𑁍 الفصل 11 𑁍
هل يوجد من يُسأل “هل سرقت؟” فيُجيب بنعم؟
قرابة عشرين شخصًا كانوا يجلسون أمامي هزّوا رؤوسهم جميعًا نفيًا، مؤكدين براءتهم.
بعضهم انفجر بالبكاء متوسلًا أن يُصدَّق.
وحين جاء دوري، نهضت بهدوء وتقدّمت نحو العفريت.
لكن، وعلى خلاف توقّعي بأن يوجّه إليّ السؤال نفسه، ظلّ الجندي العفريتي يحدّق في وجهي طويلًا، ثم استدعى شخصًا آخر إلى جانبه وهمس في أذنه بشيء ما.
“أيتها الإنسانة، اتبعيني.”
قالها بإشارة متعجرفة من يده.
التفتُّ أنظر إلى الناس من حولي، لكن وجوههم كانت تحمل الحيرة نفسها.
بعض العيون بينهم كانت تنظر إليّ بحقد كأنهم اعتبروني الجاني.
“أنا لم أسرق أي شيء…”
“اصمتِ واتبعني!”
كانت محاولة شجاعة للنطق بالحقيقة، لكنها قُمِعت فورًا ودُفِعت بقسوة.
قيّدوا معصمي بحبل خشن كلما توقفت محاولاتي للاعتراض، وشدّوه بقوة وهم يسرعون الخطى كأنهم يسوقون حيوانًا إلى المسلخ.
كنت أترنّح على وشك السقوط تحت عنفهم، من دون أدنى رحمة.
لماذا؟
بدأ الأمر بسؤال، ثم تسلّل القلق والخوف قبل أن يتحوّل إلى غضب عارم.
لماذا بحقّ خالق السماء! ماذا فعلت؟ ما الذنب الذي ارتكبته أنا؟!
فرغ رأسي من كل شيء.
ضاقت نفسي، وغرست أظافري في راحتي بقوة.
لا بدّ أن هناك سوء فهم.
أنا مجرد مسافرة، لا علاقة لي بما قيل إنه سُرق.
لكن… هل سيصغون أصلًا إلى احتجاجي؟
حين أيقنت أنهم لن يصدّقوا كلمة واحدة مما أقول، خيّم الظلام أمام عيني.
خشيت أن تكون هذه نهاية رحلتي، فانهمرت الدموع.
لا، ليس هنا.
لا يمكن أن ينتهي كل شيء بهذه الطريقة.
* * *
دق… دق…
كانت عجلات عربة شحن رديئة تتخبّط، فتتأرجح معها جسدي يمنة ويسرة.
كنت مقيّدة مطروحة داخل العربة المظلمة الخانقة التي لا ينفذ إليها بصيص نور.
لا أعلم كم مرّ من الوقت.
في ذلك اليوم اقتادوني من قرية المنطقة العاشرة وزجّوا بي قسرًا داخل هذه العربة.
صرخت مرارًا أن لا علاقة لي بالأمر، وطرقت الباب متسائلة عن سبب اعتقالي، لكن لم يأتِ أي رد.
حدّقت بفراغ في الظلام الذي بدأت أعتاده.
“هل أنا خائفة؟“
سألت نفسي بصوت خافت، فهزّ قلبي رأسه اعترافًا.
ممَّ أخاف؟ من أن يُؤخذ بي وأنا موضع شبهة لأُقتل بوحشية؟
لا.
هززت رأسي نفيًا.
ليس الموت ما أخشاه.
أخاف أن تنتهي هذه الرحلة، رحلة راحتي التي لم أقطع فيها سوى خطوات قليلة.
أخاف أن تُحبس روحي هنا إلى الأبد.
واصلت العربة سيرها أيامًا وليالي بلا توقّف.
عند وقت الطعام، كانت قطعة لحم تُرمى عبر باب يُفتح لوهلة.
أما قضاء الحاجة، فلم يكن أمامي سوى مرحاض بدائي في زاوية العربة.
كان المكان قذرًا، لكن لم يكن لي ترف الاعتراض.
كانت العربة تتجه شرقًا، لا غربًا حيث أردت الذهاب.
ظللت أتوسل أن تتوقف، أن تتوقف هذه العربة التي تجرّني نحو الجحيم طوال اليوم.
دعوت بلا عدّ.
كلما تقدّمنا شرقًا، اشتدّ الضيق في صدري.
عاد السعال الذي ظننت أنه تحسّن.
وبعد نوبات متتالية خانقة، اندفع الدم من فمي أخيرًا فأغمضت عيني.
