لم يصل إلى أذنيها.
[ ……ما بها؟ ]
تمتم إكس بدهشة،بينما واصلت إيفي السير وحدها في ممرات قصر دوق فيرديناند.
كان الوقت متأخرًا قبيل الفجر.ولأنّ القصر كان شبه خالٍ من المستيقظين،لم تصادف إيفي أحدًا في طريقها.
– تعالي إلى هنا.
لم تكن تعرف شيئًا يُذكر عن تصميم القصر أو طرقه،ومع ذلك، مشت دون تردّد،كما لو أنّها عاشت هنا منذ زمنٍ بعيد.
اجتازت ممرًا طويلًا،ثم صعدت الدرج.
وصعدت الدرج،ثم عبرت ممرًا طويلًا آخر.
مرّت بمكانٍ تصطفّ فيه غرفٌ لا حصر لها،
ثم خطت إلى ممرٍّ تزدحم فيه تماثيل التنانين التي ترمز إلى آل فيرديناند.
– نعم، هكذا… أحسنتِ…
كانت ثياب النوم البيضاء، التي تصل إلى ركبتيها،ترفرف بخفّة مع كل خطوة.
وتسلّل هواءٌ بارد من نافذةٍ مفتوحة، داعب خدّيها الصغيرين الناعمين.
وكأنّ أحدهم كان يربّت على وجنتيها ليوقظها من نومها.
عندها…..
‘……هاه؟’
للمرة الأولى،أضاءت عينا إيفي وهي تسير شاردة.
كان الهواء البارد قد نجح أخيرًا في إيقاظ عقلها.
وعادت الحياة إلى عينيها الزرقاوين.
لم تعد تلك الفتاة التي تمشي كأنها نائمة.
انتفضت إيفي،وأخذت تنظر حولها بذعر.
“مـ… ما هذا؟أين أنا…؟”
ممرٌّ طويل للغاية،وعلى جانبيه تماثيل تنانين مصطفّة بلا نهاية.
كان لكل تمثال هيئة مختلفة،وجميعها منحوتة بواقعيةٍ مرعبة،كأنها حيّة.
كان مشهدًا كفيلًا بأن يُفجّر بكاء أيّ طفلٍ عادي في الثامنة من عمره.
لكن إيفي لم تكن طفلةً عادية.
لذا لم تبكي، ولم يغمى عليها.
اكتفت بأن التفتت بارتباك،وعلامات الذهول على وجهها.
‘لماذا أنا هنا؟’
حتى قبل لحظات،كانت نائمةً في غرفتها.
كان أباها قد غفا أولًا،وهي نامت وهي تنظر إلى ظهره.
ذلك الجزء من الذكريات كان واضحًا.
لكن… كيف وصلت إلى هذا الممر؟
لم تتذكّر شيئًا على الإطلاق.
‘لأعد أدراجي أولًا.’
بعد أن رتّبت أفكارها المضطربة،هزّت إيفي رأسها بحزم.
هي ضيفة في هذا القصر.
ولا يليق بها أن تتجوّل فيه دون إذن.
وفوق ذلك،كان هذا المكان مخيفًا على نحوٍ غريب،و يوحي بجوٍّ خطِر.
خصوصًا تماثيل التنانين،التي نشرت أجنحتها وفتحت أفواهها،كأنها تهدّد كل من يجرؤ على الدخول.
يبدو أنّها جاءت إلى مكانٍ لا ينبغي لها أن تأتي إليه.
لا تعرف كيف وصلت… لكن ذلك هو الشعور.
وبينما كانت تستدير للعودة….
– تعالي، إيفي.تعالي إليّ. سأريكِ الآن ما تتمنّين رؤيته أكثر من أيّ شيء…
ذلك الصوت.
الصوت الذي قادها إلى هنا.
عاد ليخاطب إيفي رويس من جديد.
استدارت إيفي نحو مصدر الصوت.
وكان يأتي من بابٍ يقع في نهاية الممر.
“……من أنت؟”
سألت بصوتٍ مليء بالحذر.
لكن الصوت تجاهل سؤالها،وتابع حديثه.
