لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا لأدرك أن هذا المكان عالمٌ مختلف تمامًا عن الأرض وعن كوريا.
لم يكن للبكاء أي جدوى، ولا للصراخ طلبًا للمساعدة.
وحين أخبرتهم أنني أتيتُ من عالمٍ آخر، صاحوا في وجهي بضيق “نحن نعلم، فلتصمتي قليلًا!” وكأن الأمر لا يعنيهم.
ففي هذه القارّة التي يتعايش فيها عالم البشر وعالم العفاريت، كان البشر الذين جُرّوا إلى عالم العفاريت جميعهم قادمين من عالم البشر، أي من “عالمٍ آخر” بالنسبة لهم.
العالم الآخر الذي قصدته أنا كان الأرض، لكن عالم البشر في نظرهم هو “تريير“، لا الأرض، ولذلك لم يكن بوسعهم فهم كلامي أصلًا.
وهكذا التقيتُ بـ يوها ( استبدلت اسم ييها ب يوها ) .
وجدتني بعد أيامٍ طويلة من الجوع منكمشةً في أحد الأزقّة بوجهٍ يائس، فأمسكت بيدي واقتادتني إلى السكن.
استمعت يوها إلى قصتي عن قدومي من مكانٍ آخر بصمت، ولم تبدِ سوى نظرة شفقة نحوي.
علّمتني كل ما تعرفه عن هذا العالم، من أوله إلى آخره.
لم أعد أبكي، ولم أعد أمتنع عن الطعام.
لم يكن أمامي سوى تقبّل الحقيقة: هذا العالم مختلف تمامًا عن الأرض.
كان عليّ أن أتوقف عن الهروب من الواقع، وأن أبدأ بالتكيّف.
إن أردتُ ألا أنهار هنا، وإن أردتُ أن أعيش وأعود يومًا ما، فعليّ أن أواجه الواقع وأمضي قدمًا.
ومنذ ذلك الحين، بدأتُ أعمل باستمرار حتى اليوم.
رنين… رنين!
تصادمت العملات داخل الكيس الممسوك بيدي فأصدرت صوتًا خفيفًا.
كنتُ أجلس متكئةً في زاوية غرفة صغيرة في السكن لا تتجاوز مساحتها خمسة أمتار مربعة، أحدّق في كيس النقود الذي صقلته كثرة اللمس.
تسلّل ضوء القمر البارد من نافذةٍ ضيقة، وشقّ ظلام الغرفة حتى لامس الكيس، فبدا لي لوهلة كأنه جوهرة تلمع.
كان وزن الكيس المليء بالعملات لا بأس به.
كان ذلك كل ما أملك.
“لم يتبقَّ الكثير.”
تمتمتُ وأنا أقبض على الكيس بإحكام.
شهر واحد فقط.
عليّ أن أتحمّل شهرًا واحدًا لا غير.
“تجمّع!”
شقّ صوت كاميلا المزعج سكون الليل من الخارج، فنهضتُ متجهّمة.
أزعجني أن يُقطع وقت راحتي الوحيد، لكن لم يكن بوسعي رفض الأمر.
خبّأتُ كيس النقود بعناية في فجوةٍ لا يعرفها سواي في إحدى زوايا الغرفة ثم خرجت.
“ما الأمر هذه المرة؟ لماذا كل هذا الضجيج في هذا الوقت؟“
“آه، هذا مزعج حقًا! لم نعد من العمل منذ وقتٍ طويل أصلًا!”
“كلما حاولنا أن نرتاح، يثيرون المشاكل!”
حين صعدتُ إلى الطابق العلوي، كان زملائي يعبّرون عن تذمّرهم بأصواتٍ غاضبة.
كان الجميع قد عادوا من العمل وغرقوا لتوّهم في النوم وهم في غاية الإرهاق.
ومع وجود عملٍ آخر ينتظرهم فجر الغد، كان النوم مسألةً في غاية الأهمية.
لم يكن هذا الإزعاج موضع ترحيب أبدًا.
“ألن تلتزموا الصمت؟ هل ترغبون جميعًا في الزنزانة الانفرادية؟“
هدّدتهم كاميلا وهي تحدّق فيهم بعيونٍ غاضبة، فخفتت الأصوات على مضض.
“انتباه! لدى هانز ما يقوله. أي واحدة تفتح فمها بعد الآن، سأحبسها في الزنزانة وأخصم أجر يومين كاملين!”
كان العم هانز صاحب الحانة الوحيدة في القرية، اسمها “ليون” لم تكن مجرد حانة لبيع الخمر، بل مكانًا تُقدَّم فيه أحيانًا عروض غنائية أو موسيقية حيّة.
وفي هذه القرية التي لا تلفاز فيها ولا تزورها فرق موسيقية أو شعراء جوّالون، كان ليون المكان الوحيد الذي يُسمع فيه شيء يُدعى موسيقى.
