ثمّ بدأَ يربّتُ على رأسي ببطء.
‘…ما هذا؟ هل يعاملني الآن كأنّني كلب؟’
وبينما كنتُ أُقطّبُ حاجبيّ من تصرّفٍ لا أفهمُ معناه، تمتمَ فجأةً بصوتٍ منخفض:
“…أصغرُ ممّا توقّعتُ.”
ماذا؟
أزحتُ يدَه عن رأسي ونفختُ خدّيّ بضيق.
“أصغر؟ أنا ما زلتُ في سنِّ النّمو!”
فضحكَ كاليوس بخفّةٍ وسأل:
“كم عُمركِ؟”
“سبعةَ عشرَ عامًا، أتعلم؟ وربّما أطولُ من هذا بقليلٍ بعد!”
كنتُ أؤمنُ إيمانًا راسخًا بأنّ صفائحَ نموِّ ليزي سوان لم تُغلَق بعد!
لكنّ كاليوس لم يبدُ مقتنعًا بكلامي.
“همم….”
“ما هذا الرّد؟”
تجاهلَ سؤالي، وتمتمَ: “سبعةَ عشر…” ثم بدأَ هذهِ المرّة يمشي وحده وهو يتحسّسُ الجدار.
يا للعجب.
هو في الخامسةَ عشرةَ فقط، ومع ذلك أطولُ منّي، أهذا ما يريدُ قوله؟
‘…حسنًا، وما الذي سأجنيه من مقارنةِ بنيتي ببنيةِ بطلِ الرّواية الذي سيصيرُ طويلًا وسيمًا عمّا قريب.’
مرّرتُ أصابعي في شعري الذي بعثره، ونفختُ خدّيّ بامتعاض.
‘على الأقلّ هذا مطمئن. يبدو أنّه لم ييأس من الحياة تمامًا.’
كونُه أبدى هذا القدرَ من الحماس بعد طولِ خمولٍ، كان كافيًا ليُشعرني بوميضِ أملٍ صغير.
—
ومع مرورِ الوقت، ازدادَ عبيرُ الرّبيع كثافةً.
كنتُ أعرفُ، حتّى دون أن أرى، أنّ أزهارًا ملوّنةً قد تفتّحت في أرجاءِ القصر بفضلِ الدفءِ الذي يلامسُ الجلد.
وعطرُ الزّهور الذي ملأ بيتَ الدوق جعلَ حتّى الخادماتِ العاملاتِ في حالةِ نشوةٍ خفيفة.
ولهذا كانت السّيّدةُ المشرفةُ ميليسا تضطرّ إلى التفقّد كلَّ عشرِ دقائقَ تقريبًا.
“مرّةً أُخرى أنتنّ شارداتٌ عند النّوافذ! أما ستنتبهن؟”
ومع أنّهنّ يُوبَّخن، إلّا أنّ الخادماتِ كنّ ما إن تختفي ميليسا حتّى يعدنَ إلى الضّحك خفيةً.
كنّ جميعًا يبدون سعداء.
لكنّ تلك الحيويّة تختفي تمامًا ما إن تطأ القدمُ ممرَّ الطّابقِ الثّاني الغربيّ.
نوافذُ مُحكَمةُ الإغلاق.
برودةٌ تنبعثُ من الجدران.
وسكونٌ خانق، كأنّ الرّبيعَ تعمّد أن يتجاوزَ هذا المكان وحدَه.
“يا سيّدي؟”
عندما وصلتُ إلى غرفةِ كاليوس، أدخلتُ رأسي في الدّاخل وناديته، لكنّني لم أتلقَّ جوابًا.
أين ذهبَ هذهِ المرّة؟
خرجتُ إلى الممرّ أبحثُ عنه.
منذ أن تعلّم كيف يمشي في الظّلام، صار يتدرّب كلَّ يومٍ بلا انقطاع.
وبفضلِ ذلك تحسّنت قدرتُه على المشي بسرعة، وبلغَ مرحلةً صار فيها يتجوّل وحده في ممرِّ الطّابقِ الثّاني الغربيّ بحرّيّة.
وفوق ذلك، صار يتناولُ وجباتِه كما تُقدَّم له، فبدأ جسدُه النّحيلُ يعودُ تدريجيًّا إلى حالته الطّبيعيّة.
