“لارا… هل كنتِ تعتقِدينَ أنَّني أحمقٌ وسَريعُ الغضبِ طِوالَ هذا الوقتِ؟”
“أه… أُمم… آه، أَظُنّ….”
“رغمَ أنَّني بِهذهِ الصّورةِ أمامكِ، فأنا الأولُ في الملاحةِ على هذهِ السفينةِ.”
“أجل… صحيح؟”
رغمَ مَظهرِه الصّارمِ وكونِهِ يبدو وكأنَّه لا يعرِفُ شيئًا سِوى القِتالِ،
كان نيريوس في الواقِعِ هو الملاحُ الأولُ على هذهِ السفينةِ.
‘لكن بصراحةٍ هذا لا يعني بالضرورةِ أنّه ذَكيّ.’
ومع ذلك، كانت لديهِ مهارةٌ بارِعةٌ في مَعرِفةِ التّياراتِ البحريةِ،
وقِراءةِ حَجَرِ “كامباس سْتون” الذي يعملُ كبوصلةٍ ومُرشِدٍ في البحرِ.
لكنه لم يكن يُجيدُ الشرحَ، لذا كان من الضروريِّ وُجودُ
آيزاك بجانبهِ لِيُوضحَ ما يقولُه.
‘أليس هذا أَشبَهَ بغَريزةٍ حيوانيةٍ…؟’
لكن بما أنَّني لم أكن أَعتبِرُهُ أحمقًا أو سريعَ الغضبِ حقًّا،
شعرتُ بالأسفِ وأَردتُ الاعتذارَ له.
“أَتعلم، نيريوس….”
“ها، لا بأس. لا بأس. فأنا أَيضًا أَعتبِرُكِ في داخِلي كأنَّكِ عشبُّ بحرٍ.”
“……”
“عندما تتبللين، تُصبِحينَ كأَعشابِ البَحرِ.”
ما هذا، أَيُّها الأحمق؟
***
في النِّهايةِ، تَشاجَرنا أنا ونيريوس.
رغم أنني عندما رأيتُه سليمًا معافىً كانت تغمرني مشاعرُ جياشةٌ،
إلا أن تلك المشاعرَ قد تلاشت تمامًا الآن.
كان الأمرُ أشبهَ بكابوسٍ سيءٍ قد عشتُه،
وعُدتُ للتحدثِ معه كما كنتُ من قبل، بل ورُبما بطريقةٍ أكثرَ طفولية.
كنتُ أتذكرُ أنني كنتُ أخافُ من نيريوس،
لكن الآن لا أفهمُ كيف كنتُ أخافُ من شخصٍ بالغٍ عديمِ النضجِ مثلَه.
‘هل هذا شيءٌ جيد؟’
لا أعرف. إنه أمرٌ مُحيِّرٌ.
كنتُ أستلقي على السريرِ، أحدّقُ في السقفِ، غارقةً في أفكاري.
أما جيرارد وديكستر، فلم يُلقَ بهما في البحرِ في النهايةِ.
كان ذلك متوقعًا. لم يكن نيريوس في الواقع ليرتكبَ مثلَ هذا الفعلِ الوحشيِّ
برمي أحدِ أفرادِ الطاقمِ في البحرِ.
والآن عندما أفكرُ في الأمرِ،
السببُ في أنهم كانوا لطفاءَ معي كان بسبب شعورِهم بالذنبِ لتركهم لي مريضةً.
‘يا له من شعورٍ بالخيانةِ.’
كنتُ أظنهم إخوةً طيبين، لكنهم كانوا أوغادًا.
‘حسنًا، القراصنةُ قد يكونون هكذا.’
لكنني سرعان ما تقبّلتُ الأمرَ وتجاوزته.
‘لا؟ لا أستطيعُ تقبُّلَ الأمر.’
فتحَ هذا الإدراك عيني مجددًا،
لأن هؤلاء القراصنةَ اللعينين أضافوا لقبَ “عشبةِ البحر” إلى الطريقةِ التي ينادونني بها.
حتى آيزاك الصامتُ كان يحاولُ جاهدًا كتمَ ضحكتهِ.
من كان ليصدقَ أن هذا الرجلَ الصامتَ والخاليَ من الابتسامةِ كان يملكُ القدرةَ على الضحك؟
‘ربما كنتُ طفلةً صغيرةً حينها، ولهذا رأيتُهم هكذا….’
“لكنني الآن أرى الأمورَ بوضوحٍ أكثر…”،تمتمتُ في استياءٍ.
عندما كنتُ صغيرةً، كان قراصنةُ كايلوم يمثلون عالمي بأكمله.
كانوا السماءَ والبحرَ. كان أمرًا طبيعيًا.
رغم أنه لم يكن هناك دمٌ يجمعنا، إلا أنهم كانوا عائلتي.
