حينما كنتُ أتنفّس الصعداء في قرارة نفسي، بادرني براندن بحزمةٍ من الأوراق، وأودعها كفّي برفق.
قال:
“ويبدو أنّ خالتكِ بعثت بهذا مع الرسالة.”
قلتُ:
“وما هذا؟”
مزّقتُ الغلاف الذي كان يطوّق الشيءَ المجهول، فإذا بملمسٍ ليّنٍ ينساب على راحتي، وينحدر بخفّة بين أصابعي.
قلتُ في دهشة:
“أهو ثوب؟”
التقط براندن الرداء الذي انزلق، وقدّمه إليّ قائلًا:
“هكذا ورد في الرسالة:
‘ملاحظة. أصلحتُ فستانًا كانت أمّكِ ترتديه في صباها وأرسلته إليكِ. لا بُدَّ أنّ قامتكِ اليوم تشبه قامة إليانا، لذا فسيكون الطول مناسبًا تمامًا’.”
وبعد أن فرغ من القراءة، راح يقلّب الثوب بنظراتٍ فاحصة، ثم قال:
“إذًا فالأمر واضح. إنّه فستانٌ أخضر بديع الجمال، وسيُبرز لون عينيكِ أيضًا، يا آنسة ليزي!”
وسط كلمات الثناء التي أغدقها براندن، ظللتُ جامدةً في مكاني، أقبض على الفستان دون حراك.
‘أحقًّا يجوز لي… أن أرتدي هذا؟’
دار هذا الخاطر في ذهني، وأنا أمسّ ذقني مسًّا خفيفًا.
كان للفستان الذي احتفظت به خالة ليزي أعوامًا طويلة عبيرٌ لطيف، يفوح بنعومةٍ عجيبة.
حتى خُيّل إليّ أنّ أثر إليانا سوان، أمّ ليزي التي لم ألتقِ بها قطّ، لا يزال عالقًا به، فاستولى عليّ شعورٌ غريب.
‘لو لم يقع ذلك الحادث، لما ماتت، ولما فقدت ليزي سوان بصرها…’
ولما انتهى بي المطاف في جسدها كذلك.
تسرّب مذاقٌ مُرّ إلى فمي لبرهةٍ قصيرة.
لم ألتقِ بأمّ ليزي يومًا، لكنّي سمعتُ عنها كثيرًا من خلال خالتها.
‘يبدو أنّها عاشت عمرًا مليئًا بالمنعطفات القاسية…’
كانت إليانا سوان فتاةً ساذجة لم تغادر حدود القرية حتّى بلغت سنّ الرشد.
ثم في أحد الأيّام، أقدمت فجأة على الهرب، فقلَبت القرية رأسًا على عقب.
حين حاول والداها تزويجها قسرًا من أعزبٍ ثريّ من أهل القرية، اختفت ذات ليلةٍ بلا أثر.
وبسبب ذلك، سرت آنذاك في القرية شائعاتٌ لا سند لها.
“هل سمعتِ عن ابنة آل سوان الثانية؟
يقولون إنّها هربت ليلًا إلى العاصمة بعدما نبذت والديها!”
“بل سمعتُ أنّها فرت مع شابٍّ أشقر في هروبٍ ليليّ!”
“مستحيل! ذاك الرجل أكّد أنّه رأى إليانا تلقي بنفسها في نهر القرية!”
ومهما تكن الحقيقة، فقد بدا أمرٌ واحد مؤكّدًا.
أنّ إليانا سوان غادرت القرية فعلًا.
وربّما لن تطأها قدماها مرّةً أخرى.
لكن بعد ثلاث سنوات…
عادت القرية التي خمدت ضجّتها لتغلي من جديد.
إذ ظهرت إليانا فجأة في أحد الأيّام، بعد أن أيقن الجميع أنّها لن تعود.
وكانت حاملًا بطفلٍ مجهول الأب.
