1
“رييز، أظن أنه من الأفضل ألا ترهقي نفسكِ. هل أنتِ مصممة حقًا على الذهاب؟”
تنهد الكونت برانتي بعمق وهو يمسك باب العربة، وكانت عيناه تفيضان بالقلق وهي تستقر على ابنته الصغيرة التي لم يمضِ على نهوضها من فراش المرض سوى أسبوع واحد.
“لقد قيل إنها استعادت عافيتها، والمسافة قريبة فلا تشغل بالك كثيرًا.”
أجاب سايمون، أخي الجالس في المقعد المقابل، نيابة عني.
“لقد سمحتَ أخيرًا باصطحاب رييز معنا، وفرصة كهذه لا تتكرر كثيرًا.”
“أبي، أنا بخير تمامًا! وإن شعرتُ بأي تعب سأعود فورًا!”
رسمتُ على وجهي ابتسامة أكثر إشراقًا، خشية ألا تكفي محاولات سايمون لإقناعه. ومع ذلك، لم يطمئن قلبه تمامًا، فمرر يده بحنان وحذر على وجنتي.
“إن شعرتِ ولو بجهد بسيط، عليكِ العودة للمنزل فورًا، اتفقنا؟”
“نعم!”
ومع صيحتي المبهجة تلك، أُغلق باب العربة، وانطلقت عربة عائلة الكونت برانتي ذات العجلات الأربع بخفة، تشق طريقها وسط مروج تتماوج بخضرة زاهية.
رسمت أشعة شمس الربيع الباكرة خيوطًا من السراب في الأفق، وزاد من حماسي مشهد الأسوار العالية التي تحيط بالقصور الفاخرة وهي تمر سريعًا من خلف النافذة.
“حين تقابلين صديقي من الأكاديمية العسكرية، تمني له عيد ميلاد سعيد. آه، وبما أنه سيقدمنا لوالدته، احرصي على التحية بأدب جمّ. الدوقة صارمة جدًا فيما يخص الإتيكيت، فلا تدعي لها مأخذًا عليكِ.”
“أووه، فهمتُ حقًا، كدت أذناي تنزفان من كثرة التكرار.”
لحسن الحظ، أعلن الحوذي وصولنا في الوقت المناسب، ليقطع سيل نصائح سايمون المملة.
“المكان قريب جدًا، أليس كذلك؟”
بإمكاني اعتبارهم جيرانًا بهذا القرب. يا إلهي، لم أستعد نفسيًا بعد، ماذا أفعل؟
ترجلتُ وقلبي يخفق بشدة، ليمتلئ بصري بحديقة شاسعة وقصر باذخ يضاهي القصور الملكية عظمةً. كما خطف أنظاري تلكَ الدفيئة الزجاجية العملاقة القابعة في زاوية المكان.
‘واو، المساحة خيالية!’
عبرنا البوابة بذهول، ورأيتُ النبلاء الذين تزينوا كطواويس متباهية يتوافدون نحو المبنى الرئيسي الأكبر. اندمجنا بينهم ودخلنا قاعة الاحتفالات الصاخبة.
كانت طاولات الحلويات الموزعة في كل مكان تضم أصنافًا من المُقبلات مكدسة كالأبراج، واختلطت ألحان الفرقة الموسيقية العذبة مع الضوء المتلألئ للثريات، لتخلق عالمًا من السحر والخيال.
بينما كنتُ أتأمل المشهد الذي لطالما رسمتُه في خيالي، تذكرتُ السبب الحقيقي الذي جعلني أتشبث بالمجيء إلى هنا.
وفي تلك اللحظة ذاتها،
“سايمون.”
نادى صوت منخفض وهادئ باسم أخي الواقف بجانبي.
التفتُّ لأرى رجلًا فارع الطول يقترب بخطواتٍ واثقة. احتجتُ لبرهةٍ من الوقت لتظهر ملامحه بوضوح وسط الضوء المنعكس خلفه.
“عيدُ ميلادٍ سعيد يا صاح. الحفلُ مذهل حقًا، ظننتُني في القصر الملكي.”
“شكراً لك، والدتي تولي المناسبات الاجتماعية اهتمامًا بالغًا كما تعلم.”
ضرب سايمون كتفه بمزاح، ليرد عليه ذلك الرجل الذي بدا بجماله وكأنه كائن من الأساطير بابتسامة رقيقة. كان صوته عذبًا لدرجة تدغدغ الحواس.
“آه، هذه أختي الصغرى، رييز برانتي.”
وضع سايمون يده على كتفي، فاستقرت نظرات ذلك الرجل الوسيم المتألق عليّ.
“لقد سمعتُ عنكِ الكثير من سايمون. سُررتُ بلقائكِ، آنسة رييز.”
تحت خصلات شعره البلاتينية، انحنت عيناه الذهبيتان المشبعتان بالألوان كالهلال وهو يبتسم.