فقد كانوا يعتنون ببعضهم بشدةٍ لأن لا أحد منهم كان من عائلةٍ واحدة.
وكان من بين القراصنةِ قاعدةٌ أساسيةٌ مختلفةٌ من طاقمٍ لآخر،
لكن أهمَّ قاعدةٍ في كايلوم كانت كما يلي:
【القاعدةُ الأولى إذا حصل أيُّ عضوٍ على عائلةٍ مرتبطةٍ بالدمِ أو القانونِ،
فعليه أن يتخلى عن حياةِ القرصنةِ.】
كان من النادرِ أن تضم مجموعةُ كايلوم قراصنةً من النساءِ،
لكنهم كانوا يعاملون بعضهم كإخوةٍ فعلاً،
حتى أنهم كانوا يمزحون ويقولون إنهم يمكنهم أن يستحموا معًا في الصيفِ دون حرجٍ.
قبل العودةِ بالزمنِ، سألتُ نانسي، إحدى القراصنةِ النساءِ، لماذا لا ينتهي بهم الأمرُ في علاقةٍ، فأجابت بأن نيريوس يبدو كأبٍ قديمِ الطرازِ رغم مظهرهِ السخيفِ.
‘قال إنه لا يمكن أن تستمر القرصنةُ إذا كان لدى المرءِ من يحميهِ…’
قال نيريوس إن وجودَ من يحميهِ يجعل الإنسانَ قويًا،
لكن إذا أصبح شيئًا ثمينًا جدًا، يصبح نقطةَ ضعفٍ.
رغم أنه كان يعتبر أفرادَ كايلوم عائلتَه العزيزةَ،
إلا أنه لم يكن ينظرُ إليهم كشيءٍ ثمينٍ إلى حدٍّ يضعفه.
في الواقعِ قبل العودةِ بالزمنِ، كنتُ أعتقدُ أنني ابنةُ نيريوس البيولوجية.
لقد كنتُ معجبةً به جدًا وكان يظهر لي محبتَه الصريحةَ، لذا ظننتُ أنني استثناءٌ.
أذكر أنني كنتُ أظن ذلك حتى يوم عيد ميلادي الثامن، قبل أن أسمعَ الحقيقةَ.
“أتعرفين؟ لقد وجدناكِ على السفينةِ.
كنتِ على متنِ يختٍ سياحيٍّ فخمٍ للغايةِ، ووجدناكِ هناك وحدكِ.”
في البدايةِ اعتقدتُ أنه يمزح، لكنه لم يكن كذلك.
كانت تلك الحقيقةُ المُرّةُ.
ربما كان من المنطقيِّ أنني لم أكن ابنةَ نيريوس حقًا، فشكلي كان مختلفً تمامًا.
على أيِّ حالٍ، بكيتُ بحرقةٍ يومها،
ولسببٍ ما اندلع شجارٌ بين آيزاك ونيريوس،
وانتهى الأمرُ بأن ضُرب نيريوس ضربًا مبرحًا.
“لماذا تقولُ أشياءَ غيرَ ضروريةٍ كهذه؟ هذا يؤذي مشاعرَ الطفلةِ!”
ربما كان يرسمُ حدودًا بيننا بطريقةٍ ما.
رغم أن نيريوس أحبَّني كثيرًا، إلا أنه قالها بوضوحٍ،
أنا لستُ ابنتَه الحقيقيةَ.
رغم أنه كان يحمل معه “بيلسومنيا” حتى آخر لحظةٍ،
دون أن يعرف ما إذا كنت حيةً أم ميتةً، لكنه لم يكن يعتبرني ثمينةً بما يكفي لأكونَ ضعفه.
أحسستُ بحرارةٍ في أنفي، فأمسكتُه بيدي.
‘فقط التفكيرُ في هذا يجعلني أفتقد نيريوس.’
نهضتُ فجأةً من مكاني حيث كنتُ مستلقيةً وتوجهتُ إلى غرفةِ القبطانِ.
-صرير، صرير.
كانت السفينةُ القراصنةُ هادئةً في الليلِ، تتهادى برفقٍ مع الموجاتِ الهادئةِ.
لم أجد خفيَّ في أيِّ مكانٍ،
فمشيتُ حافيةَ القدمين، والشعورُ ببرودةِ الأرضِ القاسيةِ كان أشد وضوحًا في هدوءِ الليلِ.
رغم أنني لم أسِرْ على متنِ هذه السفينةِ منذ فترةٍ طويلةٍ،
كنتُ أعرف تمامًا أين تقع غرفةُ نيريوس دون أن أضيع في البحثِ عنها.
‘بالفعل، ليست بعيدةً كما ظننت.’
صرير―.
“ما هذا؟ من هذا الأحمقُ الذي يفتحُ البابَ دون أن يُعرِّف عن نفسِهِ؟…”
عندما فتحتٌ الباب، كان نيريوس جالسًا على مكتبِه،
فرفع رأسه عابسًا بعد أن قاطعتهُ، ثم ما لبثت عيناه أن اتسعتا بعد أن عرفني.
