سعلتُ عدة مرات أخرى، ثم أطلقتُ أنفاسي بصعوبة وهي تخرج مصحوبة بصوت صفير.
كان الهواء الذي لم يخرج بعد متكدّسًا في صدري، فيعلو ويهبط بعنف مرارًا.
وتسرب الدواء الذي لم أستطع ابتلاعه على طول فمي.
رأسي يدور…
أطبقتُ فمي من جديد بإحكام، وأغمضتُ عينيّ بقوة.
لا أفهم ما الذي حدث ولا كيف آل الأمر إلى هذا.
لا أعرف لماذا أنا هنا أصلًا، ولا لماذا يعاملني هذا الشخص بلطف.
كل شيء كان مشوشًا… مثقلًا عليّ.
بسبب ماذا؟ بسبب ذلك الخير السخيف الذي فعلته من أجل نفسي أصلًا؟ أم بسبب رام؟ أم بسبب المال الذي أعطيته آنذاك؟ أليس ذلك الدين قد سُدِّد في المرة السابقة؟
قلتُ مرارًا إننا لن نلتقي مجددًا، وتمنيتُ ألّا تعود بيننا أي صلة، وأن يعيش كلٌّ منا حياته فحسب.
هذا الوضع الذي بقينا فيه وحدنا، وأن أُفضَح بمرضي أمامه مرة بعد أخرى، وأن أتلقى الآن رعاية غريبة ممزوجة بلطف غير مفهوم… كان كله ثقيلًا عليّ ومكروهًا.
أردتُ الخروج من هذا المكان والعودة إلى الحانة في أسرع وقت ممكن ولو لوهلة.
رفع منديلاً ومسح به بحذر الدواء السائل على طرف فمي.
كان القلق واضحًا على وجهه وهو يرى عجزِي عن ابتلاع الدواء.
يقلق عليّ؟ أنت…؟
أن يقلق آسهان عليّ؟ أليس هذا مضحكًا؟
لم أحتمل فكرة أنه وهو لا يعرفني حق المعرفة يقلق عليّ ويحاول الاعتناء بي.
فأغمضتُ عينيّ بقوة وأنا أشيح بوجهي.
أريد الهرب.
ليت كل هذا كان حلمًا.
وبينما كنتُ أردد في داخلي بلا توقف أنني أريد الهرب، لامس شيءٌ ما شفتيّ مع هبّة ريح باردة.
“…….!”
كانت رائحته كرائحة الهواء بعد المطر، أو كنسيم صباحٍ شتوي.
وعندما فتحتُ عينيّ مذعورة من ذلك الشيء البارد والخشن الذي لامس شفتيّ على عجل، رأيتُ أمامي مباشرة زوجًا من العينين الزرقاوين المتلألئتين ببرودة تكاد تجمّدني.
عينان كشتاءٍ قارس… أو كبحرٍ مظلمٍ عميق سأغرق فيه.
امتلأ رأسي بالذهول حتى شلّ التفكير، وفي اللحظة التالية فُتح فمي المغلق قسرًا بشفتيه ويده.
لم يعد هناك أي تردد.
كأنه استجمع شجاعته بعد عدة محاولات، فصار فعله بلا تهيّب.
حاولتُ إغلاق فمي، لكن بلا جدوى.
لم تكن لدي قوة لتحريك إصبع، ولا طاقة للصراخ وسؤاله عمّا يفعل أو لأصرخ في وجهه أن يبتعد.
على عكس عينيّ المرتجفتين، كانت عيناه هادئتين وعميقتين وكأن شيئًا لم يحدث.
أي شعور يجب أن أقرأه في هاتين العينين؟ أين ذهب ذلك الطفل الذي كان يشبهني؟
لقد أصبح الصبي شابًا، ولم يعد طفلًا بعد الآن.
تسلل الدواء بين شفتيّ المفتوحتين.
من فمه إلى فمي، قطرةً بعد قطرة.
