خلعتُ عن جسدي وهنَه المتراكم، وارتميتُ على السرير القاسي اندفاعًا.
وما إن استلقيتُ، حتّى بدأت وقائع اليوم تنساب في خاطري ببطء.
‘لم أكن أتوقّع أن يتكفّل الدوق بالحضور بنفسه إلى هنا…’
لقد أفضت تصرّفاتي في عدم إهمال كاليـوس إلى عاقبة لم تخطر ببالي.
كنتُ أرجو فقط أن يمرّ كاليـوس بسلام كما في مجرى الرواية الأصليّة، غير أنّ ذلك استدرج اهتمام الدوق بابنه.
‘حسنًا، لعلّ هذا خير.’
فإن استطاع الدوق الحفاظ على صلة طيّبة بابنه، فلن يخطر له البحث عن وريثٍ آخر.
وربّما يتمكّن كاليـوس من بلوغ منصب الدوق دون أن يضطرّ إلى إزاحة والده.
ارتسمت على شفتيّ ابتسامةُ اعتزاز، إذ أحسستُ أنّني حقّقتُ إنجازًا لأوّل مرّة منذ قدومي إلى هنا، بعد أن انحصرت أيّامي في التنظيف والغسل ونسج السلال.
وفي صبيحة اليوم التالي…
لعلّ ما جرى بالأمس كان سببًا في قدوم زائرٍ آخر للاطمئنان على كاليـوس.
كانت مديرة الخدم، ميليسا.
وبعد أن تفحّصت الممرّات والحمّام، دخلت غرفة كاليـوس.
وقالت بنبرةٍ تجمع بين الحزم والاحترام:
“سيدي.”
“لقد شغلتني شؤون القصر فلم أتابع حالتك كما ينبغي، كما أنّ سلوك الخادمتين السابقتين تجاهك كان تعدّيًا. وهذا تقصيرٌ من جانبي.”
بلغ سمعي احتكاك ثوبها وهي تنحني بصدقٍ لتعتذر.
ثم تابعت:
“وأعتذر أيضًا عن تأخّر تعويض اليد العاملة. سأوفد خادماتٍ جددًا فورًا لتجنّب أي إزعاج لك.”
قال كاليـوس:
“…لا بأس، لا داعي للاستعجال. اختاري من تكنّ مجتهدات.”
‘يا للعجب! أمّا أنا فأخالفك الرأي، أريدهن أن يأتين في الحال!’
لم أجرؤ على التدخّل في حديثهما، فاكتفيتُ بالاحتجاج في سرّي.
سكتت ميليسا برهة، ثم أكّدت وعدها باختيار خادماتٍ نشيطات قبل أن تنصرف بهدوء.
وحين ابتعدت، قلتُ بحماسة:
“يبدو أنّ مديرة الخدم تهتمّ بك كثيرًا، أليس كذلك؟”
لكنّه أطلق زفرةً مشوبة بالسخرية:
“هذا مستبعد، لم تأتِ لزيارتي مرّة واحدة حين كنتُ محتجزًا هنا.”
وعلى الرغم من اعتذارها، ظلّ يحافظ على مسافةٍ واضحة بينها وبينه.
قلتُ:
“ربّما تحتاج إلى بعض الوقت، فهي في النهاية موظّفة من القصر مثل الوصيّ أو المستشار.”
‘ربّما.’
فمديرة الخدم ليست ممّن تحرّكهم العاطفة، وكان تصرّفها منطقيًّا حتّى من منظور كاليـوس.
وبعد تلك العزلة الطويلة، بدا أنّه فقد ثقته وتوقّعاته من الناس جميعًا.
لم أجد ما أجيبه به، فاستقرّ في صدري شيءٌ من الحزن.
—
وفي ساعةٍ متأخّرة من الليل، كان مكتب الدوق لايفانيون مضاءً كأنّه في وضح النهار.
غير أنّ ملامحه وهو جالس خلف المكتب كانت غارقة في الظلّ.
رنّ الجرس على الطاولة، فدخل مستشاره جيروم.
قال:
“هل استدعيتني، سيدي الدوق؟”
أجاب الدوق:
“اتّخذ الإجراءات اللازمة للحصول على أحجارٍ سحريّة معطوبة للقصر في أسرع وقت.”
“حسنًا، سأباشر فورًا.”
وكان جيروم قد اطّلع على الملفّات مسبقًا، فتهيّأ للانصراف.
غير أنّ الدوق استوقفه مرّةً أخرى:
“أرسل رسالةً عاجلة إلى ماركوس ومايكل، واطلب حضورهما إلى القصر بأقصى سرعة.”
“إلى السيّدين كليهما؟”
تساءل جيروم بدهشة، فهما من السلالة الفرعيّة، ولا دور لهما في ترتيب الخلافة.
ومع ذلك، استدعاؤهما الآن إلى القصر…
قال جيروم بتحفّظ:
“لكن، سيدي، ألم تأمر بتأمين الأحجار لكاليـوس وحده؟”
أجاب الدوق وهو يرفع حاجبيه:
“بلى، كاليـوس هو ابني الوحيد، وسأبذل كلّ ما بوسعي حتّى نعثر على علاج.”
ثم أردف:
“غير أنّه إلى جانب ذلك، يجب أن أضمن ترتيب الخلافة على نحوٍ واضحٍ ومستقرّ.”
ووجّه بصره إلى الخارج بملامح جادّة.
“لا يمكن الجزم بنجاح العلاج، ومن الحكمة أخذ الاحتياط. لا ينبغي أن يُقال إنّ القصر بلا وريثٍ لائق.”
‘احتياط…’
فكّر جيروم لحظة، ثم آثر كتم سائر الخواطر غير اللازمة، وجثا امتثالًا للأمر:
“نعم، سأفعل.”
ثم غادر المكتب.
—
وفي صباح اليوم التالي، فتحتُ فمي في تثاؤبٍ عريض، فلاحظتني تيلدا ساخرة:
“واو، ما أوسع فمك!”
وكان الخدم جميعًا قد تجمّعوا في القاعة الكبرى كعادتهم الأسبوعيّة لتلقّي التعليمات.
فقالت ميليسا بكلمةٍ واحدة:
“اصمتوا.”
فسكن الجميع في الحال، ووجّهوا انتباههم إليها.
تأكّدت ميليسا من اكتمال حضور الخادمات، ثم قالت مباشرة:
“تعلمون أنّ ماري ودوروثي أُرسلتا إلى غرفة الغسيل عقابًا على إساءتهما التصرّف مع السيّد، أليس كذلك؟”
وكان الجميع على علمٍ بذلك، ويخشون أن يلقوا المصير نفسه.
ثم أعلنت الخبر الذي لم يكن في الحسبان:
“لسدّ هذا النقص، ستصبح ليزي سوان، ابتداءً من اليوم، الخادمة الشخصيّة للسيّد.”
ارتسمت الدهشة على وجهي دون أن أتمكّن من إخفائها.
وساد القاعة همسٌ مضطرب لبرهة، إذ تبادلت الخادمات النظرات بقلق.
‘بطبيعة الحال، لم يمضِ على دخولي القصر سوى شهرين تقريبًا، فضلًا عن أنّني كفيفة.’
كان المتوقّع تعيين خادمةٍ أقدم خبرة، لكنّ الاختيار وقع عليّ.
وقالت تيلدا وهي تقف إلى جواري:
“ليزي، هذا رائع فعلًا!”
التعليقات لهذا الفصل " 18"