الفصل 25
“لذا، هل تعرفينَ ماذا فعلتُ بتشارلز؟”
كانَ ليو يثرثرُ بكلماتٍ مثلَ “أختي، أختي”، وكانَ في غايةِ اللطافةِ.
رغمَ أنهُ يلتصقُ بي أحيانًا كالغراءِ لدرجةِ الإرهاقِ، إلا أنَّ رؤيةَ عينيهِ الضاحكتينِ وهو يخبرُني أنني المفضلةُ لديهِ في العالمِ، تجعلُ كلَّ مشاعرِ الانزعاجِ أو التعبِ تذوبُ تمامًا.
“أختي. هل تسمعينني؟”
“بالطبعِ. إذن، هل غارَ منكَ تشارلز؟”
“أجل! تشارلز لا يستطيعُ القيامَ بالشقلبةِ الهوائيةِ مثلي!”
انطلقَ ليو يسردُ قصصًا شتّى بشفتيهِ الصغيرتينِ. وبينما كنتُ أهدرُ الوقتَ عاجزةً عن فتحِ الموضوعِ، ظهرَ إدوارد ودانيال بعدَ انتهاءِ حديثِهما.
كانت عينا دانيال محمرتينِ ومنتفختينِ من البكاءِ. أما إدوارد، فكانَ وجهُه شاحبًا.
هززتُ رأسي لهما إشارةً إلى أنني لم أفتحِ الموضوعَ بعدُ.
لو كانَ لديَّ المالُ في وقتٍ كهذا، لكنتُ أخذتُه إلى الضواحي واشتريتُ لهُ طعامًا لذيذًا قبلَ أن أبدأَ بالحديثِ.
“أختي، هل أفعلُ ذلكَ أنا؟”
“كلا. سأفعلُه أنا.”
“تفعلينَ ماذا؟ أختي، ماذا ستفعلينَ؟ أنا أيضًا! أريدُ أن أفعلَ ذلكَ! أشركوني معكم!”
تعلّقَ ليو بذراعي وهو يهتزُّ حماسًا. هدأتُ روعَه، وفي تلكَ الأثناءِ جلسَ إدوارد ودانيال أمامنا.
اجتمعتِ العائلةُ، نحنُ الأشقاءُ الأربعةُ.
أمسكتُ بذراعي ليو الصغيرتينِ والتقيتُ بنظراتِه.
لا أدري لماذا كانَ النظرُ في عينيهِ بهذهِ الصعوبةِ.
“ليو. أختكَ لديها شيءٌ لتقولَه لكَ.”
“ما هو؟ ماذا هناكَ؟”
“في الحقيقةِ…”
شعرَ ليو بالأجواءِ الكئيبةِ التي خيمت عليَّ وعلى أخويهِ.
ولأنَّ الموقفَ لم يكنْ مطمئنًا، لفَّ ذراعيهِ حولَ عنقي وارتمى في حضني.
“أحبُّكِ يا أختي.”
“آه…”
كانَ ليو يفعلُ ذلكَ ليغيّرَ الأجواءَ، تمامًا كما يفعلُ الحركاتِ اللطيفةَ ليُسكتني عندما يرتكبُ خطأً ويخشى التوبيخَ.
لم أستطع دفعَه بعيدًا، فاحتضنتُه بقوةٍ وأجلستُه فوقَ ساقيَّ.
“وأنا أيضًا أحبُّكَ.”
مزّقَ قلبي ذلكَ الدفءُ في حضني وأنفاسُ الطفلِ القصيرةُ والمميّزةُ.
لكنْ كانَ عليَّ الكلامُ.
فالزوجانِ بولدوين أرادا أخذَ ليو في أقربِ وقتٍ، والسيّدةُ ميلر قالت إنَّ إعطاءَنا مزيدًا من الوقتِ لن يؤديَ إلا لزيادةِ عمقِ الجرحِ بيننا.
كانَ جسدي يرتجفُ بشدةٍ لدرجةِ أنني اضطررتُ لشدِّ كتفيَّ وذراعيَّ بقوةٍ.
لكنني لم أستطعِ السيطرةَ على نبرةِ صوتي.
“لـ… يو. استمع إليَّ جيّدًا.”
“أوه.”
بدا ليو كأنهُ يكرهُ هذهِ الأجواءِ غيرِ المريحةِ، فأخذَ يتلوى ويحاولُ الانشغالَ بشيءٍ آخرَ.
لذا أمسكتُ بكتفيهِ بقوةٍ.
“ليو. أتعرفُ؟ لفترةٍ من الوقتِ، لبعضِ الوقتِ…”
غصَّ حلقي بالكلماتِ. شعرتُ برغبةٍ مجنونةٍ في الهروبِ.