وما إن لامس الدواء حتى انفجرت نوبات السعال من جديد، لكنها كانت تُحجب بشفتيه فلا تجد مخرجًا، ثم تخمد وتتكرر.
كانت شفتيه باردتين كالجليد.
وكل موضع يبلغه نَفَسه العابر بين شفاهنا كان يقشعر من شدة البرودة حتى خُيّل إليّ أنه يتجمد.
العفاريت ليسوا مثلنا… إنهم باردون كالجليد.
أكان هذا هو المقصود بتلك الكلمات؟
على الرغم من كونه هجينًا، بدا وكأنه يحمل من صفات العفاريت أكثر مما يحمل من صفات البشر؛ كان باردًا إلى حدٍّ مخيف.
وهو ينظر إلى عينيّ المليئتين بالارتباك أمام هذا الوضع غير القابل للاستيعاب، كان يباعد شفتيه ويقربهما بهدوء مواصلًا تمرير الدواء إلى حلقي.
لم أستطع في النهاية مواجهة تلك العينين، فأغمضتُ عينيّ لكنني اضطررتُ إلى فتحهما مجددًا؛ لأن الإحساس بالقبلة في الظلام كان أشد وقعًا.
أردتُ أن أُقنع نفسي بأن الأمر لا يتعدى كونه لإعطائي الدواء، لكن ذلك لم يكن سهلًا.
“كح…”
عندما ابتلعتُ آخر جرعة، وابتعدت شفتيه عن شفتيّ، اجتاحني شعور بالارتياح وكأنني أقول انتهى الأمر أخيرًا.
لكن بينما كنتُ أهدئ قلبي المذعور، لم يكد يمضي وقتٌ قصير حتى اقترب مجددًا، وأسند مرفقه بجانب رأسي، ثم رفع يده الخشنة الباردة وربت على جبيني.
لم يكن يرتجف ولا يتردد.
وما إن غطّت كفّه الكبيرة جبيني حتى خمدت الحرارة تحت برودته.
وحين بدا أن ملامحي قد ارتخت قليلًا، سحب يده ونظر إليّ للحظة ثم كأنه لاحظ شيئًا، ثبّت نظره على أحد جانبي جبيني.
رفع يده ببطء وأعادها إلى جبيني، ولمس بأطراف أصابعه الخشنة الندبة الباقية هناك بحذر يدور حولها كما لو كان طفلًا تائهًا.
وعندما أغمضتُ عينيّ بقوة مقاومةً ذلك الإحساس الغريب والبارد، لامست شفتيه الندبة.
قبّلها ببطء وبعناية ثم عاد يمرر يده الباردة على وجهي برفق كأنها ريشة.
مرّ على حاجبيّ الداكنين، وحطّ على جفنيّ المرتجفين، ثم انزلق على أنفي واحتضن خديّ النحيلين.
وعندما غطّت كفّه الكبيرة خديّ، خمدت الحرارة تحت برودتها.
ظلّ ينظر إليّ بصمت.
“يون.”
نطق اسمي بهدوء.
“سأعطيكِ كل ما أملك.”
قال كلماتٍ لا أستطيع فهمها، كلمةً كلمة، وبنبرة حازمة.
“أقسم.”
ثم هبطت شفتيه على شفتيّ مرة أخرى.
ضغطهما كما لو كان يختم ختمًا ثابتًا، وكانت شفتيه المرتجفتان تضغطان على شفتيّ.
تسارعت أنفاسي من شدة الارتباك وخفق قلبي الموجوع بجنون.
أردتُ أن أرفع يدي وأدفعه بعيدًا، لكن جسدي المتصلّب لم يتحرك قيد أنملة.
ومن بين شفتيّ المنفرجتين بسبب أنفاسي المتلاحقة، تسلل نَفَسه البارد كالرّيح مرة أخرى.
ومع ذلك الإحساس القارس والغريب… فقدتُ الوعي في النهاية.
* * *
طَق، تَتَدَدَق!
ملأت خطواتي التي كنتُ أخطوها في شارع الفجر الهادئ كأنها ستتحطم المكان.