هذا حقيقي، أليس كذلك؟ أنا أراه أمام عيني الآن فعليًا؟
“أنا داريوس ديرن.”
يا إلهي!
“داريوس…..”
همستُ باسمه بأنفاس متهدجة، وكان قلبي ينبض بعنف كأنه يحاول تحطيم أضلعي والخروج.
لولا نكزة سايمون لي في خاصرتي، لكنتُ قد تجمدتُ في مكاني كتمثال صخري. رفعتُ يدي المرتجفة برقة لأصافح يده التي مدها إليّ.
“عـ… عيد ميلاد سعيد…!”
يا ناس، انظروا إليّ!
لقد أمسكتُ للتو بيد شخصيتي المفضلة!!
***
— قبل عشرة أيام.
كنتُ أعيش حياة عادية، بل بائسة قليلًا، في كوريا الجنوبية بالقرن الحادي والعشرين، حتى وافاني الأجل في منتصف عشرينياتي إثر حادث مروري أليم.
كان ذلك اليوم هو اليوم الذي يسبق إطلاق “الويبتون” لروايتي المفضلة، “العهد الذهبي”.
‘يا للأسف…. غدًا هو موعد صدور ويبتون العهد الذهبي…’
حتى في اللحظة التي صدمتني فيها الحافلة، وبينما كنتُ أرى هاتفي يطير من يدي، راودتني هذه الفكرة السخيفة.
‘أرجوك أنقذني… أريد رؤية داريوس في صور ثنائية الأبعاد….’
تضرعتُ بتلك الأمنية وأنا أراقب سقف سيارة الإسعاف الذي بدأ يتلاشى من أمامي.
لم يكن لدي ما أتحسر عليه في حياة عشتُها في فقر مدقع دون سند، لم يتبقَّ سوى تلك الرغبة الجامحة لـ “معجبة مهووسة” كصرخة أخيرة.
ويبدو أن الحاكم قد استجاب لأمنيتي الهزيلة، ليس في شق النجاة، بل في رؤية داريوس.
فحين فتحتُ عيناي، وجدتُ رجلًا غريبًا بلحية يصرخ وينتحب وهو يضمني إليه بقوة.
— رييز! ظننتُ أنني سأفقدكِ أنتِ أيضًا!!
بصفتي مهووسة بروايات الرومانسية الخيالية، أدركتُ من البيئة المحيطة والناس الذين بدوا وكأنهم خرجوا من رواية كورية من هذا النوع، أنني قد تجسدتُ في عالم آخر.
وسرعان ما اكتشفتُ أن صاحبة هذا الجسد هي ابنة كونت تبلغ من العمر أحد عشر عامًا، واسمها رييز برانتي.
كانت أخت سايمون، الشخصية الجانبية في “العهد الذهبي”، لكنها لم تكن حتى شخصيةً جانبية في الرواية الأصلية.
والسبب أنها كان من المفترض أن تموت في سن الحادية عشرة متأثرة بحمى شديدة. بعبارة أخرى، لقد استبدلتُ روحها فور وفاتها.
قضيتُ عشرة أيام في استعادة عافيتي والتكيف مع البيئة الجديدة، متذرعة بكذبة “فقدان الذاكرة بسبب الحمى” التي يسهل على المتجسدين استخدامها.
وخلال ذلك، سمعتُ أن سايمون سيذهب لحفل عيد ميلاد داريوس، فبذلتُ قصارى جهدي لمرافقته، وهذا ما أوصلني لموقفي الحالي.
بعد أن قدمتُ هدية عيد الميلاد التي دبرتُ ثمنها بشق الأنفس في المكان المخصص، ملأتُ طبقي بالمُقبلات وجلستُ على طاولة في زاوية القاعة.
بعد رؤية داريوس وجهًا لوجه، تيقنتُ تمامًا أن هذا هو عالم “العهد الذهبي”.
أن أحظى برؤية شخصيتي المفضلة ليس فقط بالأبعاد الثلاثة، بل بالأبعاد الأربعة!
كتمتُ صرختي وأنا أراقب داريوس المحاط بالحشود التي تهنئه، وكنتُ أحاول جاهدة منع نفسي من البكاء فرحًا ووضع قبضة يدي في فمي.
‘جماله لا يوصف! أشعر وكأن نظري قد أصبح خارقًا فجأة!’
طوله يتجاوز البالغين بشكل لافت، لكن وجهه لا يزال يحمل مسحة من البراءة الشبابية التي لم تفارقه تمامًا بعد؛ إنه مشهد يبعث على الراحة النفسية.
بما أنه في نفس عمر سايمون، فلا بد أن داريوس الآن في السادسة عشرة، وهذا يعني أننا قبل بداية أحداث الرواية بخمس سنوات. لا يزال هناك وقت طويل قبل أن تظهر البطلة وتلتقي بداريوس لأول مرة.
‘هذا يعني أنني أستطيع الاستمتاع بـ “ما قبل الرواية”. هذا أفضل مما توقعت.’