لم يحتمل إدوارد رؤيتي هكذا فبدأَ بالكلامِ.
“لبعضِ الوقتِ…”
“لبعضِ الوقتِ، عليكَ أن تفترقَ عن أختِكَ وإخوتِكَ.”
قاطعتُ إدوارد. كانَ يجبُ أن أكونَ أنا مَن يوصلُ هذهِ الكلماتِ على الأقلِ. لا ينبغي لي إلقاءُ هذا الحملِ على عاتقِ إخوتي الصغار.
ففعلُ هذا الشيءِ القاسي، وشرحُه لليو، هو مسؤوليتي أنا.
“نفترقُ؟ لماذا؟ أنا لا أريدُ!”
سألَ ليو بوجهٍ يملؤه القلقُ. انقبضَ قلبي لرؤيتِه هكذا.
“علينا أن نفترقَ لفترةٍ طويلةٍ.”
“لا أريدُ! سأبقى معَ أختي و إخوتي!”
تعلّقَ ليو بحضني فجأةً. وانتقلَ إليَّ قلقُ الطفلِ بكلِّ وضوحٍ.
“أنا أحبُّ أختي و إخوتي! سأبقى معكم! لن أذهبَ إلى أيِّ مكانٍ!”
“ليو…”
“هييييينغ. هل تكرهينني يا أختي؟ هل كرهتِني لأنني لا آكلُ كلَّ طعامي؟ إذن سآكلُ كلَّ شيءٍ من الآنَ. حسنًا؟”
“كلا! كيفَ يمكنُ لأختِكَ أن تكرهَكَ؟ فقط، فقط…”
“سآكلُ السبانخَ والجزَرَ أيضًا ولن أتركَ منهما شيئًا. ولن أتشاجرَ معَ أخي الثاني.”
“الـ- الأمر لـ- ليسَ كذلكَ. ليو. استمع إليَّ. الأمرُ هو، لماذا يحدثُ هذا، هو أنَّ…”
وبينما كنتُ أحاولُ ترتيبَ كلماتي، تولّى إدوارد الشرحَ بصوتٍ هادئٍ: “ليو. سيكونُ لديكَ والدانِ جديدانِ.”
“أمي وأبي ماتا. هل سيعودانِ من الجنةِ؟”
تجمّدَ وجهُ إدوارد عندَ سماعِ كلماتِ ليو.
وبدا لي وجهُه في تلكَ اللحظةِ وكأنهُ قد تحطمَ.
نهضَ دانيال الذي شحبَ وجهُه تمامًا، وركضَ خارجًا كأنهُ يهربُ.
يبدو أنَّ دانيال رقيقَ القلبِ لم يستطعْ تحملَ هذا الموقفِ.
عضَّ إدوارد على شفته ولحقَ بدانيال ليهدئه.
أما أنا، فبقيتُ أمسحُ على ظهرِ ليو الذي يتشبثُ بي بذعرٍ.
انقبضَ قلبي. كانَ شرحُ الموقفِ لليو صعبًا لدرجةِ أنني شعرتُ بالدوارِ.
“سيكونُ لليو أمٌ جديدةٌ وأبٌ جديدٌ.”
“ليو لا يحتاجُ لأمٍ وأبٍ جديدينِ. أختي و إخوتي كافون.”
“هناكُ ستأكلُ طعامًا لذيذًا كلَّ يومٍ.”
“لا أريدُ الطعامَ. لا تتخلّي عني يا أختي.”
“حتى حلوى الليمون؟ سيمكنكَ أكلُها كلَّ يومٍ.”
“لا أريدُ! أنا لا أحبُّ حلوى الليمون!”
“أنا لا أتخلى عنكَ. نحنُ سنفترقُ لفترةٍ قصيرةٍ فقط.”
“كلااااا! وااااااااااه. أختي. لا تتخلي عني. أريدُ العيشَ معَكِ. حسنًا؟ أختي.”
في النهايةِ، انفجرَ ليو بالبكاءِ المريرِ. لا شكَّ أنهُ كانَ خائفًا جدًا من كلماتي.
انتحبتُ وحاولتُ تهدئتَه بسرعةٍ.
“أنا لن أتخلى عنكَ. لماذا قد تتخلى أختُكَ عنكَ؟”
“لا أريدُ. وووااااه. لن أذهبَ. سأعيشُ معَ أختي و إخوتي. هييييك. لا تتركيني. آآآآآآه.”
“ليو. لا تبكِ. توقفْ.”
“أختـيييي. آآآآآآه. هآآآآآآه.”
“أنا لا أتخلى عن ليو، بل أرسلُه إلى مكانٍ أفضلَ.”
“لن أذهبَ. سآكلُ طعامي جيّدًا من الآنَ وسأسمعُ كلامَكِ ولن أتعاركَ معَ أخي الثاني. آآآآآآه. وااااه.”
