2
ابنة دوق روينتز. زهرة الجدار المترفعة.
امرأةٌ تثير الفضول؛ فرغم جفائها واعتزالها الناس، إلا أنها تجذبهم إليها بشكلٍ غريب.
امرأة أنانية، تقحم نفسها في كل حفلة برأسٍ مرفوع وكبرياءٍ صلب فتفسد أجواءها، ثم لا تلبث أن تنسحب حين تشتد الحاجة إليها.
هكذا كانت تصفها أوديليا فيرينا، وهكذا كان الأمر في حفلات الماضي.
”ها هي ابنة لوينتز تجلس وحيدةً مرة أخرى.”
”أيعقل أن مزاجها متعكرٌ ثانيةً؟ لو كان الأمر كذلك، لكان من الأفضل ألا تحضر أصلًا!”
إنها تنالُ ما يستميت الآخرون لأجله بكل سهولة، دون أن تبذل أدنى جهدٍ يُذكر. تتمتع بامتيازات عائلتها العريقة، ثم تتصرف بكل وقاحة.
”ربما ترغبُ في أن يتودد إليها أحد.”
”حقًا؟ أتظنين ذلك؟”
”بالتأكيد. أليس هذا هو السبب وراء انهمار رسائل الخطبة عليها كالمطر؟ وهي تكتفي بتركها تتراكم دون أن تُكلف نفسها عناء الرد.”
بجمالها الأخاذ وقلة كلامها، استطاعت حقاً أن تفطر قلوب الكثير من شباب النبلاء.
لكنها، وعلى الرغم من فيض عروض الزواج التي تنهال عليها، كانت ابنة دوقٍ وقحة، لا تُكلف نفسها حتى عناء الرفض اللائق.
كانت أوديليا كلما وقعت عيناها عليها، شعرت بضيقٍ لا ينقضي.
”يا لها من قسوة…”
ورغم أن لارنِه كانت تسمع هذا الحديث كله بوضوح، إلا أن ملامحها لم تهتز.
كانت تبدو بتلك الهيئة التي توحي بأن اعتزازها بذاتها فوق كل اعتبار، ولا يمكن لشيء أن يكسره.
أليس لهذا السبب أجمع الكل على تسميتها بـ ابنة الدوق عديمة الرحمة؟
إنها سليلة روينتز القساة؛ تلك العائلة التي لطالما ترددت الأنباء عن أصوات معاناةٍ تخرج من ردهاتها، وشاعت القصص عن خدمٍ لقوا حتفهم تحت وطأة صقيعها وجبروتها.
وفوق ذلك كله، كيف لتلك الدماء الظالمة أن تفيض بكل هذا الود والحب المفرط فيما بينها!
”لارنِه! ها أنتِ هنا.”
”أبي.”
رسم دوق روينتز على وجهه ابتسامة ودودة وهو يربت على كتف ابنته الوحيدة.
كانت هيئتهما وهما يتبادلان الهمسات ويتفقدان ما حولهما، تبدو تماماً كهيئة أبٍ وابنته يحبكان خطة ما.
”أنتِ الأجمل في مأدبة اليوم. هاه، هكذا تكون ابنتي، ابنة روينتز العظيمة! إني لفخور بكِ!”
”أبي، كفاك…”
”انظري حولكِ! هل من آنسةٍ تفوقكِ حُسناً؟ حتى وإن تجرأن على المحاولة، فسيبقين جميعاً بلا شأن أمام ابنة روينتز!”
جاب دوق روينتز أرجاء القاعة بوجهٍ لا يكاد يستر فخره العارم، وبدت لارنِه راضيةً عن ذلك وهي تتبعه في صمت.
سواء أكان استعراضًا للهيبة أم لا، فقد اعتادت ابنة الدوق أن تبقي دوق روینتز قريبا منها على هذا النحو.
‘حتى الوحوش تفيض حناناً على صغارها، ولكن كيف له أن يجهر بمثل هذا القول على مسمعٍ من بقية الآنسات!’
تصلبت ملامح أوديليا من الغيظ.
’أيتعمد إهانتنا؟’
”آنسة فيرينا، يبدو أن انسة روينتز لا ترغب حتى في إلقاء التحية علينا.”
ظلت أوديليا ترمق «لارنِه بنظرات مطولة وهي تجتازهم بمجرد إيماءة خاطفة.
”دعكِ منها؛ فلا حاجة لنا بالحديث مع امرأةٍ تستهين بأرواح البشر وتتخذ منها ألعوبة.”
وها هي ابنة روينتز تلك، تظهر أمام أوديليا من جديد.
ولكن هذه المرة… كغريمةٍ تحمل لقب مرشحة لمنصب الإمبراطورة.
”يا لَها من صدفةٍ رائعة، كم يسعدني أن نلتقي في هذا المكان!”