لكن بما أن الحانة تُفتح ليلًا، وبما أننا كنّا ننهار نومًا فور عودتنا من العمل، لم يكن بيننا وبين العم هانز أي احتكاك.
لذا، عندما خرج اسمه من فم كاميلا، بدا الارتباك على وجوه الجميع.
ومع تصاعد الهمهمة، صاحت كاميلا مجددًا ملوّحة بالزنزانة وخصم الأجور، فأطبق الجميع أفواههم بوجوهٍ مرهقة.
“همم… حسنًا. أشكركم على تجمعكم رغم تأخر الوقت. كما تعلمون، إيلدا غادرت بعد زواجها، وبذلك شغر مكان مغنية. لسنا بحاجة إلى الغناء يوميًا، ثلاث مرات في الأسبوع فقط، من الساعة الحادية عشرة ليلًا حتى الثالثة فجرًا. وبالطبع، يجب أن يكون الصوت جيدًا. أما الأجر فلن يكون مخيبًا، فلا تقلقوا.”
كانت إيلدا المغنية الأشهر في ليون، يعرفها جميع أهل القرية.
وبسبب براعتها، كان الناس يأتون حتى من القرى المجاورة ليستمعوا إلى غنائها.
يبدو أن الحانة لم تعد قادرة على العمل بالمغنين المتبقين بعد رحيلها، فجاء هانز ليبحث عن بديل.
لكن ما إن انتهى من ذكر ساعات العمل، حتى انفجرت شكاوى الزملاء.
“أنا لن أفعل! بالكاد ننام أصلًا!”
“وأنا أيضًا لا.”
“هل جننت؟“
“من الحادية عشرة حتى الثالثة؟ هل أنت بكامل عقلك؟“
“هل تعلم أننا نستيقظ في الرابعة فجرًا؟“
تتابعت أصوات الرفض من كل جانب.
فالعودة إلى السكن، وترتيب الأمور، والاستعداد ليوم العمل التالي، تجعل الحادية عشرة أقرب وقت للنوم.
العمل في ليون من الحادية عشرة يعني العمل بلا راحة على الإطلاق.
“الرافضون يمكنهم العودة إلى غرفهم، صحيح؟“
“أنا ذاهبة للنوم!”
هذه المرة، حتى كاميلا لم تستطع قول شيء.
عاد الزملاء الغاضبون إلى غرفهم، ولم يبقَ سوى ثلاثة أشخاص فقط… كنتُ أحدهم.
“يون… هل أنتِ متأكدة؟ أنتِ متعبة أصلًا بعد العمل، ثم إن حالتك الصحية ليست جيدة…”
اقتربت مني يوها وهمست بقلقٍ واضح في صوتها.
لكنني أجبتُها بحزم:
“نعم، سأفعل.”
ربتُّ على ظهر يوها بلطف، محاولةً إقناعها بالعودة إلى غرفتها، فمضت على مضض.
نظر هانز إلى الثلاثة الباقين ومسح العرق عن جبينه بمنديلٍ أخرجه من كُمّه، ثم تابع حديثه.
بدا عليه الارتباك بعد أن غادر معظم الناس فجأة.
“هاه… حسنًا، من الجيد أن يبقى ثلاثة على الأقل. الأجر ثماني عملات نحاسية في الليلة. لا يمكنني توظيفكم جميعًا، لذا سأستمع إلى غناء كل واحدة منكن ثم أقرر.”
ثماني عملات لم تكن مبلغًا كبيرًا.
بل بدا الأجر زهيدًا مقابل العمل حتى الفجر، لكن لم يعترض أحدًا منّا، وكأن الحاجة إلى المال كانت أقوى من التعب.
الغناء أربع ساعات متواصلة لم يكن أمرًا سهلًا على الإطلاق.
حتى في غرفة الكاراوكي، يكفي أن يُغنّي المرء ساعةً واحدة بحماس حتى يُرهَق، فكيف بأربع ساعات كاملة، مع مراقبة ردود فعل الناس أثناء الغناء؟
كنتُ أعلم بعقلي كم سيكون الأمر شاقًّا، ومع ذلك، لم يقل أحدٌ منّا — وأنا منهم — إنه لن يفعل بعد سماع الأجر، وكأن الحاجة إلى المال كانت أشدّ إلحاحًا من التعب.
فالغناء أربع ساعاتٍ متواصلة ليس أمرًا هيّنًا على الإطلاق.
وعندما قال هانز إنه سيُجري اختبارًا للغناء، وأومأ الجميع برؤوسهم موافقين، أشار إلينا بيده طالبًا أن نتبعه.
“حسنًا، فليتبعني الثلاثة.”
لم تكن مصابيح الشوارع كثيرة في هذا المكان، لكن القمر الذي ملأ السماء بنوره جعل الطريق الليلي غير مظلمٍ تمامًا.
اتبعناه مستندين إلى ضوء القمر.
كان هواء الليل باردًا، وربما بدا أشدّ قسوة بسبب ضوء القمر الأزرق القارس.