مقارنةً بمظهره السّابق الذي كان يخلو من أيِّ حياة، كان تغيّرُه مذهلًا.
“يا سيّدي، أين أنتَ؟”
كنتُ أسيرُ ببطءٍ وأنا أناديه.
“آخ.”
توقّفتُ فجأةً حين علقت عصايَ بشيءٍ ما.
مددتُ يدي، فلامستُ ظهرَ شخصٍ ما.
ورغم أنّه اكتسبَ بعضَ اللّحم، فإنّ النُّحولَ ما زال ظاهرًا بما يكفي لأعرف أنّه كاليوس.
“يا سيّدي؟ ماذا تفعلُ واقفًا هنا؟”
“كنتُ أمشي في الممرّ… وتذكّرتُ أنّ لوحةً كانت معلّقةً هنا.”
سمعتُ صوتَ يدِه وهو يمرّرُها على الجدار حيث تُعلَّقُ اللوحة.
“لوحة؟”
بدوري مددتُ يدي نحو الجدار بحذر.
وسرعانَ ما شعرتُ بملمسِ القماش وبطبقاتِ الطّلاء اليابس.
ومن مجرّد تحسّسِ حجمِها، أدركتُ أنّها كبيرةٌ جدًّا.
يبدو أنّها كانت تملأ الجدار كلَّه.
مررتُ بهذا المكان عددًا لا يُحصى من المرّات، ولم أدرِ أنّ لوحةً بهذا الحجم معلّقة هنا.
“وما موضوعُها؟”
سألتُ بدافعِ الفضول.
“إنّها لوحةُ «الدَّينونة» للفنّان ماريوس كاريان.”
“أوو، العنوان وحدَه مهيب. وماذا يُدانُ فيها؟”
“ماذا يُدان؟ بالطّبع… المرتدّون.”
“المرتدّون؟”
“ألم تسمعي بالقصّة في السِّفر المقدّس؟ حين أنقذَ ملك النّور رودين العالمَ من ملك الظّلام، ثم حاكمه وحاكم أتباعَه.”
“أوو…”
“ما هذا الرّد؟ كأنّك تسمعين بهذا لأوّل مرّة. …لا تقولي إنّك لم تقرئي السِّفر المقدّس ولو مرّةً واحدةً في حياتكِ؟”
أنا بريئة.
‘…لو قلتُ ذلك، هل سيأخذونني إلى المعبد؟’
في الأصل، أظنّ أنّ أسماءَ حاكم النّور حاكم الظّلام ذُكِرَت مرّاتٍ قليلة حين استيقظت هيلِنا كقدّيسة في القصّة الأصليّة.
‘لكنّها لم تكن تفاصيلَ مهمّة، فتجاوزتُها.’
“أنا لا أستطيعُ القراءة.”
“يمكنكِ سماعُ تلاوةِ السِّفر المقدّس إذا حضرتِ الصّلاة.”
آه، حتّى هذا العذر لا ينفع.
“أنتِ أحيانًا… تتصرّفين كأنّكِ جئتِ من عالمٍ آخر.”
“مِن، من عالمٍ آخر؟ أنا وُلدتُ وترعرعتُ في هذهِ الإمبراطوريّة!”
ارتبكتُ من كلامه المفاجئ، فسارعتُ إلى تغييرِ الموضوع.
“أهمّ شيء… أنا فضوليّة جدًّا لمعرفةِ شكلِ اللوحة. ليتني أستطيعُ رؤيتَها!”
حين قلتُ ذلك، صمتَ كاليوس قليلًا، ثم أمسك بيدي فجأة.
“لِمَ، لِمَ تمسكُ بيدي…؟”
“ابقي مكانكِ.”
تقدّمَ بضعَ خطواتٍ إلى الأمام، فانسحبتُ معه دون إرادةٍ لأنّ يدَه كانت تمسكُ بي.
ثم رفعَ يدي وجعلَني ألمسُ سطحَ اللوحة.
“يبدو أنّ… هنا تقريبًا… يقفُ حاكم النّور رودين.”
ثم بدأَ يشرحُ لي تفاصيلَ اللوحة بهدوء.
