4
الفصل 4
جلستُ على مقعد أمام البحيرة. كان مكاناً أكثر هدوءاً وراحة من المكتبة.
“آه…”
“هل تشعرين بالوخز؟”
توقف اللورد عن الحركة. كان يضع الدواء على ذراعي ثم توقف لينظر إليَّ.
“أ-أستطيع الاحتمال.”
“أخبريني إذا كنتِ تتألمي.”
تحركت يده مرة أخرى. كانت لمساته لجرحي أكثر حذراً من أي وقت مضى؛ حتى ليظن مَن يراه أنه يفكك عبوة ناسفة. وبسبب ملامحه الجادة والمركزة، لم أتمكن من منع نفسي من الابتسام.
“آخ.”
ومع ذلك، يظل الألم ألماً.
بعد الانتهاء من وضع الدواء، غطى اللورد الجرح بضمادة وشريط طبي. لم تكن حركاته غريبة، بل بدا وكأنه خبير في هذا الأمر. أعجبتُ في سري بمدى إتقانه لتثبيت الضمادة.
“شكراً لك، أيها اللورد.”
“ضعي الدواء بانتظام، وإذا آلمكِ الجرح فاذهبي للمشفى، فقد يترك أثراً إذا كان عميقاً.”
“نعم، لن أنسى وضعه.”
تفحصتُ الأدوية التي اشتراها اللورد؛ معقمات، كحول، بيروكسيد الهيدروجين…
“وإذا عاد أولئك الأوغاد مجدداً، فأخبريني.”
هل يقصد المتظاهرين؟
“أخبرك أنت؟”
“سأتولى أنا أمرهم.”
“أليس هذا من اختصاص الشرطة عادة؟”
“الجيش يفعل ذلك أيضاً.”
‘إذن ماذا تفعل الشرطة؟’ أردتُ قول ذلك، لكني كتمته بصعوبة.
نظرتُ إلى البحيرة الشاسعة. بسبب جدولي المزدحم دائماً، لم أجد وقتاً للجلوس والاستمتاع بمثل هذا المنظر. كم مضى من الوقت منذ أن حظيتُ بلحظة هدوء كهذه؟
في هذه الأثناء، ربما يقبع المدير في المكتبة وهو يقضم أظافره بانتظاري… لكن هل عليَّ الاهتمام؟ إذا سألني أين كنتُ، سأتعذر بأنني كنتُ في مركز الشرطة.
“أرجوكِ، أخبريني بالتأكيد.”
أمام نبرته الحازمة، لم أجد بداً من الإيماء برأسي. حينها فقط، ارتخت ملامح وجهه المتصلبة.
“لقد أثقلتُ عليك.”
“بل كنتِ رائعة، يا فيفي.”
“…”
“لقد سُعدتُ قليلاً برؤية جانب جديد منكِ، رغم أنني غاضب بسبب إصابتكِ.”
انتهى الحديث عند هذا الحد. ساد الصمت لفترة، فقلت:
“ما حدث اليوم… أرجو أن تنساه.”
بالتفكير في الأمر، لم يكن هناك سوى مواقف محرجة؛ سقطتُ أمامه، والأدهى أنني رفعتُ صوتي أيضاً.
“أظنني سأتذكر ذلك طوال حياتي.”
كان صوته يحمل نبرة ضحك. عندما حدقتُ فيه بحدة، انفجر ضاحكاً بصوت مسموع. كان ضحكه صافياً وعذباً لدرجة أن غضبي البسيط تلاشى فوراً.
“فيفي.”
لقد كان اللورد يبدو كلوحة فنية حتى وهو يضحك فقط. أُعجبتُ مجدداً بوسامته.
شعر أسود مصفف بعناية وعينان رماديتان. وبسبب قتامة لونهما، كانت ملامحه تبدو أكثر حدة ووضوحاً.
يداه الطويلتان والنحيفتان كانتا أنعم من يدي امرأة.
ويبدو أنه يهتم بجسده كثيراً، فقد كان كتفاه الأعرض بين الرجال الذين رأيتهم. وبينما كنتُ أنظر لكتفيه، وقع نظري على صدره المتخفي تحت القميص.
