3
•°003°•
لم يكن هناك متّسعٌ لمنعه. بل لم يكن في الإمكان أصلًا أن يُمنع. ما إن يعزم دوق روينتز على أمرٍ ما، حتى لا يبقى للارنه، التي لا تملك خيارًا، سوى الطاعة.
وفي غمضة عين، كانت جِينا قد أمسكت بالمقصّ، واقتربت سريعًا لتسوّي بسلاسة الجزء الذي مزّقه دوق روينتز بيده.
“بالتفكير في الأمر، هذه فرصة حقًا.
فرصة لمواجهة الإمبراطور وجهًا لوجه! اليوم، وبقدراتكِ أنتِ، أغوي الإمبراطور.”
“أبي، هذا الكلام…”
“منذ البداية، لم يكن إمبراطورٌ متقلّب مثله ليخضع طوعًا لمنافسة كهذه. سيُصرّ على اختيار من يشاء، أفلا يكفي أن تحملي طفلًا وينتهي الأمر؟”
أن يذكر دوق روينتز أمر الطفل أولًا، وهو الذي كان يبغض الأبناء غير الشرعيين إلى هذا الحد، بدا للارنه أمرًا مثيرًا للسخرية.
وكان من السذاجة أن يظنّ أن مجرّد الحمل سيجعلها إمبراطورة بلا قيدٍ أو شرط.
أفلا يمكن لذلك الطفل أن يولد غير شرعي؟ أو أن يُسلب حياته قبل أن يُولد أصلًا؟ ذلك أمرٌ لا يُعرف إلا حين يقع.
“لكن جلالة الإمبراطور…”
“كم رجلًا سحرتِه في الولائم حتى الآن؟ نعم! افعلي معه الشيء نفسه الذي فعلتِه بأولئك. هذا ما تجيدينه أصلًا.”
اطبقت لارنه شفتيها في عجز.
كانت الأوصاف الخبيثة التي تُطلق عليها لا تُحصى، غير أنّ ذلك لم يمنع الثناء الملازم لملامحها من أن يتدفّق بلا انقطاع.
شَعرٌ بلون الأبنوس، وعينان أرجوانيتان تتلألآن كأنما رُصِّعتا بحجر الجمشت.
أنفٌ مستقيم شامخ، وخطّ عنقٍ رقيق ينساب نزولًا بطول كفٍّ واحد، فزاد قوامها إبرازًا وجمالًا.
ولذلك، ما إن تُقام الولائم حتى تتعلّق بها أنظار عدد لا يُحصى من النبلاء.
‘لكن في ذلك الحين،كان الأمر بلا شك…’
في اليوم الذي وطئت فيه لارنه أولى خطواتها في المجتمع الأرستقراطي، شدّت ملامحها من شدة الحذر.
فوبّخها دوق روينتز على ما عدّه تصرّفًا يفتقر إلى اللباقة.
وفي المره الثانية وبدافع المجاملة، ارتسمت على شفتيها ابتسامة. وحين انهالت عليها رسائل الزواج تباعًا، ألقى دوق روينتز باللوم عليها، رافعًا يده قائلًا إن ابتسامتها هي السبب.
“بما أنك ستصبحين الإمبراطورة المستقبلية، فإن تصرفك بخفة هو ما جعل هؤلاء الأوغاد يطمعون فيك ويغرقون في أوهامهم!”
بعد انتهاء كل حفلة، كانت تتوالى تلك الأيام التي يسيل فيها سائل قاني السواد من زوايا فمها، وفي كل مرة، كانت تمسح شفتيها الملطختين بالدماء بأطراف أصابع مرتجفة.
ومع كل مرة، حين تفتح عينيها بمشقة، لا تجد أمامها سوى مدفأة تستعر نيرانها كأنها قادرة على التهام كل شيء.
“تسك، الحماقة داءٌ لا دواء له.”
كانت طلبات الزواج المقدمة لـ لارنه تتلاشى جميعها داخل ألسنة اللهب. ولم يمنحها الدوق فرصة واحدة لتفحص ذلك الرماد عن كثب، لذا لم يكن لـ لارنه سبيلٌ لمعرفة هوية المرسلين.
كانت هذه هي الحقيقة وراء ما شاع بين الناس بـ رفض لارنه. بينما في الواقع، لم تكن هي تعرف حتى من هم، ولم تملك حق الرفض الحقيقي لتلك المشاعر التي قُدمت لها.
الأميرة المتكبرة.. المرأة الوقحة.
تلك التي لم تكلف نفسها عناء خطّ خطاب رفض واحد بيديها على كل تلك العروض المستميتة.
وهكذا، وبينما كانت لارنه تجهل تماماً من ينهش في سمعتها خلف ظهرها المبتسم، كان عليها أن تواجِه النبذ والاندثار في الأوساط الاجتماعية.
“لا تخيبي ظني، يا لارنه.”
“حاضر.”
“جيد، فما دمتِ تشبهينني، فلا بد أنكِ ستحسنين صنعاً في كل شيء.”
على خلاف دوق روينتز الذي ارتسمت على شفتيه ابتسامة رضا، لم تستطع لارنه أن تبتسم. فأن يُقال إنها تشبهه كان أبغض ما في العالم إلى قلبها.
“يجب ألا تكوني كائناً عديم الفائدة.”
ففي يومٍ كانت ابنته، وفي أيامٍ أخرى لم تكن سوى حطام إنسان لا نفع منه.. وكان الاحتمال الأخير هو الأكثر تكراراً.
‘يا أبي.. من ذا الذي قد يرغب في شخص عديم الفائدة؟ وهل سيختلف الإمبراطور عن غيره؟..’