شعرتُ بطعمِ الدموعِ المالحِ في فمي. وابتلت كتفي بدموعِ ليو الدافئةِ.
كانَ صغيرًا، لكنَّ قوتَه في احتضانِ عنقي كانت شديدةً لدرجةِ أنني شعرتُ بالاختناقِ.
“أختـيييي. هييييك.”
“توقفْ. ليو، توقفْ!”
بما أنني كنتُ أبكي وأنا أقولُ ذلكَ، لم يكن لكلماتي أيُّ تأثيرٍ على ليو.
شعرتُ بالفشلِ في إقناعِه بهدوءٍ ورزانةٍ كالكبارِ.
شعرتُ بالإحباطِ لأنني لا أزالُ مجردَ طفلةٍ، ولا أجيدُ فعلَ أيِّ شيءٍ حقًا.
ولأنني عاجزةٌ هكذا، عليَّ إرسالُ ليو بعيدًا.
انتظرتُ حتى يهدأَ ليو بينما كانتِ الدموعُ والأنوفُ تسيلُ. ربتُّ على ظهرِه وهززتُ جسدي لأهدئَه كما يُهدَّأُ الرضيعُ لينامَ.
احتضنتُ ذلكَ الطفلَ ابنَ الثماني سنواتِ، والذي كانَ أضخمَ من أقرانِه، حتى كادت ذراعيَّ تنخلعانِ.
لم يهدأْ ليو إلا بعدَ فترةٍ طويلةٍ. سألتُه وهو يشهقُ: “ليو، هل انتهيتَ من البكاءِ؟”
“أختي، لن ترسليني، أليسَ كذلكَ؟”
“أختُكَ لا تتخلى عنكَ. ولا يعني هذا أنني لا أحبُّكَ.”
“أختـيييي. اهييء.”
“توقف! لا تبكِ، ليونارد هيرينغتون!”
عندما صرختُ بنبرةٍ حازمةٍ عمدًا، كتمَ ليو شهقاتِه وحاولَ حبسَ بكائهِ.
تلاقت عيناهُ معَ عينيَّ اللتينِ تحملانِ نفسَ اللونِ.
ابتلعتُ ريقي وتحدثتُ بحزمٍ. هل سأتمكنُ من قولِ مثلِ هذهِ الأشياءِ دونَ اكتراثٍ عندما أصبحُ بالغةً؟ قلبي يؤلمني بشدةٍ.
“أختُكَ تحبُّ ليو حقًا حقًا. وإخوتُكَ أيضًا يعتزونَ بكَ ويحبونَكَ كثيرًا، حتى لو لم يظهروا ذلكَ.”
“ولكن لماذا تريدونَ إرسالي؟ ألا يمكنني البقاءُ معَ أختي وإخوتي؟”
“ليو. أنتَ الآنَ صغيرٌ ولن تفهمَ مهما قلتُ لكَ. المهمُ هو، أنَّ أختَكَ… أختَكَ… هيك، اهئ. تحبُّ ليو حقًا.”
“أختي.”
“ليو، أنا آسفةٌ. أنا آسفةٌ حقًا. هذا لأنَّ أختَكَ مقصرةٌ جدًا. أنا آسفةٌ، ليو. هيييينغ.”
هذهِ المرةِ، انفجرتُ أنا. لم أستطعِ التوقفَ عن البكاءِ. وبمجردِ أن بدأتُ أنا، بدأَ ليو بالبكاءِ مرّةً أخرى.
في النهايةِ، بقينا نحتضنُ بعضَنا ونبكي لفترةٍ طويلةٍ، طويلةٍ جدًا.
* * *
مرَّ الوقتُ بسرعةٍ وقسوةٍ رغمَ قلّتِه.
ظلَّ ليو متشبثًا بيدي طوالَ اليومِ، يتبعني كظلي أينما ذهبتُ، رافضًا الفراقَ عني ولو للحظةٍ.
حتى عندَ تناولِ الطعامِ أو الذهابِ للمرحاضِ، كانَ يفزعُ ويبدأُ بالبكاءِ إن لم يجدني بجانبِه.
كانَ قلبي يتمزقُ ويحترقُ لرؤيتِه هكذا.
بقيَ إدوارد طوالَ الوقتِ بوجهٍ متصلبٍ يعضُّ على شفتيخ، بينما انغلقَ دانيال على نفسِه في غرفة الأولاد ورفضَ الخروجَ، حتى إنهُ امتنعَ عن الطعامِ.
وبينما كنتُ أحاولُ رعايةَ إخوتي، وصلَ الزوجانِ بولدوين.
عندما رأى إدوارد العربةَ تدخلُ الميتمَ، نهضَ من مكانِه بسرعةٍ.