تلقّى والداها صدمةً عنيفة، وأخذا يستجوبانها ليلًا ونهارًا ليعرفا مَن الرجل الذي حملت منه.
لكن، وِفق ما روت الخالة، فإنّ إليانا لم تفصح قطّ عن هويّة والد ليزي الحقيقيّ، حتّى بعد أن قضى والداها نحبَهما من الكِبَر.
وبعد ولادة ليزي، ربّت ابنتها وحدها، معتمدةً على نفسها لا غير.
حاولت الخالة إقناعها بالبحث عن الأب الحقيقيّ، غير أنّ إليانا لم تُعر الأمر اهتمامًا.
وهكذا، في العام الذي بلغت فيه ليزي السابعة عشرة، وقع حادث العربة المأساويّ…
‘حقًّا، يا لها من خاتمةٍ موجعة. أن تنزلق العربة من أعلى الجرف بسبب أمطارٍ غزيرةٍ هطلت بغتة.’
خطر لي ذلك وأنا أتحسّس فستان إليانا برفق.
امرأةٌ حملت على كتفيها شتّى الوصمات، وحمت ابنتها وحدها حتّى أسلمت الروح.
ومع ذلك، حتّى بعد موتها، لم يظهر الأب الحقيقيّ قطّ.
‘كيف لإنسانٍ أن يبلغ هذا الحدّ من اللامبالاة؟’
انعقد حاجباي من غير شعور.
قال براندن بحذر وهو يتأمّل وجهي المتجهّم:
“آنسَة ليزي، أأنتِ بخير؟ لقد تبدّل تعبيركِ فجأة…”
أجبتُ مسرعةً وأنا أزيل ذلك الأثر عن وجهي:
“آه، لا، لا شيء! على أيّ حال، شكرًا لك يا سيّد براندن لأنّك تكبّدت عناء إحضار الطرد بنفسك.”
قال بنبرةٍ خفيفة:
“لا داعي للشكر.”
ثم أردف:
“في المرّة القادمة، سأعود ومعي ردّ الأكاديميّة يقينًا، فاطمئنّي واستريحي قليلًا.”
قلتُ مبتسمةً في حرج:
“أكان قلقي ظاهرًا إلى هذا الحدّ؟”
قال ضاحكًا:
“بلا شكّ. أنتِ أشدّ توتّرًا من سيّدنا الشاب نفسه، أتعلمين؟”
فلم أجد سوى أن أبتسم ابتسامةً خجلى.
—
قلتُ:
“ألا ينتابك القلق يا سيّد الشاب؟”
قال:
“القلق ممّا؟”
قلتُ:
“أعني، إن لم يُقبَل تقريرك… آه، لا، لا ينبغي أن أتفوّه بكلامٍ مشؤوم.”
قال كاليوس مستنكرًا:
“تقولين هذا بعد أن نطقتِ به بالفعل؟”
ثم تابع:
“ولِمَ أنتِ أكثر توتّرًا منّي أصلًا؟”
سألني ذلك وأنا أنقر الطاولة بأصابعي في اضطراب.
كان محقًّا.
ها هو صاحب الشأن ينتظر بهدوء، فلماذا أرتجف أنا وحدي هكذا؟
مرّ أسبوعان ونحن نترقّب ردّ الأكاديميّة.
قال براندن إنّ الأفضل هو الانتظار بهدوء، غير أنّ القلق لم يفارقني.
وعلى خلافِي، ظلّ كاليوس ينتظر النتيجة في سكونٍ دون أن ينبس بكلمة.
لكن حين أمعنتُ التفكير، بدا الأمر غريبًا بعض الشيء.
كيف له أن يكون بهذه الطمأنينة؟
أهو واثقٌ من قدراته إلى هذا الحدّ؟
أهذا هو اتّكال البطل على نفسه؟
وبينما كنتُ أتذمّر في داخلي، كان كاليوس منذ حينٍ ينسج سلال القصب في هدوء.
