كان كاليُوسُ يُصغي إلى كلامي صامتًا.
ثمّ سأل فجأةً بصوتٍ خافِتٍ غارقٍ في الانكسار:
“أنتِ ترَينَه الآن أمامكِ، أليس كذلكِ؟
إنسانًا نالَ عقابًا بأنْ يعيشَ حبيسَ الظلام.”
انتشرت كلماته في الممرّ البارد،
فزادته برودةً قبل أنْ تتبدّد في الهواء.
فوجئتُ بقوله،
فانحبس لساني،
ولم أعرف بماذا أجيبه،
فاكتفيتُ بتحريك شفتيّ بلا صوت.
“ما الّذي تعنيه بـ…….”
“أنْ لا يخرج خطوةً واحدةً إلى الخارج أمرٌ طبيعيّ،
وأنْ يرتجف ألمًا عند مجرّد خيطٍ من الضوء،
أنتِ رأيتِ ذلك بنفسكِ.”
أطلق ضحكةً ساخرةً قصيرة.
“برأيكِ، لماذا أكون هكذا؟”
آه……
هل يُعقَل أنّه سيعترف الآن بمرضه؟
مع أنّني كنتُ أعلم أنّه لا يستطيع رؤية وجهي،
إلّا أنّني حاولتُ جاهدَةً ضبط تعابيري.
لأنّه لا ينبغي أنْ يكتشف أنّني أعرفُ سلفًا بشأن داءِ رُهابِ الضوء من خلال الرواية الأصليّة.
“أم…… لا أدري……
ربّما تحسّسٌ شديدٌ من ضوء الشمس؟”
“……قولي الصدق.
مهما كان الجسد حسّاسًا،
لا يوجد إنسانٌ يختبئ في الظلام إلى هذا الحدّ.
مجرّد سحب الستائر يُصيبني بنوبة،
وإشعال شمعةٍ واحدةٍ في الغرفة يُفقدني صوابي.
وأنتِ ترَينَني على هذه الحال،
أما خطر ببالكِ مرّةً واحدةً أنّني ملعونٌ من الإله؟”
“لم يخطر ببالي ذلك أبدًا.”
“كذابة.”
قالها كاليُوس،
ثمّ تراجع خطوةً مبتعدًا عنّي قليلًا.
لم أكن أراه،
لكنّني كنتُ أسمع في صوته ارتجاف جسده وقلبه معًا.
“الآن، حتّى أنا لم أعد أستطيع التفكير إلّا هكذا.”
تنفّس بعمقٍ طويل.
“……أنا متروكٌ من عائلتي.
وسأعيشُ حبيسَ هذا الظلام إلى الأبد،
ثمّ أموت هكذا.”
كيف لا تخطر له مثل هذه الأفكار؟
بعد أنْ أُصيب بداءِ رُهابِ الضوء،
لا بدّ أنّه عاش يرتجف خوفًا من أنْ لا يشفى مرضُه أبدًا طوال حياته.
وربّما كان الخوف أشدّ،
لأنّه لا يعرف حتّى سبب إصابته.
وفي هذا العالم،
كلُّ ما يتعلّق بالظلام يُعَدّ نذيرَ شؤمٍ ويُقابَل بالاضطهاد.
‘صحيحٌ أنّ صحّته وبيئتَه المحيطة قد تحسّنت الآن بما يكفي ليتمكّن من التجوّل هنا وهناك…….’
لكن مهما حاول،
فإنّ حقيقة أنّه سيبقى حبيسَ الظلام مدى الحياة
لا بدّ أنّها غرست في قلبه يأسًا عميقًا وشكًّا قاسيًا.
“وماذا عنكَ أنتَ يا سيّدي؟”
وقد تنبّهتُ إلى قلقه وشكوكه،
فسألته هكذا.
“هل تعتقدُ أنتَ أيضًا أنّني لا أرى لأنّني نلتُ عقابًا؟”
“…….”
أمام سؤالي،
بدا كاليُوس كمن انحبس لسانه،
فعجز عن الإجابة.
“……كثيرًا ما قال الناس ذلك عنّي.
قالوا إنّ عمايَ هو عقابٌ،
وأنّني ارتكبتُ ذنبًا عظيمًا،
فأعمى الحاكم عينيَّ جزاءً لي.”