كان من السهل تخمين مدى قوة بنيته؛ فالقميص بدا وكأنه يكافح لاحتواء الجزء العلوي من جسده، وبدا القماش مشدوداً بشكل مجهد.
“… فيفي.”
“آه، أ-أنا آسفة. الأمر هو… لا بد أنك تسمع هذا كثيراً، لكنك حقاً وسيم جداً.”
شعرتُ أنني قلت شيئاً بديهياً ومبتذلاً.
وعندما لم يبدِ أي رد فعل، رفعتُ رأسي ببطء. يا للغرابة، تعبير اللورد الذي توقعتُ أن يكون هادئاً، كان متصلباً بعض الشيء.
“أيها اللورد؟”
بسبب حالته الغريبة، قربتُ وجهي منه. وبسبب اقترابي المفاجئ، أدار اللورد رأسه بعيداً بسرعة، فلاحظتُ احمرار شحمة أذنه تماماً.
“بل أنتِ يا فيفي.”
انفرجت شفتا اللورد قليلاً.
“لطالما كنتِ جميلة دائماً.”
بكلمته تلك، شعرتُ بحرارة تسري في جسدي ووجهي. وبسبب ارتباكي الشديد مثله، لم أستطع الرد وظللتُ أتفتف بكلمات غير مفهومة.
“كلما نظرتُ إليكِ، كنتُ أفكر دائماً في هذا.. أنكِ جميلة للغاية.”
“…”
“شعركِ البني الفاتح، وعيناكِ الزرقاوان، كل شيء.”
لقد حسم الأمر بتلك الكلمات. تذكرتُ نظراته التي كانت تلاحقني في المكتبة؛ هل كانت تلك النظرات الثابتة تحمل مثل هذه الأفكار طوال الوقت؟
هذا… كان غريباً.
رغم أنني لا أصل لجماله، إلا أنني كنتُ أسمع كلمات المديح كنوع من المجاملة دائماً.
لكن صوته الآن جعلني أتوهم حقاً بأنني أجمل امرأة في العالم. صوته ونظراته يجعلان المرء يقع في فخه حتى وهو يعلم الحقيقة.
دنغ.
دقت الساعة في البرج لتعلن اكتمال الساعة.
“هـ-هل ننهض الآن؟”
جمعتُ الأدوية ونهضتُ من مكاني، فتبعني اللورد.
“هل ستعود إلى المكتبة أيضاً؟”
أومأ برأسه. ترددتُ قليلاً قبل أن أفتح فمي مجدداً:
“أراك تأتي للمكتبة كثيراً هذه الأيام. يبدو أنك تحب الكتب.”
طرحتُ السؤال الذي أردتُ سؤاله دائماً. قلتُه بطريقة غير مباشرة، لكن المعنى كان: لماذا تأتي للمكتبة كل يوم؟ انتظرتُ إجابته بهدوء.
“أحبها.”
أجاب اللورد بعد صمت قصير. كانت إجابة قصيرة لكنها حازمة، فحبستُ أنفاسي للحظة.
منذ قليل، أشعر أن حرارة قلبي ترتفع تدريجياً.
تسارعت نبضاتي حتى صار التنفس صعباً.
تصلب جسدي لدرجة أن المشي أصبح شاقاً. بدأتُ ألوم الطقس المشمس في سري وحاولتُ إجبار شفتيَّ على الابتسام.
“أقصد الكتب،” أضاف اللورد بعد لحظة.
“آه.. آها.. تقصد الكتب.”
‘إذن اللورد يحب الكتب حقاً.’
عندما ضحكتُ بتكلف، ابتسم هو أيضاً وهو ينظر إليّ.
هل كان يسخر مني الآن؟ في لحظة كان يبتسم، وفي اللحظة التالية كان يمشي بوجه جاد وكأنه لم يفعل شيئاً.
“ومع ذلك، لستُ آتياً إلى المكتبة من أجل الكتب فقط.”
“نعم؟”
“ولكن، ألسنا متأخرين؟”
لقد سخر مني حقاً!