‘ثم أخبرني، ماذا عساي أن أفعل؟’
ابتلعت لارنه كلماتها التي عجزت عن البوح بها.
ألقى الدوق روينتز نظرة فاحصة، مسح فيها الفستان مرة وجسد لارنه مرة أخرى، ثم غادر الغرفة.
“سأساعدكِ في تبديل ملابسكِ.”
وقفت جينا أمام لارنه وهي تطأ بقدمها الدانتيل الساقط على الأرض؛ كانت هيئتها تنضح بغرور وصلف غريبين، رغم تظاهرها بالأدب.
ومع أصوات فك أزرار الثوب الذي كانت ترتديه، ظلت نظرات “لارنيه” شاخصة نحو الدانتيل المسحوق تحت الأقدام.
بدا لها ذلك الدانتيل الممزق والمهترئ في عجز، تماماً كحالها؛ كائن لا يعرف كيف يؤدي الغرض الذي وُجد من أجله.
“ارفعي ذقنكِ من فضلكِ.”
كانت جينا إحدى تابعي بيت الدوق روينتز، والابنة الثانية للفيكونت الراحل رايبل تكبر لارنه بعشر سنوات كاملة.
كانت جينا حين بدأت خدمتها أصغر سناً من لارنه الحالية، مما يعني أنها ظلت تعمل كذراعٍ يمنى لوالدها لأكثر من عشر سنوات.
لعلّ جينا في نظر الدوق روينتز أكثر نفعاً وجدوى منها، وربما كانت جينا هي من تعتبر قصر الدوق بيتاً لها، لا لارنه.
“يا إلهي، متى أتيت؟ لقد كاد جسدي يبرد من طول الانتظار. لقد حان دورك الآن لتختبئ…”
عجز نومان عن النطق من فرط ذهوله، حتى غصّت أنفاسه في صدره.
“أحقاً؟ أصار دوري بهذه السرعة؟”
“بالطبع يا مولاي! لقد طال انتظاري، وأتوق بشدة للبحث عنك.”
برزت شفتا المرأة ذات الشعر الأحمر في دلال، فما كان من راديمير إلا أن استجاب لتلك الإيماءة بلهفة.
“حسناً، ليكن لكِ ما أردتِ يا مادنيا.”
“مولاي، لقد اكتمل الاستقرار في قصر بايان، والجميع بانتظار رؤية طلعتكم البهية، أفلا تتوجّهون إلى هناك؟”
قالت مادنيا بنبرة يكسوها العبوس وهي تستمع لحديث نومان:
“قصر بايان… آه، ذاك المكان؟”
كانت مادنيا، عشيقة الإمبراطور، تدرك تمام الإدراك أن ذلك القصر كان مُخصصاً في الأصل للخليلات، فتعمدت إظهار ضيقها لعلّه يلحظه، لكن راديمير ردّ بمزاحٍ لم يخلُ من مكر.
“يا مادنيا، أنتِ هنا في قصر الإمبراطور، وبما أنني لن أذهب إلى هناك، فلا مبرر لذهابكِ أنتِ أيضاً.”
ثم التفت راديمير بوجهٍ صارم وسأل نومان
“نومان، وأين ابنة الدوق روينتز؟”
“إنها أيضاً في قصر بايان، يا صاحب الجلالة.”
“وماذا عن أخي العزيز؟”
“… سمو الأمير ليندمان قد وصل بدوره إلى القصر الإمبراطوري.”
انبعث صوت تصفيقٍ خافت، أخذ يزداد وضوحاً وجلاءً؛ كان مصدره كفّا راديمير.
وسرعان ما اختلط التصفيق بضحكاته، ليخلقا معاً سمفونية غريبة من الصعب كبحها.
حاولت مادنيا التي كانت تترقب ردود فعله أن تبتسم هي الأخرى، لكنها لم تدرك حقاً ما الذي كان يثير ضحكه إلى هذا الحد.
“يا له من أمرٍ ممتع.. سيكون ممتعاً حقاً…”
وبينما كان خصلات شعره الذهبية المحمرة تتطاير كأنها دماءٌ تناثرت فوق قرص الشمس، ألقى راديمير بنظرته الأخيرة على نومان قائلاً:
“أرجو أن تنال هديتي إعجاب أخي!”
* * *
وعلى طول الرواق الفسيح، افترش السجاد الذهبي الرخام الأبيض؛ خطت لارنِه فوقه، وهي تتنفس بعمقٍ كاد ينفجر معه صدرها.
وحين شرعت تعدّ بنظراتها الزخارف المحفورة على الأبواب الشاهقة، أحنى الفرسان الواقفون رؤوسهم إجلالاً بعدما تحققوا من هويتها.
“الآن، تدخل الليدي لارنه من بيت الدوق روينتز!”
فُتحت الأبواب، فدلفَت لارنه بقوامٍ ممشوق، ينسدل شعرها الأسود في نعومة فوق ثوبها الذي اختاره لها الدوق.
كانت الثريات المتدلية من السقف القبيّ المرتفع تتبارى في الفخامة والترف.
وبينما كانت أنظار الحاضرين مشدوهة بتلك العظمة، لم تعرها لارنِه أدنى اهتمام، بل جالت ببصرها تبحث عن شيءٍ آخر.
“هل تبحث عن جلالة الإمبراطور؟”
“ربما تبحث عن الدوق روينتز.”
هكذا خمن الغالبية، لكنهم جميعاً كانوا مخطئين.
وفي الوقت المناسب، صدحت أنغام الجوقة الموسيقية؛ لقد بدأت مأدبة النصر المقامة على شرف الذي كانت تبحث عنه لارنه.
التعليقات لهذا الفصل " 3"