حين عدتُ إلى الغرفة وأنا أحمل الكيس الّذي أخذتُه مِن تيلدا، سألني كاليوس وهو لا يُخفي انزعاجَه.
“كان عليَّ أنْ أُحضِر شيئًا.”
أجبتُ وأنا أُحرّك الكيس فيصدر صوتُ ارتطامٍ خفيف.
“شيئًا ماذا؟”
“كنتُ أنوي أنْ أُريَه لك الآن، لكن…….”
توقّفتُ عن الكلام.
ماذا لو كان ظنّي خاطئًا؟
عندها قد يضطرّ كاليوس إلى تحمُّل ألمٍ مُريع.
“……ربّما سيتألّم سيّدي.”
“ما الّذي جئتِ به أصلًا؟”
وضعتُ الكيس الّذي في يدي برفقٍ على الطاولة.
فاصطدمت الحجارة داخله مُحدِثةً صوتَ طَقْطَقَة.
“إنّها أحجارُ المانا.”
شرحتُ له.
“وبالتحديد، هي قطعٌ معيبة يتسرّب منها المانا.
بعدما سمعتُ كلامك سابقًا، خطرت لي فكرة. أليست المانا هي القوّة الّتي تُمكِّن مِن استخدام السحر؟ صحيح أنّها تُصدِر ضوءًا، لكنّ مصدرها مختلف تمامًا عن ضوء الشمس أو الشموع.”
كان كاليوس يُصغي إلى كلامي بجدّيّة.
وبفضل ذلك، واصلتُ الشرح بثقةٍ أكبر.
“لذلك ربّما…… ضوءُ حجر المانا لا يُؤثِّر فيك بأيّ شيء.”
وبمجرّد أنْ قلتُ ذلك، بدا أنّ كاليوس فهم قصدي فورًا.
“أفهم تقريبًا ما تعنينه. أخرِجي واحدًا.”
“آه…… حقًّا؟”
حين رأيتُ موقفَه الجريء، أنا الّتي بدأتُ أتردّد.
في كلّ مرّةٍ كنتُ أزيح فيها الستائر، كان صدى صراخه ألماً يعود إلى أُذنيّ.
“هَيّا.”
حثّني كاليوس على الإسراع.
وبعد تردُّدٍ قصير، مددتُ يدي داخل الكيس.
كاليوس، الّذي كان يتظاهر بالهدوء، استنشق فجأةً نفسًا حادًّا، ثمّ ما لبث أنْ نظّم أنفاسه.
“إذًا سأُخرِجه الآن، يا سيّدي.”
شعرتُ أنّ التباطؤ سيزيده قلقًا.
ففتحتُ الكيس دفعةً واحدة وأخرجتُ أحد أحجار المانا.
والصوت الّذي سيأتي بعد ذلك سيكون أحد أمرين.
إمّا صرخة ألمٍ لا تُحتَمَل، أو…….
ساد الصمت.
ثانية واحدة.
ثانيتان.
ثلاث ثوانٍ…….
ومضت لحظات قصيرة متتالية.
“أُه…….”
في تلك اللحظة، أطلق كاليوس أنينًا خافتًا.
وفي الوقت نفسه، هوى قلبي إلى قدميّ.
“يا سيّدي! هل أنتَ بخير؟ أنا آسفة، سأسحبه فورًا!”
مددتُ يدي نحو حجر المانا على الطاولة ووجهي شاحب.
“……انتظري لحظة!”
لكنّ كاليوس أوقفني.
“أنا بخير…… ليس لأنّه يؤلمني، بل لأنّ الضوء ساطع جدًّا…….”
آه.
عندها فقط أدركتُ أنّ كاليوس لا يتلوّى ألمًا، بل إنّ عينيه تؤلمانهما شدّةُ الضوء بعد غيابٍ طويل.
“……أرى.”
قال بعد لحظة بصوتٍ مرتجف.