عانقتُ ذراعي المرتجفتين.
لم يكن ليون الذي يديره هانز بعيدًا.
وربما بسبب غياب إيلدا المغنية الرئيسية، كان المكان شبه خالٍ رغم أنه وقت الذروة.
كانت مغنية أخرى تغنّي بدلًا منها، لكن لم يكن أحدٌ ينصت إليها بجدية تُذكر.
ما إن فُتح باب الحانة حتى بان المسرح في أقصى الداخل بوضوح.
أمامه نحو خمسة عشر طاولة دائرية، وعلى يمين الحانة كان المطبخ، وعلى يسارها المخزن.
تركنا هانز قليلًا نتفحّص المكان، ثم صفّق بيديه ليجذب انتباهنا.
“حسنًا، حسنًا. بعد هذه النظرة السريعة، لنبدأ الاختبار. أنتِ هناك، ما اسمك؟“
سأل الفتاة الواقفة على يساري فأجابت بصوتٍ خافت:
“بيآتشي.”
“حسنًا يا بيآتشي. ما نوع الأغاني التي تستطيعين غناءها؟“
“أغاني عادية… من كل نوع قليلًا.”
“اصعدي إلى المسرح وغنّي أغنية تثقين بها.”
أشار هانز إلى المسرح، فتقدّمت بيآتشي إليه بتردّد، ووقفت هناك بارتباك.
“ابدئي!”
ومع كلمته، انساب صوت الغناء من فمها الصغير.
لم يكن في غنائها ما يلفت الانتباه.
لم تكن بارعة، ولا سيئة.
ويبدو أن هانز شعر بالأمر ذاته، إذ أشار لها بعد قليل بالنزول ثم التفت نحوي.
“وأنتِ، ما اسمك؟“
“…يون.”
“همم… لون شعرك غريب بعض الشيء، وكذلك لون عينيك. من أين أتيتِ؟“
راح هانز يتأملني بنظرة فضول. ولم يكن تعجّبه في غير محلّه؛ فجميع من هنا يملكون شعرًا بنيًّا داكنًا وعيونًا بنية، بينما كان شعري قريبًا من السواد، وعيناي بلونٍ داكن يكاد يكون أسود.
وبما أنني سمعت هذا السؤال مرارًا، أجبتُه بهدوء:
“من الشمال.”
“حتى من هناك يُسحبون؟ يا للعجب.”
كان الشمال يشير إلى شمال قارة البشر تريير، وهي إجابة نصحتني بها يوها من قبل.
فالشمال أرض قاحلة قليلة السكان، ويعيش فيها أناسٌ ذوو شعرٍ داكن قريب من السواد مثلي.
على أي حال، لم يسأل هانز المزيد، وأشار إليّ بالصعود إلى المسرح.
“غنّي.”
* * *
في عمق ليلةٍ حالكة، وتحت وهج قمرٍ أزرق، كان المشهد داخل قاعةٍ فسيحة يلفّها البياض
بدا المبنى كأنه معبد، أرضه وأعمدته وسقفه كلّها من رخامٍ أبيض ناصع.
وكانت التماثيل المنتشرة هنا وهناك تحمل جميعها قرنين ضخمين في جباهها.
ومع تماوج ضوء القمر على الأرض البيضاء، بدا المشهد كأمواجٍ تتكسّر على شاطئٍ ناصع.
في عمق القاعة، وعلى عرشٍ مصنوع من جوهرٍ أحمر، كان رجلٌ يجلس مغمض العينين بلا حراك.
وعلى شعره الذهبي المختلف عن بقية العفاريت، كانت تلمع قرنان فضيّان كبيران بوقار.
كلما مسّ ضوء القمر وجهه، ظهرت ملامح منحوتة كأنها عمل فني.
جمالٌ صاغه فنّان بروحه، لكنه جمالٌ يبعث رهبةً باردة كأنه منحوت من الجليد.
ومع مرور الوقت، وحين فتح عينيه في قلب السكون، هبط البرد على المكان دفعةً واحدة.
لم يلمع في الظلام سوى عينين زرقاوين عميقتين كهاوية لا قاع لها.
‘سأبقى إلى جانبك… أعدك.’
تردّد في أذنيه صوت فتاةٍ صغيرة، ما زال حيًّا وواضحًا كما لو كان بالأمس، فرفع يده المتعبة وغطّى عينيه.
‘ذاكرة العفاريت لعنة.’
تمتم في داخله بهدوء.
كلما كانت الروح أقوى، استحال محو الذكريات المنقوشة فيها مهما طال الزمن.
تلك الذكريات أرهقته، وآلمته، وأشعلت غضبه، وفي النهاية جعلته يعيش من أجلها وحدها.
أن يعيش الإنسان وهو يتطلع إلى شيءٍ لا أمل فيه ولا رجاء… يا لها من حياةٍ عبثية.
التعليقات لهذا الفصل " 4"