حتّى في قرية خالتي حيث كنتُ أعيش قبل قدومي إلى بيت الدوق،
كان الناس يتناقلون هذا الكلام عنّي.
يكفي أنْ يلامسوا ثوبي مصادفةً،
حتّى ينفضوه وهم يقولون إنّ ‘سوء حظّ العميان’ قد انتقل إليهم.
وكلّما مررتُ بجانبهم،
بصقوا على الأرض قائلين إنّني مشؤومة.
وإذا جئتُ لأشتري شيئًا،
طردوني بلا رحمةٍ بحجّة أنّني سأكسد تجارتهم.
ومع ذلك،
لم أرَ أحدًا منهم يجيب جوابًا صحيحًا حين أسأله:
أيَّ ذنبٍ ارتكبتُ؟
من دون أيّ دليل،
كانوا يُصِرّون فقط على أنّني لا بدّ أنّني ارتكبتُ ذنبًا يغضب القدر.
ولذلك،
في تلك القرية على وجه الخصوص،
كنتُ فعلًا مجرمةً في نظر الجميع.
“هل تعتقدُ أنتَ أيضًا ذلك يا سيّدي؟”
سألتُه مرّةً أخرى.
وبعد صمتٍ قصير،
فتح كاليُوس فمه أخيرًا وقال:
“……لا.”
“وأنا أيضًا لا أعتقدُ أنّني لا أرى لأنّني نلتُ عقابًا.
لأنّني، حتّى وأنا لا أرى،
أستطيعُ فعل أشياء كثيرة فعلًا.”
تحدّثتُ بصوتٍ مشرق،
آملةً أنْ تصل أفكاري إلى قلب كاليُوس.
“أنتَ تعرف ذلك، أليس كذلك؟
كم أُتقِن العمل حتّى في الغرفة المظلمة!
بين كلّ الخادمات،
أنا الوحيدة الّتي تحفظ مكان كلّ شيءٍ من دون أنْ تراه.
تنظيف المكان في الظلام،
ونقل الطعام،
كلّ ذلك لا يقدر عليه إلّا أنا.”
“…….”
“وفوق ذلك،
قبل أيّامٍ قليلة،
علّمتُكَ كيف تمشي، أليس كذلك؟
عندي مهارات كثيرة،
وأستطيعُ مساعدة الآخرين،
فكيف أكونُ شخصًا نالَ عقابًا؟”
ليس أنّني لا أفهم أفكاره المؤذية لنفسه.
فأنا أيضًا،
في وقتٍ ما،
كنتُ ألوم نفسي بلا سبب.
لكن بعد ذلك،
استمرّت حياتي،
وتبيّن أنّها لم تكن سيّئةً كما ظننتُ.
بل كان فيها كثيرٌ من الفرح والسعادة.
“وأنتَ الآن تمشي جيّدًا في الأماكن المظلمة أيضًا.
هل كنتَ تتخيّل في الماضي
أنّك ستتمكّن من التجوّل في القصر من جديد هكذا؟”
تقدّمتُ نحوه بحذر.
وكان صوت أنفاس كاليُوس يقترب شيئًا فشيئًا.
“وهكذا، خطوةً خطوة،
ستتغيّر حياتكَ أنتَ أيضًا.
ستجد طريقًا لتكون أفضل ممّا أنتَ عليه الآن.”
توقّفتُ أمامه مباشرةً،
وقلتُ بصوتٍ لم يكن فيه شكّ قطّ:
“لذلك،
لا تقل بعد الآن إنّكَ ملعون،
ولا إنّ الحاكم قد تخلّى عنكَ.”
لم أكن أعلم إنْ كانت كلماتي قد غيّرت شيئًا في تفكيره،
فهو لم يقل شيئًا،
ولم أستطع رؤية تعابير وجهه.
“……حسنًا.”
إذًا،
أيُّ قلبٍ سيحمل في المستقبل،
ذلك أمرٌ لا يُعرَف إلّا مع الأيّام.
“هيا، لنعد إلى الغرفة الآن.
يبدو أنّ الجوّ هنا لا يزال باردًا قليلًا.”
مع أنّني أعلم أنّه صار يستطيع التجوّل وحده،
إلّا أنّني أسندته بذراعي بعد غيابٍ طويل،
وقلتُ ذلك.