تقدم دوق روينتز بوجهٍ بشوش نحو الذين سبقوهم في الوصول، بينما بدا على دوق فيرينا ترددٌ واضح حين واجهه.
”وماركيز ديمان هنا أيضاً.”
اقترب الماركيز الذي كان يقف منشغلًا إلى جانب ابنته، منهما هو الآخر. وفي هذه الأثناء، تبادلت الانستان المتبقيتان النظرات فيما بينهن دون حاجةٍ لكلام.
”في نهاية المطاف.. ابنة دوق روينتز، يا للعجب….”
حينها أدركت لارنِه حقيقةً كانت قد غفلت عنها؛ وهي أنه إذا كان الجميع لا يميلون إليها أصلاً، فإن هاتين الآنتين تحديداً تكنّان لها بغضاً أشد.
ومع كلمات آنسة فيرينا، سارعت آنسة ديمان إلى جانبها، لتصطفا فوراً في جبهةٍ واحدة ضدها.
”يا لوقاحتها…”
”أجل، كما هي دائمًا.”
بمجرد أن وطأت أقدامهن قصر بايان وتواجهن، انهمكت المرأتان في الإساءة ل لارنه.
ورغم أن همساتهما لم تكن لتصل إلى مسامع دوق روينتز، إلا أن لارنِه التي تملك حساً مرهفاً وقدرةً على التقاط أدنى الأصوات، أدركت جيدًا سهام النقد المصوبة نحوها
‘لا بأس، لقد اعتدتُ على هذا.’
لم تكن تلك الانتقادات سوى تكرارٍ لما عهدتْه دوماً.
قيل إن كبرياءها يطاول عنان السماء، وقيل إنها تغوي الرجال ثم تدير لهم ظهرها بقسوة.
وقيل إنها في غاية الخبث حتى إنها تجبر الجميع على الجثو تحت قدميها، وأن الخدم الذين قضوا نحبهم لم يكن ذلك إلا بإشارةٍ من يدها.
و…
“كيف لها أن تستولي على مكان الأنسة دِلر بهذه الطريقة؟”
وقيل أيضاً إنها هي من دست السم لآنسة دِلر.
”يا له من أمر مروع، أن نضطر لمشاركتها المكان ذاته.”
أليس من الغريب؛ لو كانت حقاً بتلك القسوة التي لا تهتز لها أجفان كما تصفها الشائعات، أما كان حرياً بها أن تندفع الآن لتصفع وجوههن؟
بل كانت ستجعلهن يدفعن ثمن انزلاق ألسنتهن مكرًا وخديعة.
لكن لارنِه لم تبدِ أي رد فعل، ولم تحرك ساكناً سواء بالإيجاب أو النفي، في صمتٍ يستعصي على الفهم.
’لأنها الحقيقة.’
لم تكن لارنه روينتز مرشحة لمنصب الإمبراطورة منذ البداية؛ فالمكانة التي شغلتها كانت تعود في الأصل للآنسة دِلر.
كان ذلك حتى الأسبوع الماضي، حين وافت آنسة دِلر المنيةُ في ظروف غامضة للأسف.
ولأن مَن اعتلت تلك المكانة بعدها لم تكن سوى ابنة دوق روينتز، فقد جزم الناس بأن تلك الميتة لم تكن إلا من تدبير عائلة روينتز.
ورغم أنها لم تكن سوى أصداء شائعات لا تكترث بالحقائق، إلا أن لارنه كانت تدرك بحدسها اليقين؛ أن والدها هو مَن قتل آنسة دِلر.
”لو كان الأمر كذلك، فما كان لي أن أتدخل…!”
لقد كان دوق روينتز رجلاً شديد الدقة والحرص.
ورغم أنه كان رجلاً عاجزاً عن كبح جماح غضبه، ولا يتورع عن ضرب أبنائه، إلا أنه لم يكن يتجاوز الحدود التي ينبغي الحفاظ عليها أمام الملأ.
إن مجرد إقدامه على التدخل بنفسه كان كافياً لتعلم أنه هو مَن ألحق الأذى بالآنسة دِلر.
”لابد أن بيت ماركيز دِلر يعتصر حزنًا وألمًا… إن قلبي يؤلمني لأجلهم.”
لامست أظافرها تلك الندبة التي عولجت على عجَلٍ في ذلك اليوم؛ ورغم أنها سكبت عليها طاقة مقدسة لا تُجدي نفعاً كبيراً حتى تلاشت آثار الجرح، إلا أنها كانت لا تزال تشعر بوخزٍ يسري فيها كدبيب الحشرات.
ضغطت بأظافرها على موضع الجرح الغائر الذي اختفى؛ ولم تشعر لارنه بنوع من التحرر إلا حين بلغ الألم مداه.
