رفعت ليلي صوتها، ثم ما لبثت أن أدركت أنها اندفعت أكثر مما ينبغي، فأنزلت رأسها.
كان كتفاها يعلوان ويهبطان مع أنفاسها الحادّة، ومن الصعب ألّا يلفت ذلك النظر. راود آيدن خاطرٌ عابر بأن يُسند رأسه هناك، وأن يعلو ويهبط مع تلك الأنفاس.
وبعد برهة، أطلقت ليلي زفرةً طويلة. وحين أدارت جسدها لتواجهه من جديد، سارع آيدن إلى كبح ما فاض في عينيه من رغبة.
ورغم أن تنفّسها قد استقرّ، ظلّ التورّد عالقًا على وجنتيها. كان واضحًا أن فكرة إعادة الإمبراطور إلى سابق عهده تملؤها ضيقًا مرًّا وإحباطًا خانقًا.
ومع ذلك، رسمت حدًّا واضحًا بكلماتها.
“هذا الأمر لا يعنيني في شيء. وأنا على يقين بأن سموّك يعرف ما ينبغي عليه فعله.”
“أنتِ محقّة. ولهذا حاولتُ تدبير الأمور بنفسي دون الاعتماد على مساعدتك. أمّنتُ الأشخاص الذين أحتاجهم، ورتّبت أمر نقل الخاتم…”
اتّسعت عينا ليلي.
“لا تقلقي. لقد أحضرته سالمًا.”
“أ–أنا لا أعلم عمّا تتحدّث.”
أنكرت، لكنها مع ذلك راحت تتفحّص آيدن من رأسه إلى قدميه. وارتجفت وجنتها ضيقًا مرة أخرى.
“وخلاصة القول، أحتاج إلى معاونٍ من الداخل للتعامل مع يوليوس. شخصٍ يراقب تحرّكات زعيم الطائفة، ويُعلمني بالوقت المناسب لاستعادة الجسد.”
“تحتاج إلى مساعدتي أنا؟ ما لم تكن تخطّط لتهريبي إلى القصر متنكرةً في هيئة خادمة، فما الذي يمكنني فعله أصلًا؟“
بدت ليلي حائرة بحق.
ولم تكن مخطئة؛ فمن الناحية التقنية، لم تكن مساعدتها ضرورة لا غنى عنها.
لكن لو لم يطلب منها على هذا النحو، لما وافقت أصلًا على لقائه. ولهذا تعمّد آيدن اختيار سبيلٍ يستلزم—ولو بقدرٍ ضئيل—تدخّلها.
وأخفى أفكاره الماكرة خلف قناع من الأدب، وسأل بهدوء.
“لقد وجدتُ الشخص المناسب بالفعل، لكنه متحفّظ وبطيء في الانفتاح. أريدكِ أن تنقلي إليه رسالة يوليوس.”
لمع الفضول في وجه ليلي، وكان واضحًا أنها تتساءل عمّن يكون ذلك الشخص.
لكن الفكرة الأقوى كانت عدم الرغبة في التورّط، فبقيت شفتاها مطبقتين بإحكام.
لم يكن آيدن ينوي كشف كل أوراقه بعد. قليل من الغموض كفيل بالحفاظ على اهتمامها، كما أنه كان بحاجة إلى خيطٍ يشدّ اللقاء القادم.
شبك يديه بهدوء، من غير تكلّف، وبقدرٍ كافٍ من الاهتمام ليبدو صادقًا.
“هو أيضًا يشعر بأن شيئًا ما ليس على ما يرام بشأن الإمبراطور، لكنه لا يثق بي ثقةً كاملة. بل ويشتبه في أنني أعمل بأوامر الإمبراطور نفسه لاكتشاف الخونة.”
كانت ليلي قد غرقت في التفكير، تصغي إليه بكلّيتها.
ولا تزال كما كانت دائمًا؛ ما إن تُلقى إليها مشكلة حتى تلقي بنفسها في خضمّها.
فزاد آيدن ليجذبها عاطفيًا أكثر.