حتى وأنا مغمضة العينين، لم تعد ترتسم بوضوح وجوه من عرفتهم على الأرض.
كم سنة عشت مع والديّ؟ لقد طمسَت سنوات هذا العالم ملامح من أحببتهم حدّ الموت.
كنت أعرف شكل عيني أمي، وفم أبي… ومع ذلك، كأن ستارًا أبيض أُسدل على ذاكرتي، فلم تعد وجوههم واضحة.
كلما حاولت التذكّر، ازدادوا بُعدًا.
بحثت بيأس، ركّبت شذرات الذكريات، لكنني لم أستطع حتى الإمساك بطرف ظلّهم، فعضضت شفتي وانهمرت الدموع.
وحين تلاشى إحساسي بالزمن تمامًا، توقفت العربة أخيرًا بعد رحلة طويلة.
أبيض… أبيض كالثلج.
كان البياض ساطعًا إلى حدّ يؤلم العين.
حدّقت بذهول في قلعة هائلة أمامي.
“معبد العفاريت…”
همستُ بالكاد، فتلاشى صوتي في الهواء البارد.
لا شكّ أنه معبد العفاريت الذي سمعت عنه مرارًا، بل قصر الملك نفسه، الأكبر والأجمل بينها جميعًا.
مكان أبيض جميل، كأنه منحوت من العاج.
“اتبعيني!”
لم أكد ألتقط أنفاسي بعد النزول من العربة حتى جُررت إلى داخل القصر.
أغمضت عيني بقوة غير راغبة في رؤية قدميّ المتعثرتين.
كنت أمشي في الظلام، في الفراغ.
ثم فجأة، أُلقي بجسدي أرضًا.
وحين فتحت عيني، لم يعد الجنود العفاريت هناك.
غرفة بيضاء جميلة.
كانت الغرفة التي أجلس فيها ناصعة البياض كما كان القصر، أثاث أبيض، جدران بيضاء، سقف أبيض، ستائر بيضاء، خزف أبيض… كل شيء أبيض.
مددت يدي أتحسس السجادة الفروية الناعمة على الأرض.
كان ملمسها كغزل البنات.
لماذا أنا هنا؟
هيئتي القذرة الرثّة لا تنسجم مع هذا المكان إطلاقًا.
وحين نهضت فجأة، انفتح الباب بقوة.
كنّ نساء.
نساء من العفاريت يرتدين جميعًا لباسًا أبيض متطابقًا.
وبلا كلمة، اقتدنني إلى حمّام في زاوية الغرفة.
كانت نظراتهن الباردة توخزني.
لديّ أسئلة لا تُحصى: أين أنا؟ لماذا أُحضرت إلى هنا؟ لكن حلقي كان مغلقًا، ولم أستطع النطق بحرف.
كنت أعلم أنهن لن يجيبن.
أهو برد؟
ربما.
كان لهنّ رائحة شتاء.
بيدين باردتين نزعن ثيابي، وأدخلنني في ماء دافئ.
صببن زيتًا عطريًا ذا رائحة زهور قوية، وغسلنني بعناية.
لم تكن لمساتهن مؤلمة كلمسات الجنود، لكنها كانت عملية بحتة، كأنهن ينظفن غرضًا ثمينًا.
ومع انسياقي الصامت بين أيديهن، وجدت نفسي وحيدة من جديد.
نظرت إلى المرآة.
بدا انعكاسي نظيفًا، أرتدي ثوبًا أبيض ناصعًا كالغرفة.
قماشه فاخر، ناعم كأنه حرير.
رفعت ذراعي بهدوء، فانسلّ القماش على طول ذراعي النحيلتين.
انسدل شعري الأسود حتى خصري، وبدا سواد عينيّ وشعري غريبًا وسط هذا العالم الأبيض.
لمست حاجبيّ المرتّبين، ومنحت الشفاه القرمزية التي وضعوها لي بعض الحيوية لوجهي الشاحب.
وقفت طويلًا أمام المرآة أحدّق في نفسي بلا تفكير.
‘…ماذا أفعل هنا؟‘
سألتني صورتي المنعكسة في المرآة.
حرّكتُ شفتيّ بخفة.
لا أعرف.
دفنتُ وجهي بين كفّيّ الصغيرتين الخشنتين.
سأجنّ… سأفقد عقلي.
لا أفهم شيئًا، لا أفهم ما الذي يحدث.
طَقّ… طَقّ.
كان الباب موصدًا بإحكام، لا ينفتح، وكنت وحدي.