’يجب أن ألفت انتباه الإمبراطور، وأن أحمل بطفله…’
تجاهلت ذلك الثقل الذي يجثم على صدرها كصخرة صماء، وأخذت تردد مهمتها في غمرة أفكارها.
في تلك اللحظة، خرج خدم قصر بايان واصطفوا في أماكنهم بنظامٍ دقيق، ومن بينهم تقدمت كبيرة الوصيفات بخطى وئيدة.
اتجهت أنظار الآباء وعلى رأسهم دوق روينتز والمرشحات الثلاث نحوها.
”طاب مساؤكم المشرق كخيوط الذهب. أنا فيتز، كبيرة الوصيفات، وقد جئت إلى هذا المقام الموقر بآمر من جلالة الإمبراطور.”
تلت السيدة فيتز باختصار بعض التعليمات الواجب اتباعها في القصر الإمبراطوري خلال فترة الاختيار، وعرضت جدول المواعيد المقبلة.
”سيدة فيتز، هل سنحظى الآن بلقاء جلالة الإمبراطور؟”
وما إن أتمت السيدة حديثها، حتى بادرت آنسة ديمان بصوت صافٍ رنان، بالسؤال.
لم تنطق الأنسة فيرينا بكلمة، لكن آذانها التي تسترق السمع كشفت عن فضول لا يقل عن زميلتها.
”جلالة الإمبراطور لن يأتي إلى هنا.”
”لن يأتي؟ ماذا تعنين؟”
”إن لم يرغب جلالته في ذلك، فربما لا يطأ هذا المكان حتى تنتهي المسابقة.”
لقد اجتمعن هنا لغرضٍ واحد وهو اختيار زوجة الإمبراطور، أي الإمبراطورة القادمة. فكيف لا يأتي الإمبراطور إلى مكانٍ كهذا؟
لم يستطعنَ كتمان ذهولهنّ.
”…… إذًا، متى يمكننا لقاؤه؟”
سألت الأميرة فيرينا بحذرٍ شديد.
”ستقام ليلة اليوم مأدبة احتفالٍ بالنصر. وقد أمر جلالته بحضوركنّ الثلاث، وهناك ستلتقين به.”
”مأدبة نصر؟”
”لم يخبرنا أحدٌ بهذا…”
في غفلةٍ منهما، أصبحت الأميرة فيرينا والآنسة ديمان تتحدثان بصيغة “نحن”. بدا الأمر لـ لارنه مثيرًا للسخرية، لكنها لم ترد على ذلك.
كانت عينا الدوق روينتز تلمعان بنظرةٍ غير عادية؛ نظرةٍ تجاوزت البرود لتبدو كغياهب الظلام.
لقد كان مستاءً من حقيقة أن مأدبة اليوم هي احتفالٌ بالنصر، وليست مأدبةً أُعدت خصيصًا لمرشحات منصب الإمبراطورة.
“إنه غاضبٌ.’
ولهذا بدا كلُّ شيءٍ كأنه شأنٌ لا يعنيها، فلم تستطع أن تركّز على شيءٍ واحد. كانت تشعر بضغطٍ خانق، وبإحساسٍ قاسٍ بأن عليها أن تفعل شيئًا، رغم أنها لا تملك القدرة على فعل أيّ شيء.
فعندما يختفي الجميع، سيعود دوق روينتز للضغط عليها من جديد.
“بمناسبة عودة صاحب السمو ليندمان، تولّى جلالته بنفسه إقامة هذه المأدبة تكريمًا للإنجازات العظيمة التي حققها سموّه.”
في تلك اللحظة، شكّت لارنه في أذنيها.
“ليندمان صاحب السمو، تقصدون…؟”
“أتعنون أن سموّه قد عاد فعلًا؟”
كان كلٌّ من دوق فيرينا ومركيز دِمان يبدو عليهما أنهما يجهلان الأمر تمامًا. فأومأت السيدة فيتز برأسها ببطء تأكيدًا.
كان وجه دوق روينتز أسوأ حالًا من ذي قبل، غير أن لارنه، وكأن شيئًا لم يكن، لم تُعر الأمر اهتمامًا.
بل لم يكن بوسعها أن تهتم.
اليوم. هذه الليلة بالذات.
لمجرّد حقيقةٍ واحدة، أنها سترى ليندمان من جديد.
* * *
”جنون! لقد جنت البلاد بأسرها!”
على الرغم من أن الغرفة كانت مخصصة لـ لارنه، إلا أن الدوق روينتز اقتحمها وكأنها ملكٌ له.
”أيعقل هذا؟ ثناءٌ وتكريم؟ أيُّ تكريمٍ هذا الذي يتحدثون عنه!”
راح الدوق يذرع الغرفة جيئة وذهاباً بخطواتٍ متوترة مضطربة، كمن طارده أمرٌ جلل.