بسبب خيبة الأمل، تلاشت القوة التي كانت تشد جسدي. ونظر إليّ اللورد قائلاً بكل براءة:
“من الأفضل أن نسرع الخطى، يا فيفي.”
***
بعد مرور ثلاثة أيام، كانت المكتبة لا تزال مزدحمة.
وبصفتي الأصغر، توليتُ كل أنواع المهام الجانبية.
على سبيل المثال، إعداد القهوة للمدير كل صباح، أو الذهاب لإحضار الشطائر والمخبوزات للجميع وقت الغداء إذا كان العمل مكثفاً.
لكن هذه كانت مهام سهلة نسبياً. أصعب ما في الأمر هو نقل تلك الكتب الثقيلة إلى المخزن وترتيبها بين الحين والآخر.
“فيفي.”
بمجرد خروجي من قاعة المطالعة حاملاً صندوقاً، ظهر اللورد.
لم يكتفِ بالمجيء يومياً، بل صار يعرف كل تفاصيل عملي. بالأمس حمل الصندوق عني، واليوم ظهر كالعادة ليختطفه مني.
رغم أن هذا مريح، إلا أنني قلقتُ من نظرات من حولي. تفقدتُ الرواق الهادئ ثم تبعتُ اللورد الذي توجه نحو المخزن بشكل طبيعي.
“ليس عليك مساعدتي!”
قلتُ هذه الجملة بالأمس، وأظنني قلتها أول أمس أيضاً.
“لا بأس.”
هذه الإجابة أيضاً سمعتها من فم اللورد كوستانس بالأمس.
“بل بأس شديد!”
“هذا الصندوق ثقيل جداً عليكِ يا فيفي.”
“… هذا صحيح، ولكن.”
لا يمكنني الاعتماد عليه للأبد. حتى لو أخذ الصندوق، كان عليَّ على الأقل سحب بعض الكتب منه لأحملها أنا. لا يمكنني البقاء مكتوفة الأيدي هكذا.
“آه!”
وكأنه أدرك ما أنوي فعله، رفع اللورد الصندوق عالياً.
“أيها اللورد.”
“فيفي.”
لم يتنازل أي منا للآخر.
وبسبب العناد، مددتُ ذراعي بكل قوتي، وكلما فعلتُ، رفع اللورد الصندوق أكثر. ومع استمرار هذه المناوشة، اقتربت أجسادنا من بعضها. أدار اللورد ظهره لي لكي لا أتمكن من استعادة الصندوق، ونتيجة لذلك، وجدتُ نفسي أعانق ظهره بقوة.
عندما استعدنا وعينا، تلاقت أعيننا. كان المشهد، لمن يراه، يبدو كعاشقين في خضم شجار رومانسي.
طق طق.
في تلك اللحظة، طرق أحدهم النافذة المجاورة لنا مباشرة. اتجهت نظراتي ونظرات اللورد تلقائياً نحو مصدر الصوت.
خلف النافذة، كان هناك ثلاثة رجال لا أعرفهم، يبتسمون بخبث.
“يا للهول!”
“أيها اللورد!”
من شدة المفاجأة، أسقط اللورد الصندوق من يديه، فحدث ضجيج عالٍ. لحسن الحظ، لم يصل الصوت إلى قاعة المطالعة، فلم يخرج أحد ليتفقد الأمر.
“أيها اللورد، هل تضررت؟ هاه؟”
رغم دهشتي من ظهور أولئك الرجال، إلا أنني قلققتُ من أن تكون الكتب المتناثرة قد أصابت قدم اللورد.
لكن اللورد لم يكن ينظر إلى قدمه، بل كان ينظر إلى الرجال خلف النافذة الذين كانوا يلوحون بأيديهم بحماس. هل هم معارفه؟
قطب اللورد حاجبيه بشدة.
“… اللعنة.”
شككتُ في سمعي عند سماع تلك الكلمة الخشنة من فمه لأول مرة. كان اللورد ينظر إليهم بحدة، وكأنه ينظر إلى مجموعة من المزعجين.
التعليقات لهذا الفصل " 4"