رأيتُه يعضُّ شفتَه بقوةٍ.
بمجردِ سماعِ صوتِ عجلاتِ العربةِ، خرجَ دانيال من غرفتِه واحتضنَ ليو المتشبثَ بي بقوةٍ.
“أُ… أختي. أنا… أنا…”
كانَ وجهُ دانيال شاحبًا للغايةِ. سحبتُ دانيال واحتضنتُ رأسَه.
شعرتُ بجسدِه يرتجفُ في حضني.
“أختي، لا أستطيعُ إرسالَه. مـ-ماذا نفعلُ؟ لا أستطيعُ.”
عندَ سماعِ كلماتِ دانيال، تعلّق ليو بخصري وصرخَ: “أختي، لن أذهبَ! سأبقى معكم!”
“أختي، سأتولّى أنا أمرَ ليو.”
“ليو لن يذهبَ إلى أيِّ مكانٍ! أخي الأكبرُ غبيٌّ! يا صاحبَ الرائحة النتنةِ! اذهب بعيدًا!”
“كلا. أنا…”
“سأفعلُ ذلكَ.”
إدوارد، الذي أعلنَ قرارَه بصرامةٍ، رفعَ ليو وفصلَه عني رغمَ تشبثِه الشديدِ. بدأَ ليو يتخبطُ بقوةٍ ويصرخُ: “لا أريدُ! سأبقى معَ أختي! اتركني! أخي الأكبرُ أحمقُ! أنتَ ساحرةٌ شمطاءُ! أنزلني! أختـيييي! أختـيييييي! لاااااا!”
كانَ إدوارد يتلقى ضرباتِ قبضةِ ليو، لكنه ظلَّ ممسكًا بهِ بقوةٍ.
وأصبحت صرخاتُ ليو أكثرَ فظاعةً.
“أختـيييي! آآآآآآه!”
كانَ صوتُ ليو يشبهُ نصلًا حادًا. وفي تلكَ الأثناءِ، دخلَ الزوجانِ بولدوين من بابِ الميتمِ برفقةِ السيّدةِ ميلر.
كانَ ليو يتمددُ على الأرضِ ويرمي بكلِّ ما تصلُ إليهِ يداهُ نحو إدوارد.
“أختـيييي! أختـيييي!”
كانت صرخاتُ الطفلِ الذي شعرَ بالفراقِ الوشيكِ أكثرَ مأساويةً مما توقعتُ. اقتربتُ من الزوجينِ بولدوين وأنا أنتحبُ.
“خذوهُ بسرعةٍ. بسرعةٍ…”
أردتُ أن أقولَ لهُ وداعًا أخيرًا، لكنني شعرتُ أنني لن أستطيعَ.
فلو فعلتُ ذلكَ، كنتُ سأرتمي على الأرضِ مثلَ ليو وأصرخُ في وجهِ الزوجينِ بولدوين.
حملَ السيّدُ بولدوين ليو الذي كانَ يصرخُ ويبكي بحرقةٍ.
دوّت صرخاتُ ليو في أذني.
“أختـيييي! أختـيييي! لا أريدُ! هآآآآآآه!”
لم أعد أملكُ القوةَ لرؤيةِ ليو وهو يرحلُ، فارتميتُ على الأرضِ.
وانفجرتُ بالبكاءِ. شعرتُ بالمرارةِ من هذا العالمِ. كانَ الواقعُ الذي نعيشُ فيهِ والأنانيّةُ التي يتصفُ بها الزوجانِ بولدوين مروعينِ.
“أختي.”
“أختي….”
اقتربَ مني إدوارد ودانيال واحتضناني.
لم أكن أدركُ حتى مدى فظاعةِ بكائي.
كلُّ ما شعرتُ بهِ هو أنَّ قلبي يؤلمني بشدةٍ.
“أختي، هيك. ليو، هل سيتأقلمُ جيّدًا؟”
“أختي. لا تبكي. لا تبكِ يا دانيال.”
قالَ إدوارد ذلكَ، لكنَّ عينيهِ كانتا مغرورقتينِ بالدموعِ.
بقينا نحتضنُ بعضَنا ونبكي بحرقةٍ.
سرعانَ ما سُمعَ صوتُ العربةِ وهي تغادرُ.
وابتعدَ صوتُ بكاءِ ليو تدريجيًا. شعرتُ وكأنَّ شيئًا ما بداخلي قد انقطعَ واختفى.
“كـ-كلا.”
نهضتُ فجأةً وبدأتُ أركضُ.
تُرجـمَ مِـن قِبَـلِ ليـنو
ذا رابط قناتي لمتابعة الفصول المتقدمة لمعرفة بقية أعمالي💜💜https://t.me/+hWEe_I1cmx82MTMy
التعليقات لهذا الفصل " 25"