“أرى فعلًا…….”
ترى؟
إذًا نجح الأمر؟
تمتم كاليوس وكأنّه يحلم.
“كلّ شيء واضح. الطاولة، الغرفة، وأنتِ أيضًا…….”
ثمّ توقّف عن الكلام.
تبع ذلك صوتُ احتكاك الكرسي وهو يُسحَب.
نهض كاليوس من مكانه، واقترب منّي بينما تُحدِث ثيابه صوتَ احتكاكٍ خفيف.
لا، انتظري لحظة…….
أليس هذا وضعًا غير عادلٍ تمامًا؟
حتّى الآن، لم يكن أيٌّ منّا قادرًا على رؤية الآخر.
كنّا متساويين في ذلك، بغضّ النظر عن المكانة.
لكن الآن، هو يستطيع أنْ يراني.
“يا سيّدي؟”
ناديتُه، لكن لم يأتِني جواب.
ما الّذي يحدث؟
هل يُحدِّق الآن في وجهي القبيح؟
“لماذا لا تقول شيئًـ…….”
توقّفتُ أنا أيضًا عن الكلام، بسبب إصبعٍ لمس طرف ذقني برفق.
رفع الإصبع وجهي قليلًا، ثمّ تحوّل إلى كفٍّ عريضة احتضنت خدّي.
“أمم، يا سيّدي؟”
لماذا تفعل هذا؟
هل لأنّ رؤية وجه إنسان بعد زمنٍ طويل أمرٌ غريب؟
“هاها…… يا سيّدي، قُل لي بصدق الآن.
وجهي ليس قبيحًا إلى هذه الدرجة، أليس كذلك؟”
رمَيتُ نكتةً بلا وعي لكسر الجوّ المتوتّر.
فأجابني كاليوس بهدوء.
“……نعم، سأسحب كلامي عن كونكِ قبيحة.”
هاه؟
لماذا اعترف بسهولة هكذا؟
هل جمالي إلى هذا الحدّ؟
وفي تلك اللحظة، خطر ببالي فجأةً وجه ليزي سوان.
هيه.
“……انتظري. ما هذا التعبير؟”
“ماذا؟ أيُّ تعبير؟”
“كان وجهكِ قبل قليل يحمل نظرةَ اعتدادٍ مزعجة.”
“لأنّك ظللتَ تحدّق في وجهي بلا كلام.”
عندها أفلت كاليوس وجهي فجأة، وقال بصوتٍ متضايق.
“مَن قال إنّي كنتُ أحدّق؟ ثمّ أنا لم أقل إنّكِ جميلة.”
“حسنًا، فهمتُ.”
“قلتُ فقط إنّكِ لستِ قبيحة.”
“نعم، فهمتُ.”
يا لك مِن صبيٍّ في الخامسة عشرة لا يُحسِن الصراحة.
لكن الآن ليس وقتُ المزاح مع كاليوس.
ففي هذه اللحظة أيضًا، كان المانا ما يزال يتسرّب من أحجار المانا.
تيلدا تعبت لتحصل عليها، ولا يمكن أنْ نُضيّعها سُدى!
أخرجتُ الأحجار الأربعة المتبقّية من الكيس، ووضعتها على الطاولة، ثمّ سألتُه.
“يا سيّدي، كيف سطوعُ الضوء؟”
“ليس سيّئًا.”
“هل هو كافٍ لكتابة التقرير؟”
“نعم.”
“المشكلة أنّنا لا نعرف بالضبط إلى متى سيستمرّ الضوء.”
بينما كنتُ أقلق مِن أنْ لا يكفينا الوقت، أجابني كاليوس بنبرةٍ هادئة.
“إذًا لنبدأ فورًا.”
ذهب إلى مكانٍ ما للحظة، ثمّ عاد ووضع شيئًا على الطاولة.
التعليقات لهذا الفصل " 14"