كان وعيي قد انطفأ فجأة كأن التيار قُطع عنه فظلّ معلقًا في الفراغ، ولم يعد إلى الواقع إلا مع بزوغ الفجر.
وما إن أفقتُ حتى هربتُ من ذلك المكان ركضًا، وكأنني أفرّ بحياتي.
ولحسن الحظ، لم يكن أَسْهان في الغرفة.
كنتُ خائفة من أن أرى وجهه مجددًا.
أردتُ أن أصرخ في وجهه ‘هل جننت؟ أأنت بكامل وعيك؟‘ أردتُ أن أستجوبه ‘ما معنى تلك القبلة؟ وما ذلك الدواء أصلًا؟‘
والمفارقة أنني ما إن عدتُ إلى وعيي، وجدتُ حالتي الجسدية رائعة على نحو لا يُصدّق.
كنتُ أشعر بخفة كأنني أطير.
حتى وأنا أركض، لم أكن ألهث كما في السابق.
لم أكن أتألم. لم أكن أعلم أن مجرد عدم الشعور بالألم يمكن أن يجعل الإنسان سعيدًا إلى هذا الحد.
كان تصرّف أَسْهان مزعجًا وصادمًا وكنتُ أكره أنه لمسني دون إذني، ومع ذلك… كنتُ ممتنة لأنه ولو مؤقتًا، جعلني أتحسن.
ثم، في اللحظة التالية، كان الغضب يشتعل في داخلي من جديد.
جرّبتُ حتى الآن كل أنواع الأدوية التي أمكنني العثور عليها هنا، لكن لم يكن لأيٍّ منها فائدة.
فما ذاك الدواء إذن؟ ما الذي يجعله قادرًا على شفاء جسدٍ ظننتُ أنه لن يتحسن أبدًا؟
أردتُ أن أتعكز على الدواء.
أردتُ أن أتناوله مرة أخرى.
كانت تلك الأفكار تتسلل إليّ باستمرار.
هل يمكنني أنا أيضًا أن أكون بصحة جيدة؟
هل كان بالإمكان ألا أنهار بهذه السرعة؟
لو رأيته مرة أخرى، خشيتُ أن أنجرف خلف أملٍ عبثي، وأن أفقد نفسي كاملةً، تلك النفس التي ظللتُ أقمعها وأسيطر عليها بلا توقف طوال هذا الوقت.
أظنني وأنا فاقدة للوعي تمتمتُ بكلمات مثل:
‘أشتاق… أنقذني من هنا… أريد أن أعيش.’
أتذكر بوضوح الكلمات التي قلتها وأنا أستحضر صورة والديّ وكوكب الأرض.
وكلما نطقتُ بتلك الكلمات، أظن أن أَسْهان كان يمسك بيدي بصمت.
كان ذلك مخزيًا إلى حدٍّ لا يُحتمل.
أن تُكشف عيوبي وجروحي التي لم أرد أن يراها أحد، كان أمرًا أكثر رعبًا مما تخيلت.
لم أرد الشفقة، ولم أرد الفهم.
أن أرغب في أن يُفهَم ألمي، وفي الوقت نفسه لا أرغب في ذلك… أي تناقضٍ هذا؟
كنتُ خائفة من أن أتكئ على أحد.
خائفة من أن أتمنى أن يفهمني أحد، وأن أستند إليه، وأن يحلّ مشكلتي مع أنني أعرف أن لا أحد يستطيع حلها.
خائفة من أن أرغب في المساعدة.
خائفة من ألا أستطيع الوقوف وحدي بالكامل.
كنتُ خائفة من أن يظهر في هذا المكان شخصٌ آخر واحد فقط يمكنني الاعتماد عليه.
“هاه…هاه…”
لم أصل إلى باب الحانة إلا بعد أن غمر العرق جسدي كله.
كان جسدي ثقيلًا كأن أَسْهان يمسك بكاحلي ولا يتركني.
التعليقات لهذا الفصل " 9"