“هذا موضعُ الشّمس. رودين يرتدي درعًا ذهبيًّا لامعًا، ويجلسُ فوق السُّحب، وينظرُ إلى الأسفل.”
“هل هو وسيم؟”
“……”
“آه، آسفة! لن أقاطع. تفضّل، أكمل.”
“…ثمّ هنا…”
تحرّكَ كثيرًا نحو اليمين، ثم أنزلَ يدي إلى أسفلِ اللوحة.
“هنا يُرسَمُ مشهدُ سقوطِ كاركس وأتباعِه في الوحل.”
“كاركس؟”
“…لا تقولي إنّكِ لا تعرفين مَن هو كاركس أيضًا؟”
في نبرةِ صوته شكّ واضح، فسارعتُ إلى التّبرير.
“آه، سمعتُ الاسم من قبل! لكنّي لا أعرفُ التّفاصيل. لم أذهب إلى المعبد من قبل…”
“كاركس هو حاكم الظّلام.”
قالَ كاليوس.
“يمكن اعتبارُه نقيضَ حاكم النّور رودين تمامًا. كان ساخطًا لأنّ البشر لا يبنون المعابدَ ولا يقدّمون القرابينَ ولا يمجّدون إلّا رودين.”
“همم، هذا كفيلٌ بإغضاب أيِّ أحد.”
“لذلك ظهرَ كاركس للبشر وطلبَ منهم أن يبجلوه كما يبجلون رودين. لكنّهم خافوا من ظلامِه وفرّوا جميعًا.”
‘إذًا، كم كان مظهرُه سيّئًا ليهربوا فورَ رؤيتِه؟’
“غضبَ كاركس من ذلك، فجمع أتباعًا له… آه، يُطلَق عليهم اسمُ «المرتدّين».”
“المرتدّون.”
“نعم. استخدمَ كاركس المرتدّين ليسرقَ «نور» رودين، ثم أخفاه في أعماقِ الأرض، فغرقَ العالمُ في الظّلام.”
“أوه، وماذا حدث بعد ذلك؟”
“اندلعت حربٌ لاستعادةِ النّور. في البداية، تراجَعَ رودين كثيرًا لأنّه كان بلا نور، لكن…”
سمعتُ صوتَ يدِه وهو يرسمُ بخياله على سطحِ اللوحة.
“دخلَ رودين سرًّا إلى باطنِ الأرض مع ابنته وأبنائه، واستعادَ النّور، فانقلبَ ميزانُ الحرب. وبعدها أمسك بكاركس والمرتدّين جميعًا وحبسهم في الوحل. وهذهِ اللّوحة تُجسِّدُ تلك اللّحظة.”
“إذًا كاركس و… هؤلاء المرتدّون ما زالوا في باطنِ الأرض حتّى الآن؟”
“نعم. يُقال إنّهم ما زالوا يهيمون في ظلامٍ أبديّ. إنّه عقابُ.”
“أوو، قصّةٌ ممتعة! أحبُّ هذهِ الحكاياتِ الأسطوريّة!”
“أسطوريّة؟”
“نعم، أنا في الأصل أحبُّ سماعَ قصصِ الأساطيرِ واللّوحات! ألا تخبرني بقصصٍ أخرى؟”
“هاه…”
أفلتَ يدي فجأةً وتنهّد.
“أنتِ… لو قلتِ هذا الكلام أمام الآخرين، فقد تُعاقَبين بتهمةِ التجديف.”
آه، صحيح. ما زلنا في عالمٍ يبجل ملك النّور!
أطبقتُ فمي بسرعةٍ وأخذتُ أراقبُ تعابيرَه بقلق.
‘لا يكونُ جادًّا في أن يبلّغ عنّي إلى المعبد، أليس كذلك؟’
“آه، لأنّ سيّدي يروي القصّة بطريقةٍ ممتعة جدًّا! فظننتُها مجرّدَ حكايةِ أطفالٍ سمعتُها في الصِّغر!”
ضحكتُ ضحكةً مصطنعةً محاوِلةً إصلاحَ زلّتي.
“أليس كذلك؟ في هذا الزّمان، سرقةُ النّور وحبسُ النّاس في ظلامٍ أبديّ… مثلُ هذهِ الأمور لم تَعُد موجودة!”
“…ولِمَ لا تكون؟”
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 10"