”لقد كان فضلاً منا أن سمحنا لذاك النغل بحمل سيفٍ شريف، فكيف يجرؤ! أليس كذلك؟”
”نعم.”
”أيكون ذاك الصعلوك بطلاً للحرب! أيُّ بطلٍ هذا، ليت المنية وافته هناك لكان خيراً، لكنه عاد حياً ليدّعي البطولة!”
”…… نعم.”
أجابت لارنِه بصوتٍ متهدج بالكاد يخرج من صدرها.
”حتى الإمبراطور فقد صوابه. لطالما كان يسير خلف أهوائه، وها هو الآن يوردنا هذا المورد!”
”أبـ… أبي…!”
بادرت لارنه إلى منعه بفزع.
كان هذا القصرَ الإمبراطوري. ومهما بدا أن الإمبراطور لا يُعير المكان اهتمامًا، فمن يدري إن كان قد زرع فيه آذانًا، أو ما الذي قد يتسرّب إليه من أحاديث عبرها.
وفي مثل هذا الموضع، فإن ما ألقاه دوق روينتز من كلام، إن عُدّ صغيره تذمّرًا، فإن كبيره لا يخرج عن كونه إهانة صريحة للأسرة الإمبراطورية.
“على أيّ حال، كلّ الخادمات من رجال روينتز، فمن ذا الذي يرغب بالموت ليفتح فمه بالكلام؟”
لكن دوق روينتز كان واثقًا بنفسه. ولم يكن رفضه لجميع الخادمات اللواتي أعدّهنّ القصر الإمبراطوري، وإصراره على جلب الخدم من الدوقية عنوةً، بلا سبب.
أحد الأسباب أنه لا يريد أن يتحفّظ في كلامه أكثر مما هو عليه أصلًا، وهو في حالٍ مضطربة.
أما السبب الآخر فـ…
‘كلّهم عيون تراقبني.’
ولعل الحظ حالفه، إذ كانت غرفتا آنسة فيرينا وآنسـة ديمان بعيدتين عن غرفة لارنه.
أي إنهما، حتى لو أرادتا التنصت على الحديث، فلن تقدرا على الوصول إلى هنا دون أن تُظهرا ذلك صراحة.
“أعتذر عن المقاطعة، سيدي الدوق. هل تأذنون لنا بالبدء في تهيئة الآنسة؟”
كان من قاطع حديثهما ليست سوى الخادمة المكلّفة التي ستصبح مقرّبة من لارنه في هذا المكان.
الخادمة الخاصة التي ستلازم لارنه.
كانت تلك المرأةٌ هي جينا، وكانت عينًا ثانية لدوق روينتز في بيته، تنقل إليه أدقّ تحركات لارنه.
“أن يُقام حفلٌ لأجل ذاك الوغد… إن الأمر يثير غثياني.”
“أبي، إنها الفرصة الوحيدة لرؤية جلالة الإمبراطور.”
“……”
“وإن لم نحضر،فسنواجه عواقب وخيمة. وربما نُحرَم من هذه الفرصة.”
وضع دوق روينتز يده على جبهته التي كانت تنبض بالألم.
“الفرصة؟ ذلك أمرٌ يتوقّف عليكِ.”
تشكّى بنقرة لسان، ولوّح بيده، فاندفعت الخادمات القريبات ليشرعن في إعادة تزيينها.
أما جِينا، فقد أخرجت من بين ما جلبته الفساتينَ التي تصلح للارتداء في المأدبة، وعرضتها أمام ناظري دوق روينتز.
من فساتين وردية فاتحة بألوان باستيلية رقيقة، إلى فساتين حريرية تشعّ ببريقٍ خافت، كلّها كانت مصمّمة على مقاس لارنه تمامًا.
“سيدي الدوق، أيّها تختارون؟”
على الرغم من أن الفستان كان لِلارنه، فإن جِينا وجّهت السؤال إلى دوق روينتز.
نهض دوق روينتز على عجل من مقعده، ومدّ يده إلى فستانٍ أسود ينسجم تمامًا مع شعر لارنه الأسود.
كان فستانًا تزداد أناقته بالدانتيل المضاف إلى الجزء العلوي، وتتلألأ على أطراف تنورته أحجارٌ كريمة مرصوصة بعناية، تشعّ ببريقٍ أخّاذ.
أمسكه بأصابعه وحرّكه يمينًا ويسارًا، ثم قال بنبرةٍ توحي بأن الأمر بديهي.
“بهذا.”
كان السبب بسيطًا؛ إذ كان أقلّ الفساتين المعروضة استخدامًا للقماش.
زيييك—زييك!
وبقرارٍ خاطف، مزّق دوق روينتز بعنفٍ قطعة الدانتيل التي كانت تغطّي الكتفين.
التعليقات لهذا الفصل " 2"