ليست الوحدة هي المشكلة.
المشكلة أنني لا أعرف لماذا أنا هنا.
“يريدون أن يُميتوني جوعًا…”
جاؤوا بي إلى هنا ليتركوني أذبل حتى أتفتّت مع أول لمسة، إلى أقصى الشرق، ليقتلوني ببطء.
تسللت الدموع التي كنت أكتمها قطرةً قطرة.
لا أعرف من أنا، ولا لماذا أنا هنا، ولا ماذا عليّ أن أفعل.
أسندتُ رأسي إلى ركبتيّ، وراحت دموعي الحارّة تبتلّ بها قطرة بعد قطرة.
دَقّ.
كم من الوقت مرّ؟
بعد زمن طويل، فُتح الباب الذي ظننت أنه لن يتحرّك أبدًا.
دخل الشخص نفسه الذي فتح الباب الأبيض السميك وحبسني هنا.
رفعتُ رأسي فزِعة عند صوت الباب، فرأيت عفريتًا يبعث على الهيبة بمجرد النظر إليه: شعر ذهبي متلألئ، قرنان فضيّان يشقان السماء علوًّا، وتلك العينان…
هل رأيتُ هاتين العينين من قبل؟
“كيف تجرؤين على الإساءة إلى جلالته…!”
ما إن صرخ العفاريت الآخرون ذوو الشعر الفضي الواقفون من حوله حتى انحنيتُ مذعورة وخفّضتُ رأسي.
أحسستُ بنظرات حادّة تخترق رأسي.
“من أمركِ بالانحناء؟ ارفعي رأسكِ.”
دوّى صوته البارد كأن البرودة تتساقط منه، في أذني.
“جلالتك، نجمة القدر لا يمكن أن تكون مجرد إنسانة…”
“جلالتك، أرجوك أعد التفكير! كيف لإنسانة حقيرة أن تطأ معبد الملك!”
“اصمتوا.”
على الرغم من احتجاجاتهم الصاخبة، ساد صمت ثقيل بكلمة واحدة منه.
“أترونني أحمق لا يتعرّف حتى على قرينته؟“
ومع كلماته التالية، دوّى صوت ثقيل وجثا العفاريت جميعًا على ركبهم مطأطئين رؤوسهم.
“جلالتك! اقترفنا ذنبًا يستوجب الموت.”
“نحن الوضيعون لم نجرؤ على فهم إرادة جلالتك…”
كان ارتجافهم شديدًا لدرجة أنني شعرت به ينتقل عبر الأرض إليّ.
“من قال إن هذه المرأة يجوز معاملتها باستخفاف؟“
تجمّد الهواء من شدة البرودة.
“لويد.”
“نعم) جلالتك.”
“أحضر لي جميع الجنود الذين أساؤوا معاملة امرأتي.”
“أمرك مطاع.”
سمعتُ وقع أقدام مسرعة تغادر الغرفة.
كنتُ أتمتم بكلماته عاجزة عن فهم ما يجري.
جلالته… نجمة القدر… القرينة… امرأتي…
ما معنى كل هذا؟
“اخرجوا.”
بصوته المهيب، نهض العفاريت الذين كانوا راكعين وغادروا الغرفة على عجل.
أُغلق الباب بحذر، ولم يبقَ سوى هو وأنا، وحدنا.
“…ارفعي رأسكِ.”
كان صوته هذه المرة أهدأ قليلًا، مختلفًا عن نبرته مع العفاريت كأنه يهدّئني.
“هيا.”
وحين واصلتُ النظر إلى الأرض، جثا أمامي.
امتدت أصابعه ببطء ولمست وجهي.
أصابع طويلة أنيقة نظيفة بيضاء كأنها لم تمسّ قذرًا قط طوال حياتها.
مرّر أطرافها الباردة ببطء على خدي، ثم أمسك بذقني برفق.
شدّه قليلًا رافعًا رأسي.
لم أستطع المقاومة.
كأنني مسحورة، انقدتُ ليده ورفعتُ رأسي ببطء.
كان رجلٌ ذو شعر ذهبي قصير متلألئ يحدّق فيّ بعمق.
القرنان الفضيّان اللامعان المرتفعان فوق رأسه كانا باعثين على الرهبة.
في الصمت، نظرتُ بثبات إلى عينيه الزرقاوين.
من أنت؟ ولماذا كلما نظرتُ إلى عينيك، شعرتُ كأنني التقيتك في مكان ما منذ زمن بعيد؟
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 11"