لقد اطّلعتُ على مخططاتِ ثلاثةِ مزاداتٍ مختلفةِ الموقع، ورغمَ وجودِ فروقاتٍ طفيفةٍ بينها، إلا أنَّ القواسمَ المشتركةَ كانت أكثر.
أحدُها هو عدمُ وجودِ مساحةٍ خاصةٍ يمكنُ للموظفِ الانفرادُ بها، ويبدو أنَّ هذا التَّصميمَ كان متعمدًا لمنعِ اختلاسِ الأموالِ في الدّاخلِ.
“هيا، اشربي هذا.”
‘بفضلِ ذلك، وصلتُ إلى هنا بسهولة.’
كما توقعتُ تمامًا، كان هذا العجوزُ هو تاجرَ الأدويةِ في مزادِ السَّفينةِ.
والفرقُ الوحيدُ بينه وبين غيره هو أنه يعملُ في “العالمِ السُّفليّ”، لذا فإنَّ معظمَ ما يبيعُه هو موادٌ غيرُ قانونية.
دفعَ العجوزُ إليَّ كوبًا من الشاي وهو يرتدي وجهًا يفيضُ طيبةً.
“… مرّ!”
أدخلتُ طرفَ لساني فقط، ثمَّ قطبتُ حاجبيّ.
وعندما رفضتُ شربَ المزيد، ظهرت ثنيةٌ خفيفةٌ بين حاجبيّ العجوز.
“أريدُ شيئًا حلوًا. أبي كان يُعطيني أشياءً حلوةً دائمًا.”
تذمرتُ بإصرارٍ كطفلةٍ مدللة.
كان من المفترضِ أن يشعرَ بالانزعاجِ، لكنَّ العجوزَ لم يُظهر أيَّ مشاعرَ سلبية.
“هاهاها، انتظريني قليلًا.”
“حاضر.”
ابتسمتُ ببراءة، لكن بمجردِ أن أدارَ العجوزُ ظهره ليجلبَ بعضَ الحلويات، قمتُ بتبديلِ الكوبين الموضوعين في مكاني ومكانه بسرعةٍ فائقةٍ وهدوءٍ تامّ.
‘هوف.’
السببُ في فعلِ هذا بسيطٌ جدًّا.
طاخ–
وُضعَ بسكويتُ الزَّنجبيلِ أمامي.
“هذا هو الشيءُ الوحيدُ الجاهزُ للأكلِ حاليًّا.”
“لا بأس، أنا أحبُّ البسكويتَ بكلِّ أنواعه.”
“جيد، جيد. اشربي الشاي إذًا.”
بمجردِ أن رفعتُ الكوبَ وأخذتُ رشفةً صغيرةً في فمي، ابتسمَ هو بدفءٍ ورفعَ الكوبَ الموضوعَ أمامه.
و….
بوووم—!
“يا إلهي.”
لم يمرَّ وقتٌ طويلٌ على ملامسةِ الشايِ المبدّلِ لشفاهه، حتى ارتطمَ رأسُه بالمكتب.
لقد غابَ عن الوعي.
‘يا لكَ من عجوزٍ خبيث.’
عرفتُ الأمرَ بمجردِ أن تذوقتُ الشاي؛ لقد كان ممزوجًا بـمُنوّم.
لو لم أمتلك حاسةَ تذوقٍ حساسةٍ في هذا العمر، لكانَ الأمرُ كارثيًّا.
كان هذا المُنومُ سريعَ المفعولِ ومرَّ المذاق.
وهناك طرقٌ عديدةٌ لإخفاءِ المرارة، وأكثرُها شيوعًا هو خلطُه بالشاي.
‘لكنني أستطيعُ تمييزه.’
التدريباتُ التي تلقيتُها في البحريةِ قبلَ العودةِ بالزمنِ أثمرت ثمارَها.
واستطعتُ التأكدَ من شيءٍ بالمرة؛ حتى لو عدتُ الزَّمن، فإنَّ الخبرةَ التي اكتسبتُها لا تزيغ.
السَّببُ في تدريباتِ التَّكيفِ مع فراليت في البحريةِ هو عدمُ التَّأثرِ بأيّ سُمومٍ توضعُ في الطَّعام؛ بحيثُ يصبحُ المرءُ قادرًا على استخلاصِ العناصرِ الغذائيةِ المطلوبةِ فقط.
‘رغمَ أنهم يُعطوننا الترياقَ بعد فترةٍ معينة.’