كان الصمتُ يوتر الأجواءَ، فعرَّفتُ عن نفسي بخجلٍ وصوتٍ مترددٍ.
“آه… بولاريس كايلوم؟”
“لارا؟ ما الذي تفعلين هنا؟ وقبل ذلك، هل تعرفين حتى معنى كلمة ‘تُعرِّف’؟”
“من علمكِ هذا؟ لا أعتقد أن هناك شخصًا هنا يملك العقلَ ليعلمكِ ذلك.”
أسرع نيريوس بالنهوض من مقعده واقترب مني.
‘هل نسي شجارنا قبل قليل؟’
اقترب مني بخطواتٍ سريعةٍ، حتى وقف أمامي مباشرةً. حدق فيّ بعنايةٍ ثم عبس.
‘أوه، هل تذكَّر؟’
“أيُّتها الشقيةُ الصغيرة.”
قال ذلك وهو يرفعني بحذرٍ.
“قلتُ لكِ ألا تمشي حافيةَ القدمين مجددًا! ماذا لو دخلتِ شظيةٌ في قدمكِ؟
إذا استمريتِ على هذا الحالِ، سيضطر إيثان لإعطائكِ حقنةً مؤلمةً جدًا.
أليس كذلك؟ ألستِ تخافين من الحقنِ، يا لارا؟”
“لا، لا أخافُ منها.”
“كاذبة. أتذكرين كيف بكيتِ في المرةِ الأخيرةِ لأنكِ لم تريدين الحقنةَ؟”
ضحك نيريوس بينما أخذني إلى مكتبِه،
وأخذ المعطفَ من على الكرسي ووضعه فوقي.
“ها، ارتدي هذا جيدًا حتى لا تصابي بالبردِ،
وإلا سأطلب من إيثان أن يجعل الحقنةَ أكثرَ إيلاماً~”
تجاهلتُ كلماته المشفقةَ، وركزتُ على ما كان على مكتبِه.
‘خريطة… ودفتر ملاحظات؟’
“ماذا كنت تفعلُ يا أبي؟”
“هل تشعرين بالفضولِ لمعرفةِ ما أفعله؟”
بما أنه لا داعي لإخفاءِ الأمر، أومأتُ برأسي،
ورأيتُ ابتسامةً صغيرةً ترتسم على وجهِه بينما يحاولُ كتمها.
“أفكرُ في المسارِ الذي سنسلكه. نحن في طريقِ العودةِ إلى القارةِ الغربيةِ،
لكن هذه المرةَ سلكنا مساراً مختلفاً عن السابقِ. إذا استطعنا استغلالَ الرياحِ،
قد نصادف تياراً أسرعَ.”
بدأ نيريوس يشرح،
مسترسلاً في تفاصيلَ قد تكون معقدةً لطفلةٍ في السادسةِ من عمرها.
في الواقعِ، حتى وأنا في السادسةِ والعشرينَ، كان من الصعبِ أن أفهم كلَّ ما قاله.
فقط فهمتُ بضبابيةٍ شيئًا عن سرعةِ الماءِ، واتجاهِ الرياحِ،
وارتفاعِ طيرانِ بعضِ الطيورِ هذا الصباحِ وما يعنيه.
“هل تُريدين أن تُصبحي ملاحةً مثلَ والدكِ؟”
“لا، لا أظنُّ أن هذا يُناسبني.”
“لماذا؟ إذا كان أحمقٌ سريعُ الغضبِ مثلي يستطيع فعل ذلك،
فلا بدَّ أن الأمر بسيط.”
اللعنة.
أعتقدُ أنه كان يَحمل ذلك في قلبه.
ترددتُ قليلاً ونظرتُ بعيداً، ثم تمتمتُ بخجل.
“أُفكرُ في شيءٍ آخر…”
“في ماذا؟ ابنةُ قراصنةِ كايلوم؟ هذا الدور تقومين به بالفعل.”
“لا، ليس هذا.”
كنتُ آمل أن أكون مخطئةً، لكنه بدا مُتألمًا.
لم تكن وظيفةُ الابنة سوى مجرد وجودٍ عشوائي على السفينةِ.
لم أُرد أن أكون شخصًا بلا فائدة.
‘أصبحتُ الآن واثقةً أن لديَّ ما أقدمه.’
لذلك، قلتُ بثقةٍ لنيريوس.
“سأصبحُ طبيبةً.”
“طبيبة؟”
“نعم، طبيبةُ السفينة. سأكونُ طبيبةً وسأعتني بالجميعِ عندما يمرضونَ.”
حدَّقَ نيريوس في وجهي بعينين واسعتين بعد إعلانِ التحدي
التعليقات لهذا الفصل " 4"