“لا أستطيع أن أطوف متحدّثًا عن الأرواح وسرقة الأجساد. تلك ليست طريقةً مثلى لكسب الثقة. ولهذا أحتاج إلى دليلٍ لا يقبل الشك.”
“دليلٍ لا يقبل الشك…”
“تمامًا. إن قدّمتُ له معلومات لا يعرفها سوى يوليوس، فسيصدّقني. وكما تعلمين، من أجل ذلك… أحتاج إلى مساعدتك.”
لم تُجب ليلي على الفور. وكان ذلك بحدّ ذاته مكسبًا.
فعدم رفضها القاطع يعني أنها، إلى حدٍّ ما، أقرت بما قال.
كان منطقه محكمًا ومدروسًا، وليلي دينتا من أولئك الذين لا يستطيعون الإعراض عمّن هو في ضيقٍ شديد.
وذلك جعل الموقف أكثر مواتاة له.
كان يكاد يرى أفكارها رأي العين؛ ذهنها ممتلئ بصورة نفسها وهي تنقل كلمات يوليوس.
والآن، حان وقت الدفعة الأخيرة… برفق.
“ليلي.”
ارتجفت ليلي عند سماع اسمها.
“أعلم أنني أزعجك. وأعلم أن ظهوري بهذه الطريقة يضعك في موقفٍ صعب. لكن أرجوكِ… ساعديني. مرّةً واحدة أخرى. لا أحد غيرك يستطيع فعل هذا.”
حدّقت فيه ليلي باضطرابٍ عميق، فانقبض قلبه تحت نظرتها.
كان يأمل—بل يتمنى بحق—أن يكون لمظهره الأثر ذاته الذي كان له من قبل، وأن يلين مقاومتها.
وكان يرجو أن تنتصر شفقتها على برودها.
لو ابتلعت هذا الطُّعم فحسب، لكان واثقًا من قدرته على دفع الأمور إلى الخطوة التالية.
***
‘وهكذا تنتهي الأمور، في نهاية المطاف.’
فكّرت ليلي بشيءٍ من الاستسلام.
حين شعرت أول مرة أن الأحداث ستسير كما يريد، خلّف ذلك مرارةً في فمها؛ غير أنها، بعد أن رضخت، شعرت—على نحوٍ غريب—براحةٍ ما.
فهي لم تكن تملك فرصة حقيقية أمام آيدن منذ البداية. لقد جاء بسببٍ لا يُدحض. وحتى لو لم يكن كاملًا…
‘إن كان يرغب في هذا إلى هذا الحد، فكيف لي أن أواصل الرفض؟‘
ألم يكن يفعل كل ذلك عن علمٍ تام؟ رفعت ليلي عينيها إلى آيدن، مهزومة.
آه… تلك العينان. ما أجملهما. وصوته، دافئٌ كنسيم الربيع، ونبرته المهذّبة اللائقة بسيد نبيل—كل شيءٍ فيه أيقظ شوقها.
لم يتغيّر حب آيدن كاشيمير قيد أنملة. وكانت هذه الحقيقة إغراءً خطرًا، حتى إنها كادت تعاتبه على صدقه المفرط.
لو فقط… لو أنه تغيّر قليلًا—قليلًا جدًّا، ولو بمقدار شعرة.
لو جاءها بنيّة استغلالها فحسب، لبكت أيامًا في وسادتها، ثم مضت قدمًا وفتحت فصلًا جديدًا من حياتها.
لكن، ويا للأسف، آيدن ما زال كما هو.
وليلي—هي الأخرى—ما زالت ترغب في أن تفعل له كل شيء.
لأنها لم تتغيّر هي أيضًا. وكان وضعها الساذج هذا، إقامتها في منزل مارك إيديرينس، دليلًا كافيًا.
ومع ذلك، كان هناك أمرٌ واحد لا يمكنها التنازل عنه.
“لديّ شرط واحد.”
أنزلت ليلي نظرها إلى قبضتيها المشدودتين.
“بعد هذا، لا أريد أن أرى سموّك مجددًا. لأي سببٍ كان.”
كان التلفّظ بمثل هذه القسوة صعبًا، مهما بلغت عزيمتها. لكنها لم تُرد أن تترك أدنى ثغرة.