مع تكرارِ عمليةِ التَّطهيرِ خارجَ المهماتِ والتَّسممِ عندَ العودة، يبدأُ الحِسُّ بالتَّبلدِ حتى لو لم يتناولِ المرءُ الفراليت، وتصبحُ حاسةُ التذوقِ ضعيفةً لدرجةِ أنَّ معظمَ الأطعمةِ لا تُحدثُ أثرًا كبيرًا، إلا بعدَ تناولِ الترياقِ مباشرةً.
وبما أنَّ جنودَ البحريةِ معرضون دائمًا لخطرِ التَّسممِ حتى بعيدًا عن الفراليت، كان عليهم الخضوعُ لتدريباتِ التَّكيفِ مع السَّمومِ الأخرى.
وبصفتي طبيبةً عسكرية، كان تدريبي أكثرَ صرامةً من الآخرين.
الخلاصةُ هي أنَّ كلَّ تلكَ التجاربِ مكّنتني من تمييزِ الكثيرِ من السَّمومِ والأدويةِ بمجردِ تذوقِها أو شمِّ رائحتها.
حتى لو مُزجت بالطَّعام، كنتُ ألاحظُ الفروقاتِ الطفيفةَ بسهولة.
علاوةً على ذلك، جسدي الحالي لم يسبق له تناولُ الفراليت، لذا فحواسُّ التذوقِ والشمِّ لديَّ أكثرُ حساسية.
وبينما كنتُ أرتبُ المكانَ لإخفاءِ أثري، وجدتُ شيئًا لا ينبغي أن يكونَ هنا.
‘إنه يملكُ هذا؟’
نبتةُ ديفورس؛ وهي عُشبٌ سامٌّ يجعلُ مَن يتناوله يتقيأُ الدمَ من جميعِ فتحاتِ جسدِه ويموتُ موتًا مؤلمًا.
لقد سُمي بحاصدِ الأرواحِ الصَّامت لأنه سريعُ المفعولِ ولا ترياقَ له، وإذا نُقعَ في الماءِ الباردِ ببطء، لا يتركُ أيَّ طعمٍ أو رائحة، مما يجعلُه مثاليًّا للاغتيال.
لدرجةِ أنَّ أوامرَ صدرت لجميعِ فروعِ البحريةِ بإبادةِ هذه النبتةِ بمجردِ العثورِ عليها.
لقد عرفتُها من خلالِ كتابِ إيثان في حياتي السابقةِ عندما كنتُ قرصانة.
بمعنى آخر….
‘من المفترضِ أنها انقرضت من العالمِ أجمع.’
لمسُها لا يؤدي للتسمم. نظرتُ إليها بتمعنٍ وأخذتُ بضعَ بذورٍ منها.
في السُّوقِ السوداء، قد تصلُ قيمةُ بذرةٍ واحدةٍ من ديفورس إلى 50 ألف ويتن بالعملةِ المشتركةِ للقارةِ الغربية، لكن هل يهمّني ذلك؟
لو كنتُ طفلةً ساذجةً حقًّا، لكنتُ عانيتُ من مضاعفاتٍ خطيرةٍ حتى لو استيقظتُ بعدَ ذلك الشاي.
وإذا لم أستيقظ؟
‘ممم، لا أريدُ التفكيرَ في ذلك.’
بدأتُ أبحثُ بذكاءٍ عن السِّجلِ الذي يحتفظُ به العجوز.
لا بدَّ أنه خبأه في زاويةٍ حصينة، لكنَّ اكتشافه لا يستغرقُ لحظةً أمامَ شخصٍ مثلي.
‘دعونا نرَ. دعونا نرَ.’
بما أنه وضعَ مُنوّمًا لسرقةِ ممتلكاتِ طفلة، فهذا يعني أنَّ هذا الإنسانَ ليس سويًّا.
نظرتُ حولي بدقةٍ حتى وجدتُ فجوةً غريبةً بين رفوفِ الكتب.
كانت خزانةً سرية.
وجدتُ داخلَها السِّجلَ المزدوج. وكما توقعتُ، فإنَّ هؤلاء الأشخاصَ يختلسون الأموالَ دائمًا بهذه الطريقة.
‘هممم.’
كان يغيّرُ بياناتِ السلعِ كلَّ بضعةِ أيام. عادةً تُكتبُ هذه الأشياءُ بالحبر، لكنني أعرفُ كيف أصنعُ مادةً تمسحُ الحبر.
‘لهذا السَّببِ يجبُ استخدامُ حبرٍ فاخرٍ للسجلاتِ لا الحبرِ الرَّخيص.’
الحبرُ الفاخرُ معالجٌ بحيثُ لا يُمحى بموادٍ بدائيةٍ كهذه.
الفشلُ هو النتيجةُ الطبيعيةُ لمن يحاولُ توفيرَ القليلِ من المال.
التعليقات لهذا الفصل " 30"