—
“آه، كدتُ أنسى.”
بعد أنْ عدنا إلى الغرفة،
أخرجتُ بحذرٍ شيئًا كنتُ قد خبّأته بعنايةٍ في جيب مئزري.
لحسن الحظّ،
بدا أنّ شكله لم يتشوّه.
“سيّدي، خُذ هذا.”
مددتُ ما أخرجتُه نحو كاليُوس بحذر.
أمسكه على غفلة،
ثمّ شمّه مرّتين أو ثلاثًا وقال:
“هذا…….”
“إنّه زهرُ الليلك.
لقد امتلأت به الحديقة منذ الآن.
رائحته قويّة جدًّا،
حتّى إنّ القصر كلّه صار معطّرًا برائحة الليلك.”
شعرتُ أنّ كاليُوس يُقرّب وجهه من الزهرة بهدوء.
“في الأصل لا يجوز قطف الزهور عبثًا……
لكن ينبغي أنْ يدخل الربيع إلى غرفتكَ أيضًا.
ما رأيك؟
أليست الرائحة حلوة حقًّا؟”
“……نعم، كذلك.
إنّها الرائحة الّتي كنتُ أشمّها كلَّ ربيع.”
“في المرّة القادمة سأجلب لكَ زهورًا أخرى.
سأقطفها خفيةً عن البستاني.
آه، وإنْ انكشف الأمر،
هل أستطيع أنْ أقول إنّكَ أنتَ الّذي طلبتَ منّي؟”
“نعم، قولي إنّني أنا الّذي أمرتُكِ.”
وافق كاليُوس بسخاء.
وبما أنّ صوته بدا أكثر إشراقًا قليلًا،
شعرتُ بالاطمئنان من أعماقي.
—
بعد ذلك،
كنتُ أجلب كلَّ يومٍ نوعًا مختلفًا من الزهور إلى غرفة كاليُوس.
ليلك، آزاليا، كوبية، ورد…….
صحيحٌ أنّه لن يرى ألوان البتلات المتنوّعة في الظلام،
لكن يكفي أنْ تملأ الرائحة الغرفة
ليشعر بأنفاس الربيع.
وفي كلّ مرّةٍ أجلب فيها زهرةً جديدة،
كان كاليُوس يجيب باقتضاب:
“شكرًا.”
لكنّني كنتُ أعلم أنّه كثيرًا ما يقف أمام المزهرية
ويشمّ العطر بهدوء.
يا له من فتى.
لا يُظهِر شيئًا، لكنّه في الحقيقة سعيد.
وهذا يجعلني أرغب في أنْ أجلب له المزيد.
“اليوم جلبتُ لكَ زهرَ الوستيريا.”
قلتُ له كعادتي،
وقد ظهرتُ أمامه وأنا أحمل زهرةً جديدة.
الّتي جلبتُها هذه المرّة كانت أزهارًا بنفسجيّة
تتدلّى عناقيدها طويلًا إلى الأسفل.
“يبدو أنّ الوستيريا قد أزهرت بشكلٍ جميل جدًّا.
حتّى الخادمات كنّ مجتمعات تحتها يتفرّجن عليها بلا ملل.”
“حقًّا؟”
على كلامي،
سمعتُ كاليُوس يقترب.
“متى ستأتي الخادمة الجديدة؟
أتمنّى أنْ يُعوَّض النقص في العدد سريعًا.”
أمام تذمّري الممزوج بالشكوى،
أجاب كاليُوس ببرودٍ وكأنّ الأمر لا يعنيه:
“لا أدري.”
حقًّا.
الخادمات الجديدات أنا وحدي الّتي أنتظرهنّ بفارغ الصبر، أليس كذلك؟
منذ أنْ طُرِدت ماري ودوروثي من منصب خادمتي كاليُوس الخاصّتَين،
ظلّ ذلك المكان شاغرًا.
وبما أنّ العمل هنا ليس سهلًا على الخادمات العاديّات،
يبدو أنّ رئيسة الخدم متردّدة في اختيار مَن ترسله.
فلا يمكنها أنْ تُرسِل أيَّ شخصٍ ثمّ تراه يُحدِث مشكلةً من جديد.
التعليقات لهذا الفصل " 11"