كانت تستطيع تحمّل رؤيته هذه المرّة. أمّا بعدها؟ فلم تكن تثق بنفسها.
لو ظلّ يعود إليها بذلك الصدق الذي لا يتزعزع… إلى متى ستتمكّن من رفضه؟ قلبها المتردّد سيندفع في النهاية إلى خاتمةٍ بائسة. وكان الأفضل أن تضع حدًّا قاطعًا الآن.
ولو رفض، كانت مستعدّة لأن تقول ما هو أشدّ وأصرح، بل كانت مستعدّة لتحمّل شتائمه.
لكن آيدن لم يقل شيئًا. ساد صمتٌ كامل، حتى إنها لم تعد تسمع أنفاسه.
أبقت ليلي عينيها على قبضتيها، تعضّ شفتيها. شعرت وكأنها ستختنق من التوتّر.
ثم—ضحكةٌ خافتة.
وكأنها مسحورة، رفعت رأسها. وعلى غير موضع، كانت على وجه آيدن ابتسامة صغيرة.
“ليلي، هل تعلمين؟“
وكان في صوته مسحةُ تسلية. وتساءلت ليلي إن كان قد فقد صوابه من كثرة الرفض.
“مـ، ماذا تقصد…؟“
“لم أقل شيئًا سوى أنني طلبت مساعدتك. ولا مرة واحدة، منذ اللحظة التي فُتح فيها ذلك الباب ووقفنا وجهًا لوجه. فكّري جيدًا.”
ابتسم، وقلب الموقف حولها، محدّقًا في عينيها مباشرة، كأنما لا يحمل أي نية، وكأن ليلي وحدها من تصنع هذا الإحراج.
احمرّ وجه ليلي.
‘وما الفرق؟ أليس الأمر لا يُحتسب لمجرد أنك لم تنطق به؟ أتزعم أنك لم تأتِ وأنت تضمر شيئًا؟ لا شيء على الإطلاق؟ لقد جرّبت كل الحيل لإغوائي! أتظنّ أنني لا أقرأ نظرةً واحدة في عينيك؟ أيها المتغطرس… الوقح…!’
تكدّست الشتائم في حلقها—لكنها لم تستطع التفوّه بها في وجه دوق.
“على أي حال، شكرًا لموافقتكِ على المساعدة. هذا كل ما جئت من أجله اليوم.”
“لم أنتهِ بعد!”
أسرعت ليلي بالكلام، لكن آيدن كان قد نهض بالفعل.
“أعتذر، لديّ موعدٌ آخر بعد هذا مباشرة، ولا أستطيع البقاء. أمّا بشأن شرطكِ…”
بدا كأنه يحسب التواريخ في ذهنه.
“…لنتحدّث عنه غدًا. سأرسل عربة. يمكننا مراجعة الخطة بتفصيل، ومناقشة مخاوفك. إن جمعنا أفكارنا، فأنا واثق أننا سنصل إلى حل.”
انتقل مباشرة إلى الوداع، من غير أن يترك مجالًا للاعتراض.
“إذن، سأغادر الآن. لا داعي لتوديعي.”
أومأ آيدن إيماءةً عابرة، وغادر الصالون بخطواتٍ خفيفة واثقة، كمن لم يعرج يومًا في حياته. ولم يُسمع لصوت عصا أي أثر في الممر.
حدّقت ليلي شاردةً في الفراغ الذي خلّفه، تحاول استيعاب ما جرى.
كان في غاية الأناقة، لكن الحقيقة—بدت وكأنه فرّ قبل أن يتاح لها الاعتراض مجددًا.
وفي النهاية، وجدت ليلي نفسها متورّطة مرة أخرى في شؤون آيدن… من دون أن تنال جوابًا صريحًا عن قطعية فراقهما.
لقد جرفها اندفاعه تمامًا.
دفنت وجهها بين كفّيها، وتسربت زفرة طويلة من بين أصابعها.
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━━━━━━O━O━━━━━━
– تَـرجّمـة: شاد.
~~~~~~
End of the chapter
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 67"