𑁍 الفصل 10 𑁍
“هل هناك ما يحدث؟“
على غير المتوقع، كانت يوها سريعة الملاحظة؛ أمسكت بطرف ثيابي بعينين مضطربتين.
“…لا.”
ابتسمتُ ابتسامة خفيفة عند طرف عيني.
بدا أنها لا تصدّق كلامي، ففتحت فمها لتتحدث مراتٍ عدة، لكنني حين شددتُ على يدها بقوة، أغلقت فمها بعد تردد.
“آسفة.”
حين تذكرتُ الحديث الذي دار بيني وبين يوها قبل أيام، فتحتُ فمي بهدوء.
‘آسفة… أنا آسفة.’
تردّد صوتي في الغرفة الهادئة التي لا أحد فيها سواي.
ربما كانت قد لاحظت بالفعل.
يوها ذاكرتها جيدة؛ قد تكون تذكّرت كل ما قلته، وقد تكون عرفت أنني سأغادر، وأنني متجهة إلى الغرب.
كنتُ أتمتم مرارًا وتكرارًا باعتذارٍ لا أستطيع قوله لها وجهًا لوجه.
الفراق بحد ذاته حزين، وربما يختلف الثقل الذي يتحمله الراحل عن ذاك الذي يقع على من يبقى، لكن لم يكن بيدي شيء.
كان عليّ أن أكون أكثر أنانية.
ما دمتُ أعيش حياةً محدودة الأجل، فليس سيئًا أن أكرّس ما تبقى من وقتي لنفسي وحدي.
بل ربما يكون ذلك هو الخيار الأفضل.
هكذا عزّيت نفسي وأنا أرتّب أمتعتي بحذر.
حتى وقت قريب، كان لا يزال يتبقى شهر كامل، لكن ابتداءً من اليوم اكتملت المدة المتبقية، وصار عامًا كاملًا.
حتى في هذا المكان الذي كان كالجحيم الذي لا نهاية لعذابه، بلا مساحة ولا زمن، كان الوقت يواصل جريانه.
عامٌ كامل… عامٌ كامل.
وأخيرًا، جاء يوم الرحيل.
كتبتُ رسائل إلى يوها وهانز، لأن هناك كلماتٍ لا يمكن قولها شفهيًا.
لو قلت فجأة إنني سأرحل، فمن سيفهمني؟ وحتى لو فهم، هل سيتركني أرحل بسهولة؟ على الأقل كان هانز سيعارض بشدة أو يغضب، وربما يحتجزني ويراقبني كي لا أغادر.
“أنا آسفة، لديّ ظروفٌ اضطرّتني إلى الرحيل.”
نظرتُ طويلًا إلى الرسالة التي كتبتها لهانز، المليئة بعباراتٍ نمطية.
كانت الكلمات تحمل معنى، لكنها لا تحمل قلبي.
متى أصبحتُ هكذا؟ مع أن هانز كان ربّ عملٍ لا بأس به، فإن ظروفه لم تعد تهمني.
طويتُ الرسالة الموجهة لهانز ووضعتها على السرير، وبجانبها وضعتُ رسالةً أخرى ليوها.
لم أعد أفتح رسالة يوها؛ شعرتُ أنها تحمل قلبي فعلًا، وخشيتُ أن أبكي.
ارتديتُ غطاء المسافرين السميك وشددتُ على ظهري حقيبةً ممتلئةً بكل شيء.
حان الانطلاق.
رحلةٌ من أجل ما تبقى من حياتي، ومن أجل راحتي الكاملة.
سرتُ مسرعة في شوارع الفجر الداكنة الزرقة، ولا يزال شروق الشمس بعيدًا.
لم يكن الخروج من الحانة صعبًا؛ فالجميع هناك كانوا غارقين في نومٍ عميق ولم يكن ثمة ما يمنعني.
منذ أن تناولتُ الدواء الذي مرّره أَسْهان بفمه، تحسّنت حالتي الجسدية تحسّنًا ملحوظًا.
كان السعال الخفيف يهاجمني أحيانًا، لكنه كان عابرًا وقصيرًا ولم أعد أتقيأ دمًا.
لكن لم يكن في وسعي الاطمئنان.
ربما كان مجرد طورٍ كامن.
كما لا أحد يعلم متى تضرب العاصفة بحرًا هادئًا، لا أحد يعلم متى ينفد مفعول الدواء.
“هاه…”
تلاشى زفيرُي المتصاعد في هواء الفجر.
وبينما أتابع السير، فتحتُ الخريطة التي نظرتُ إليها عشرات المرات من قبل.
كان عالم العفاريت المقسّم إلى مئة منطقة، شاسعًا للغاية.
لحسن الحظ، لم تكن المنطقة الثامنة التي أنتمي إليها بعيدةً جدًا عن المنطقة الخامسة والعشرين الواقعة في أقصى غرب القارة.
عبور القارة من طرفٍ إلى طرف أمرٌ مهول، لكن المسافة التي سأقطعها لا تتجاوز ربعها.
كنتُ أنوي المرور بحذر ولكن بسرعة عبر القرى التي يتجمع فيها البشر بين حينٍ وآخر.