وكان ذلك من الأشغال التي علّمتُه إيّاها كي لا يظلّ حبيس الجلوس في الغرفة المظلمة بلا حركة.
قلتُ:
“أيعجبك هذا؟”
قال بنبرةٍ فاترة لا تنسجم مع كلماته:
“نعم، مسلٍّ إلى حدٍّ ما.”
وبدا أنّ يديه تتحرّكان على نحوٍ آليّ بعض الشيء.
قلتُ:
“هذا يبعث على الاطمئنان. في الحقيقة، هذا النمط الغريب من ابتكار خالتي.”
ثم تابعتُ وأنا أستعيد صورة خالة ليزي التي علّمتني النسج:
“كانت أمهر من يصنع سلال القصب في قريتنا، وكانت تعينني أيضًا عندما أبيعها في السوق.”
سألني كاليوس بفضولٍ ظاهر:
“كنتِ تبيعينها؟ وكم كان ثمن الواحدة؟”
قلتُ:
“خمس نِقْيّاتٍ نحاسيّة.”
قال وقد تجمّد في مكانه دهشةً:
“خمس نِقْيّات؟
مع أنّ صنعها يستغرق كلّ هذا الوقت؟”
قلتُ ضاحكة:
“آه، ذاك لأنّ يدَي سيّدنا الشاب بطيئتان فحسب.
نساء قريتنا كنّ ينسجن خمسًا أو ستّ سلال في اليوم بسهولة!”
وأثناء حديثي، مددتُ يدي فوق الطاولة أتحسّس السلال التي صنعها كاليوس.
لكن… ما هذا العدد؟
كانت عدّة سلال من القصب مكدّسةً بعضها فوق بعض.
‘فكم واحدةً صنع إذًا؟’
وفي اللحظة التالية، اتّضح لي الأمر.
إنّ كاليوس، على الرغم من تظاهره بالسكينة، كان ينتظر النتيجة بقلقٍ لا يقلّ عن قلقي.
آه، إذًا لم يكن سوى يتصنّع عدم الاكتراث.
حقًّا، عناده عجيب في كتمان ألمه وقلقه دون أن يشي بشيء.
وبينما كنتُ أحرّك رأسي يمنةً ويسرة وأهمّ بترتيب السلال،
توقّفتُ فجأة حين بلغ سمعي وقعُ خطواتٍ في الممرّ.
كانت تقترب شيئًا فشيئًا من هذه الجهة.
‘أترى سيّد براندن قد وصل أخيرًا؟’
لا أحد سواه يأتي إلى هنا بنفسه.
لا بُدَّ أنّه جاء يحمل رسالة الأكاديميّة.
قال كاليوس، الذي لم يسمع شيئًا، باستغراب:
“ما بكِ؟”
قلتُ مسرعة:
“انتظر لحظةً من فضلك!”
ينبغي أن أستقبله قبل أن يخطئ الطريق مرّةً أخرى ويعود أدراجه!
ومن دون أن أجد وقتًا للشرح، أسرعتُ إلى الممرّ مستندةً إلى عصاي.
لكن ما إن خرجتُ من الغرفة حتّى تجمّدتُ في مكاني.
إذ لم يكن وقع الخطوات لشخصٍ واحد.
بل لثلاثة أو أربعة على الأقلّ.
كانت جماعةٌ من الناس تتّجه نحو غرفة كاليوس.
مَن يكونون؟
لم يسبق أن جاء هذا العدد إلى مقرّ إقامة كاليوس من قبل، فلم أستطع تخمين هويّتهم.
تقدّمتُ بضع خطواتٍ في تردّد، ثم سألتُ أولئك الذين لم أستطع تمييزهم:
“مَن هناك؟”
وفي تلك اللحظة، أحسستُ بأحدهم يتقدّم من بين الجمع.
ثم شعرتُ بدفءٍ يقترب من وجهي.
ويبدو أنّه رفع مصباحًا ليتبيّن ملامحي عن قرب.
التعليقات لهذا الفصل " 16"