– آيرين فيرديناند.وريثة سيوربولد فيرديناند.الدوقة الشابة لدوقية فيرديناند.
و…
– والدة إيفي رويس.
راح الصوت اللطيف يعدد الألقاب واحدًا تلو الآخر.
ارتجف جسد إيفي.
ولم يفوّت الصوت تلك اللحظة،بل عاد يربّت على قلبها برفق.
– الوجه الذي تشتاقين إليه أكثر من أيّ وجه…هو هنا، يا إيفي.
الوجه الذي تشتاق إليه أكثر من أيّ شيء.
الوجه الذي طالما تمنّت رؤيته،والذي لا تزال تتساءل عنه حتى الآن…
– تعالي، إيفي.
أمّي.
وفي النهاية،خطت إيفي بين تماثيل التنانين التي بدت وكأنها تهدّدها.
كانت خطواتها متردّدة في البداية،لكن كلما اقتربت من الباب المغلق،سارعت.
كانت تركض.دون أن تشعر.
اندفعتُ مذعورة،وأمسكتُ بمقبض الباب بقوة.
كان الصوت آتيًا من داخل هذه الغرفة،دون شك.
‘بالتأكيد!’
شدَدتُ المقبض بكل ما أوتيت من قوّة.
أَه… أَنه… أَنخ…
… هاه؟
لماذا لا يفتح؟
هل هو مُقفل من الداخل؟
دفعتُ الباب،وسحبته،لكن بلا جدوى.
لم يتحرّك.
دقّ… دقّ…
هززته،لكن النتيجة ذاتها.
يبدو أنّه كان مغلقًا بإحكام.
لكن…لماذا يناديني إذا كان لا ينوي فتح الباب؟
‘يا له من أمرٍ محيّر…’
ابتعدتُ خطوة،ونظرتُ إلى الباب الضخم.
كان محفورًا عليه تنينٌ هائل،وعلى جانبيه تنين وسيف،رمزان لآل فيرديناند.
لا شكّ أنّها غرفة بالغة الأهمية.
‘طبعًا…لهذا هي مغلقة.’
لكن…من الذي كان يناديني من الداخل؟
وضعتُ أذني على الباب،وانتظرتُ قليلًا،
لكن الصوت لم يعد.
هاه… ما هذا؟
وبينما هممتُ بالاستدارة خائبة…..
– طبعكِ يشبه آيرين تمامًا…لا تشدّي الباب هكذا.انتظري قليلًا.
عاد الصوت من جديد.
لم أفوّت الفرصة،وسألت فورًا:
“إذًا… سيُفتح الباب؟”
– نعم.سيفتح…لم أكن أنوي جلبكِ بهذه الطريقة.
وبمجرد أن انتهى الصوت من حديثه،صدر عنه تنهدٌ عميق.عميقٌ إلى حدٍّ يوحي بأنّ الأرض ستنهار.
تجاهلتُ ذلك التنهد،وانتظرت كما قال.
وعندها….
كووووونغ……
بدأ الباب الهائل ينفتح ببطءٍ من تلقاء نفسه.
تراجعتُ خطوةً إلى الوراء،مذعورة.
بابٌ… يفتح وحده؟
إكس كان يخرج من غمده وحده،فهل أصبحت الأشياء التي تفعل كل شيء بنفسها موضة هذه الأيام؟
ذلك الباب الذي لم يتحرّك قيد أنملة مهما دفعتُه أو سحبته،انفتح وحده.
حدّقتُ فيه بوجهٍ مشدوه.
– ……ادخلي.
جاء الصوت من الداخل مرةً أخرى.
أمسكتُ بالباب بحذر،
وخطوتُ داخل الغرفة المظلمة.
“المعذرة……”
لم تكن هناك نوافذ،ولا مصابيح، ولا أيّ مصدرٍ للضوء.
كان الظلام دامسًا.
لا أرى شيئًا على الإطلاق.
هذا… مخيف قليلًا.
لا أعرف حتى من الذي ناداني إلى هنا،
ومع ذلك أنا أدخل غرفةً مظلمة كهذه…
كان الأمر مخيفًا فعلًا.
التعليقات لهذا الفصل " 28"