وقد ادخرتُ راتب عامٍ كامل، فلم يكن المال مشكلة.
رغم أنها مجرد إشاعة، قيل إن شخصًا ما قطع الطريق من المنطقة الثامنة إلى البوابة الغربية في ثلاثة أشهر فقط.
صحيح أنه ما إن وصل البوابة حتى اندلعت النيران وقُتل بوحشية، لكن مع ذلك…
وبينما كانت عيناي مثبتتين على الخريطة، استدرتُ عند زاوية—
طَق.
أمسك أحدهم بذراعي من الخلف.
فزعتُ وأسقطتُ الخريطة، ثم استدرتُ على عجل.
هوف—
داعبت أنفي رائحةٌ تشبه الريح.
شعرٌ فضيّ ممزوجٌ بالبنيّ لمع بزرقةٍ في ضوء الفجر.
كان أَسْهان.
كانت يده الباردة الخشنة تقبض على ذراعي.
“…..!”
متى؟
متى جاء؟
متى رآني؟
ساد ارتباكٌ ثقيل وتدفّق صمتٌ غريب بيننا.
عضّ شفتيه بهدوء.
حدّقتُ في الذراع الممسكة بي؛ كانت مفاصل يده قد ازدادت طولًا وسُمكًا، مع أن أيامًا قليلة فقط قد مرّت.
رفعتُ يدي بهدوء وبدأتُ أفكّ أصابعه واحدًا تلو الآخر.
واحدًا… واحدًا.
وخلال نزع تلك الأصابع الباردة، لم أسمع سوى أنفاسه المكبوتة.
وحين أفلتت يده أخيرًا، التقطتُ الخريطة على عجل ومضيتُ.
لكن قبل أن أقطع ثلاث خطوات، أمسك بي مرة أخرى بقوة وأوقفني.
“…….”
لم أستدر.
كانت يده القابضة على ذراعي تبدو كأنها تتوسّل.
وعندما بدأ البرد يتسلل من كفه إلى ذراعي، فتحتُ فمي الجاف.
“اتركني.”
تبعثر صوتي المتشقق في هواء الفجر.
“…لا تذهبي.”
شدّتني نبرته المفعمة بالتوسل.
تمتم مرة أخرى بصوتٍ واهن “لا تذهبي.”
قبضتُ يدي بقوة.
لم أعد أعرف.
هو الذي يتوسّل إليّ ألا أذهب، وهذا الموقف، وكل شيء… كان ثقيلًا ومرهقًا.
كان عليّ أن أرحل.
“…وداعًا.”
قلتُ كلمة الوداع ولوّيتُ ذراعي بقوة فانهارت قبضته ببطء.
لم يمسكني مرة أخرى.
تابعتُ السير على عجل كأنني أفرّ، وحين تجاوزتُ المنطقة الثامنة تمامًا، كان الفجر قد انبلج.
تحوّل السماء الزرقاء الداكنة إلى خُضرةٍ خفيفة، ثم إلى اصفرار قبل أن تطلّ الشمس الحمراء رويدًا.
ومع حلول الظهيرة، ستغدو بيضاء ساطعة لا يُحدّق فيها.
توقفتُ قليلًا ونظرتُ إلى السماء.
يوها… وكل أهل هذا المكان… لن ألتقيهم مجددًا.
وجوهٌ سأشتاق إليها، وأخرى قد لا أشتاق… لكن المؤكد أنني لن أراها مرة أخرى.
أغمضتُ عينيّ وأخذتُ نفسًا عميقًا لأخفف وطأة الندم الذي لن يزول.
ظلّ أَسْهان الذي قال لي لا تذهبي يشغل بالي، لكنني حاولتُ سريعًا طرد أفكاري عنه.
ومع عودتي للسير، مددتُ يدي نحو الشمس الحمراء كأنني أحاول الإمساك بحرارتها التي تناقض برودة أَسْهان وضممتُها على شكل قبضة.
ليت البداية الجديدة لا تكون باردة.
وليكن طريق ذلك الطفل الذي سيبقى ويعيش من جديد… دافئًا أيضًا.
أما قوله إنه سيعطيني كل شيء…
فكانت كلماتٍ أكبر مما أستحق.
* * *
【2. الشِّباك】
كان قد مضى على بدء رحلتي أكثر من أسبوعين.
انطلقتُ من المنطقة الثامنة التي كنتُ أنتمي إليها، ومررتُ بالمنطقة الرابعة حيث كانوا يبنون معبدًا ضخمًا، وها أنا الآن في المنطقة العاشرة.
وعندما رأيتُ لافتة تشير إلى وجود قرية للبشر غير بعيدة، طويتُ الخريطة وأدخلتها في صدري.
لم أصل إلى قرية البشر في المنطقة العاشرة إلا مع حلول المساء.
وكانت مقارنةً بقرى المنطقة الثامنة أصغر بكثير.
من المفترض أن يتصاعد الدخان من مداخن البيوت في هذا الوقت، لكن القرية كانت ساكنة على نحوٍ مريب.
