“إنّها الخادمة الكفيفة.”
بلغ سمعي صوتٌ يعرّف بشخصي أمام أحدهم.
وعلى الرغم من أنّني لم أعتد سماع صوته كثيرًا، فإنّني ميّزت صاحبه في الحال.
كان بينجامين، الوصيّ على قصر الدوق.
لكن… ما الذي أتى به إلى هنا على حين غرّة؟
سألته:
“أيّها الوصي، ما الذي جاء بك إلى هذا المكان؟”
قال:
“هل السيّد في الغرفة؟”
“نعم.”
وما إن أجبتُ، حتّى تقدّم صوتٌ آخر نحوي على مهل.
كان وقع الحذاء يوحي بالرصانة والوقار، بخطى هادئة يكتنفها سلطانٌ خفيّ.
وفي لحظة، تنحّيتُ جانبًا بغريزةٍ تلقائيّة، إذ شعرتُ أنّ اعتراض طريقه ضربٌ من قلّة اللياقة.
توقّف قبالتي وسأل:
“ما الذي يفعله كاليـوس الآن؟”
كان صوته غليظًا منخفضًا، كأنّه يهبط بثقله على الأرض.
يشبه كاليـوس إلى حدٍّ ما، غير أنّه يفيض رهبةً وسلطةً أشدّ…
فاستبدّ بي الخوف، فتراجعتُ خطوتين وانحنيتُ في عجلة.
إنّه الدوق.
قلتُ:
“السيّد… يستريح في الغرفة حاليًا.”
قال:
“قادِها إلى الداخل.”
صدر الأمر من الدوق ليـفانيون بنبرةٍ حازمة، فشعرتُ كأنّ قلبي هوى إلى قاع معدتي.
‘غريب.’
في مجرى الرواية الأصليّة، لم يكن الدوق يدخل الغرفة قبل ابنه، بل كان ينتظر حتّى يخرج كاليـوس بنفسه…
فما الذي جاء به على نحوٍ مفاجئ؟
قلتُ بصوتٍ حاولتُ إخفاء ارتجافه:
“سأقودك إلى غرفة السيّد.”
على الرغم من أنّهما أبٌ وابنه، إلّا أنّ الهالة المحيطة بكلٍّ منهما كانت مختلفة تمامًا.
فكاليـوس، رغم حدّة طباعه أحيانًا، كان يتصرّف في بعض اللحظات بإنسانيّةٍ دافئة.
أمّا الدوق، فكان صوته وحده كافيًا ليشي بالبرود والصرامة.
شعرتُ أنّ أيّ زلّة قد تكلّفني غضبه.
حين بلغنا باب غرفة كاليـوس، قلتُ للدوق:
“من هنا عليك أن تُدفع من الخلف، لكن إن أمسكت بذراعي فسأقودك…”
وقبل أن أتمّ كلامي، أحسستُ بقبضته تطبق على ذراعي بإحكام.
أمسكني الدوق دون تردّد.
وقال ببرود:
“تقدّمي.”
شعرتُ كأنّني تحوّلت إلى عصًا بشريّة يتّكئ عليها.
وسمعتُ صوت بينجامين وهو يدفعه من الخلف، ففتحتُ الباب وأدخلتُ الدوق إلى الغرفة.
ثم ناديتُ كاليـوس بصوتٍ هادئ:
“سيدي.”
فبلغني حفيف حركته عند الطاولة.
وأعلمته بحضور الدوق:
“لقد حضر السيّد.”
فسقطت سلّة على الأرض، ونهض كاليـوس عن كرسيّه فجأة.
“أبي؟”
كان صوته مزيجًا من الدهشة والاضطراب.
قال الدوق بصوتٍ منخفضٍ يتردّد في سكون الغرفة:
“كاليـوس.”
“لقد طال الغياب.”
تبادلا تحيّةً فاترة، فخيّم بينهما صمتٌ ثقيل.
حقًّا، كيف لأبٍ وابنه أن يبلغا هذا القدر من الجفاء؟
في الرواية الأصليّة، لم تكن علاقتهما لتتحسّن أبدًا، بل إنّ كاليـوس اضطرّ في النهاية إلى انتزاع منصب والده منه.
لكن هذه اللحظة، قياسًا إلى ذلك المستقبل الكارثي، ليست سوى ومضة عابرة.
قلتُ في سرّي: ‘إن بقيتُ هنا أكثر، سأختنق.’
“سأنتظر في الخارج.”
ومع أنّ الدوق لا يرى شيئًا، انحنيتُ له باحترام ثم خرجتُ من الغرفة.
تنفّستُ بعمق، فشعرتُ بقليلٍ من الارتياح.
وأخذتُ أتساءل عمّا سيدور بينهما من حديث، ولا سيّما سبب قدوم الدوق المفاجئ.
اقتربتُ من الحائط لأُصغي، مع علمي أنّ ذلك عديم الجدوى.