أشعر وكأن دماغي يذوب من فرط السعادة.
التفت سايمون، الذي كان يراقب ابتسامتي الدائمة، نحو الاتجاه الذي كنتُ أنظر إليه، ثم أطلق ضحكة ساخرة مستفزة.
“ماذا؟ يبدو أن ذلك الفتى قد نال إعجابكِ؟”
الأمر أبعد من الإعجاب، هذا المكان بالنسبة لي هو “لقاء معجبين”! بل ربما “مقهى احتفال بميلاد نجم”!
“ستكون المنافسة شرسة، ماذا ستفعلين؟”
بعد سماع سخريته، انتبهتُ لقطيع الضباع الذي يحوم حول داريوس. لقد كنتُ غافلة عنهم لأنني كنتُ أضع تغبيشًا تلقائيًا على كل ما يحيط بداريوس.
بالحديث عن ذلك، كان لقبه “أفضل صيد في الدائرة الاجتماعية”. لم يبلغ سن الرشد بعد، ومع ذلك يتهافت عليه الجميع كالذباب.
يا له من مسكين، لا بد أن طاقته تُستنزف. خاصة وأن شخصيته تنفر من هذه التجمعات!
“همم، هل تريدين من أخيكِ الكبير أن يتدخل قليلًا؟”
تأخرتُ في فهم سؤال سايمون لأنني كنتُ غارقة في القلق على داريوس.
“…ما هذا الهراء الذي تقوله؟ أنا فقط مندهشة من فخامة القاعة المبالغ فيها.”
رسمتُ ملامح الجدية على وجهي قدر الإمكان، خوفًا من أن يقوم سايمون بأي تصرف طائش لتقريبي منه.
مشاعري تجاه داريوس ليست من ذلك النوع السطحي. هو ملك لأديل، بطلة هذه الرواية. مهما بلغت محبتي لشخصيتي المفضلة، ليس لدي أدنى رغبة في سرقة مكان البطلة والطمع فيه.
هو شعور يشبه الإعجاب بنجم مشهور. لذا، لا أريد تلك المواقف المبتذلة في قصص التجسد مثل “لماذا تلاحقني أنا بدلاً من البطلة؟”.
أريد فقط أن أكون مشاهدة تشجع الثنائي الجميل في الدراما، وأرى نهاية “وعاش البطل والبطلة في سعادة وهناء”.
رسمتُ ابتسامة الأم الفخورة وأنا أتخيل لحظات رومانسيتهما. نعم، أتمنى لهما السعادة حتى النهاية…..
سعـال ، سعـال—!
بينما كنتُ أحتسي عصير الليمون وأنا غارقة في خيالاتي الجميلة، غصصتُ بالشراب وبدأتُ بالسعال.
لقد غفلتُ عن أمر واحد.
الفصل الأخير الصادم من “العهد الذهبي” الذي قرأتُه وأنا لا أكاد أصدق عيني.
البطل داريوس يُطعن بسيف على يد الشرير، وفي لحظاته الأخيرة يتبادل عهود الحب مع أديل، ثم يسلم الروح.
‘لقد أفسد الكاتب النهاية الجميلة بمأساة جعلت القراء يفقدون صوابهم.’
لو كانت رواية عادية لهان الأمر، لكن لأنها رواية عمري، عانيتُ من “اكتئاب ما بعد القراءة” لفترة طويلة بسبب نهايتها الحزينة. لقد توسلتُ في التعليقات باكيةً ليضع الكاتب نهاية سعيدة ولو في “فصل إضافي”.
آه، لا يمكن أن يحدث هذا. لا يمكن لداريوس أن يموت.
نظرتُ بحزن إلى داريوس الذي يتلألأ كالنجم الساطع من بعيد. شعرتُ بطاقتي تنسحب من جسدي، وهوى قلبي الذي كان يحلق عاليًا إلى الحضيض في لحظة.
خسارة جمال كهذا هي خسارة للبشرية جمعاء…..
في تلك اللحظة، دوى صوت تحطم شيء ما ليهز أرجاء القاعة. وسط الجو الذي أصبح مشحونًا فجأة، خطف أنظاري صبي يقف في مركز الحشد.
كان صبيًا يبدو عليه الهزال الشديد والخجل، لكن وجهه الذي تغطيه غرة سوداء طويلة كان يشبه جوهرة خام لم تُصقل بعد.
وقبل كل شيء، تيقنتُ من هويته بسبب تلك الهالة السوداء وتعبيرات وجهه المظلمة.
‘كايلوس ديرن!’
حُبس نَفَسي حين رأيتُ ذلك الصبي، الابن غير الشرعي للدوق ديرن والأخ غير الشقيق لداريوس.
فقد كان هو القاتل الذي أودى بحياة داريوس، والشرير الأساسي في هذه الرواية.
التعليقات لهذا الفصل " 1"