‘…ما الذي يحدث؟‘
كان الأمر غريبًا.
كبحتُ القلق الخفيف الذي بدأ يتسلل إليّ، وسرتُ في الشارع المظلم الغارق في الصمت.
هل وقع أمرٌ ما؟
ومع ذلك، لم يكن بوسعي أن أتجاوز القرية هكذا فحسب.
كنتُ بحاجة إلى مكان أستريح فيه.
فتقدّمتُ بحذر نحو حانةٍ تقوم أيضًا مقام نُزُل.
كِييك—
عندما فتحتُ الباب ودخلتُ إلى حانة الطابق الأول، كان المكان مكتظًا بالناس، لكن لم يلتفت إليّ أحد.
ترددتُ قليلًا، ثم خفّفتُ وقع خطواتي واتجهتُ إلى طاولةٍ صغيرة قرب الباب.
كان جميع من في الحانة يرفعون كؤوسهم بصمت، ووجوههم ملبّدة بالكآبة.
اقتربت منّي امرأةٌ مسنّة لتأخذ الطلب، وما إن رأت وجهي حتى تمتمت بإنهاك:
“…يبدو أنكِ مسافرة.”
أومأتُ برأسي بخفة وسألتُ بهدوء:
“هل هناك… ما حدث؟“
“عائلةٌ كاملة أُعدِمت قبل أيام على يد العفاريت.”
تمتمت المرأة بصوتٍ خافت وهي تكبت حزنها.
‘إعدام؟‘
تساءلتُ إن كانت الكلمة التي أعرفها هي ذاتها المقصودة.
فالعفاربت في الغالب لا يلطخون أيديهم بدماء البشر.
ليس فقط لأنهم يعدّون دم البشر نجسًا، بل لأنهم لا يستمتعون بإيذائهم أو تعذيبهم بلا سبب.
ما لم يُلحِق البشر أذًى مباشرًا بالعفاريت، فإنهم لا يتدخلون في شؤونهم.
وحين رأت الارتباك على وجهي، أضافت المرأة تفسيرًا واهنًا:
“يُقال إن ربّ تلك الأسرة… سرق شيئًا يخصّ العفاريت. شيئًا مهمًّا للغاية…”
إلى أي حدٍّ يكون الشيء مهمًّا حتى يُقتل الجميع؟
“ولم يعثروا على المسروق بعد. لذلك لم يهدأ غضبهم بعد… ولا أحد يعلم من سيكون الضحية التالية…”
استمعتُ إلى كلامها بصمت، ثم طلبتُ كأسًا من الشراب ذاته الذي يشربه الآخرون.
كان بطني الخاوي يطالب بالطعام، لكنني لم أجرؤ على إشباع جوعي أمام أناسٍ أنهكهم الحزن حتى عجزوا عن ابتلاع لقمة.
وأنا أعبث بالكأس البارد، أخذتُ أفكر بهدوء.
هل يوجد سارق حقًا؟
لم يدم الشك طويلًا.
فالعفاريت وإن كانوا متغطرسين وأنانيين، لا يستمتعون بالقتل دون سبب.
ومنذ أن استوطن البشر هنا، لم تُسجَّل حادثة خطيرة واحدة.
إذًا، أين السارق؟ هل كانت العائلة المقتولة هي السارق؟ أم أنه غادر المكان بالفعل؟
أيا يكن الأمر، فقد كان قاسيًا فقط على من بقوا خلفهم.
وبينما أطلقتُ زفرةً وأغمضتُ عينيّ، دوّى صوتٌ هائل—كوااانغ—كاسرًا الصمت، ودخل شخصٌ ما الحانة.
كواكوانغ!
كان الداخلون مدجّجين بالسلاح… إنهم العفاريت.
وبصوتهم البارد المميّز، صرخوا في وجوه أهل القرية المذعورين:
“انهضوا جميعًا حالًا واتبعونا!”
ومن دون أن يفهم أحد ما يجري، تحرك الجميع بخوف يقودوهم جنود العفاريت.
لم أكن استثناءً.
خطر لي لوهلة: “يا لسوء الحظ“، لكنني أغلقتُ فمي حين رأيتُ الناس يُسحبون من أنحاء القرية.
أينما ذهبتُ، كان سيُقبَض عليّ على أي حال.
كان ميدان القرية مضاءً بسلسلة من المشاعل الضخمة حتى كاد يعمي الأبصار.
امتلأت الوجوه بالحيرة والقلق.
وبأمرٍ من العفاريت، جلس الجميع على ركبهم، متلاصقين ورؤوسهم منحنية إلى أرض الساحة.
“ارفعوا رؤوسكم جميعًا! سيخرج واحدٌ تلو الآخر!”
وبتوجيهٍ من عفريت جندي، نُودي على الناس فردًا فردًا، صغارًا وكبارًا، رجالًا ونساءً.
“هل أنتَ من سرق؟“
“لا… لا! أبدًا، لم أفعل!”
كانوا يحدّقون في كل شخص على حدة بنظراتٍ ثاقبة، ولا يكررون سوى السؤال نفسه:
“هل سرقت؟“
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 10"