غير أنّ حديثهما كان واضحًا للغاية، كأنّني ما زلتُ داخل الغرفة.
“لقد وصلني خطاب الأكاديميّة.”
آه.
يبدو أنّ الرسالة التي كنتُ أترقّبها وصلت إلى الدوق مباشرة، قبل براندن.
“يتعلّق بالموافقة على تقريرك.”
سمعتُ أنفاس كاليـوس تختلط فيها الدهشة بالارتياح خلف الجدار.
“وكتبوا أنّ التقرير يمكن أن يحلّ محلّ الحضور، ولن تكون هناك مشكلة في التخرّج.”
“…”
“كيف أُرسِل التقرير؟ الأكاديميّة تملك سحرًا يكشف التزوير والتقليد، ولذلك لا بدّ أنّ أيّ تقرير كتبه غيرك كان سيُرفَض.”
سأل الدوق بفضولٍ ظاهر.
وحين همّ كاليـوس بالردّ، قاطعه الدوق قائلًا:
“الطريقة لا تهمّ. الأهمّ أنّك أظهرت إرادتك في تحمّل واجباتك كخليفة.”
ثم ابتسم الدوق ابتسامةً عابرة.
“إن تخلّيت عن ضعفك ووقفت على قدميك، فسأتغاضى عن أيّ وسيلة غير قانونيّة.”
“لا يا أبي، لم ألجأ إلى أيّ طريقة غير مشروعة.”
أجاب كاليـوس بسرعة، نافضًا افتراض والده.
“جميع التقارير المرسلة إلى الأكاديميّة كتبتُها بيدي.”
“…بيدك؟”
امتلأ صوت الدوق بالدهشة.
“لقد وجدتُ طريقةً تمكّن ليزي، خادمتي، من كتابة التقرير.”
ارتجفتُ عند سماع اسمي، فابتعدتُ عن الحائط على الفور.
حاولتُ تهدئة خفقان قلبي، ثم أعدتُ أذني إلى الجدار.
“همهم.”
وسمعتُ سعال بينجامين وهو يقترب.
“بِمَ تتلصّصين الآن؟”
ضحكتُ في حرج، واضطررتُ إلى الابتعاد.
—
“أفهم.”
تمتم الدوق بصوتٍ خافت بعد أن استمع إلى كلّ تفاصيل كاليـوس.
“إن كان الأمر كذلك، فلن تضطرّ بعد اليوم للعيش في هذه الغرفة المعتمة. سأتواصل مع المستشار للحصول على أحجارٍ سحريّة معطوبة في أسرع وقت.”
ابتسم الدوق بثقة، كأنّ حلّ المشكلة أمرٌ يسير.
“وماذا عن ليزي؟”
“وما شأنها؟”
رفع حاجبيه دهشةً من سؤال الابن بدل توجيه الشكر.
“لولا تلك الخادمة، لما تمكّنتُ من التخرّج من الأكاديميّة.”
“حسنًا، سنكافئها ثم نعيدها إلى منزلها. بعد الحصول على الأحجار السحريّة، لن تعود بحاجة إلى خادمةٍ عمياء.”
“لا، أرجوك أبقِ ليزي هنا، فما زلتُ أحتاج إليها.”
قال كاليـوس بحزم.
“يمكننا إنارة الغرفة بالأحجار، لكنّ مرضي لم يشفَ تمامًا بعد. أريدها إلى جانبي دائمًا، بوصفها خادمتي الشخصيّة.”
ارتعش حاجبا الدوق قليلًا، ثم أومأ موافقًا.
“حسنًا، يبدو أنّها ذكيّة على الرغم من عاهتها، وربّما يكون لها نفعٌ آخر، سأسمح بذلك.”
وبما أنّ الغرفة مظلمة، لم يرَ الدوق شدّة انطباق شفتي ابنه.
ساد الصمت مرّةً أخرى، ثم قال الدوق بصوتٍ خفيض:
“لم أكن لأتخلّى عنك بعد، كاليـوس.”
“…”
“ما زلتُ أبحث عن علاج، فاصبر قليلًا. سيأتي يوم أُخرجك فيه من هذه الغرفة المظلمة.”
‘سيأتي يوم.’
كان وعدًا معلّقًا بلا موعد.
لو كان في الماضي، لابتهجتُ وتمسّكتُ ببصيص أمل، أمّا الآن فلم يعد كذلك.
كان كاليـوس يعرف والده حقّ المعرفة.
لم يكن في الأمر مجالٌ للإحباط.
ركّز على الصوت خلف الجدار، وقال في نفسه: ‘ما دامت هي هنا إلى جانبي.’
كان وجودها إلى جواره أبعث في نفسه طمأنينةً من كلمات والده عن البحث عن علاج.
“نعم، يا أبي.”
التعليقات لهذا الفصل " 17"