الفصل 20
بالنسبة لإدوارد، كانت ليليبيت هي الأبعد عنه من بين أفراد العائلة.
كان والداه عزيزين على قلبه بطبيعة الحال، وأخواه الصغيران، رغم اختلاف طباعهما، كانا يشتركان معه في كونهما ذكوراً، مما أوجد لغة تفاهمٍ ما بينهم.
أما ليليبيت، فكانت تختلف عنه في الجنس والطباع تماماً؛ وبمقاييس إدوارد، كانت تنتمي لفئة من البشر يستحيل عليه فهمها.
–”إدوارد، لِمَ لا تحاول أن تكون أكثر تودداً لأختك؟”
–”طباعي وطباع أختي تختلفان تماماً يا أمي.”
كانت ليليبيت شخصاً يحب الاختلاط بالأصدقاء واللعب أكثر من الدراسة، تفيض مشاعرها في أمور يراها هو تافهة، ولا تكف عن الثرثرة والضحك.
بالمقابل، كان إدوارد يفضل القراءة وخوض التحديات المختلفة، يغلب عقله على عاطفته، وكانت أحاسيسه تميل إلى الجمود.
لذا، كان يجد صعوبة دائماً في التعامل معها؛ ولم تتقلص الفجوة بينهما قط، بل كانت علاقتهما تبدو هشة وكأنها ستنقطع بمجرد غياب الوالدين.
رغم كل ذلك، حين فكر في احتمالية حدوث مكروه لها، سقط قلبه في جوفه ذعراً.
“دانيال، هل حدث خطب ما لأختي؟”
شعر وكأن لمسة يدها الصغيرة لا تزال على معصمه؛ وصورة دمها الذي بلل كمه لا تفارق خياله.
فمهما اختلفا في الطباع، يبقيان عائلة يجمعها دم واحد.
والشجاعة التي أظهرتها ليليبيت في ذلك اليوم، كانت برهاناً على هذا الرباط.
“الحقيقة أن أختي… استدعتها السيّدة ميلر مجدداً.”
“أخبرني بالتفصيل. هل رحل تجار العبيد هكذا ببساطة؟”
“لقد كانوا يصرخون بغضب ويبحثون عن شخص ما، لكنهم تشاجروا مع السيّدة ميلر ثم طردتهم.”
حلل إدوارد الموقف بسرعة؛ سلّم ليو لدانيال وهرع فوراً نحو غرفة السيّدة ميلر.
لقد أخبره دانيال سابقاً أن السيّدة ميلر قد رفعت يدها على ليليبيت وحبستها في غرفة العقاب من قبل؛ لذا كسا الظلام وجهه قلقاً على أخته.
لم يكن طرق الباب طلباً للإذن بقدر ما كان إعلاناً عن دخوله، ففتح الباب ودلف للداخل قبل أن يأتيه الرد.
في الداخل، كانت ليليبيت في خضم حديث جاد مع السيّدة ميلر، وعلامات الذعر تكسو وجهها.
“إدوارد!”
ما إن رأته ليليبيت حتى استبشر وجهها فوراً؛ فقد كانت تخشى أن يكون إدوارد وليو قد صادفا تجار العبيد.
“أنا بخير يا أختي.”
“أنتما بخير، لكن الأمور هنا ليست بخير على الإطلاق.”
قالت السيّدة ميلر بصوت بارد؛ اتخذ إدوارد مكانه بجانب ليليبيت، التي لخصت له ما دار بينها وبين السيّدة ميلر.
“سيتم نقلنا إلى منطقة أخرى قريباً.”
“منطقة أخرى؟ وهل ستذهبين معنا يا أختي؟”
“سيكون الأمر صعباً على أختك. نظراً لعمرها، يجب أن تذهب لمكان متخصص في رعاية الفتيات الكبار.”
“مستحيل. سأذهب إلى حيث يذهب الصغار.”
“كفي عن العناد. هذا هو القانون، فإلى متى ستستمرين هكذا؟”
“إذن، سأذهب لزيارة عرابتي في كيرتا. إن تحدثتُ معها وجهاً لوجه، فسنصل لنتيجة جيدة.”
“هذا كلام فارغ!”
“ولماذا هو فارغ؟ سأحتاج لأسبوع واحد فقط للذهاب إلى كيرتا، ولماذا أحتاج لإذنكِ أصلاً؟”
“يا لكِ من فتاة متمردة لا تسمع الكلام أبداً!”
استبد الغضب بالسيّدة ميلر فرفعت يدها بشكل عفوي لتضربها؛ انكمشت ليليبيت على نفسها كرد فعل غريزي.
لكن الضربة لم تقع؛ خففت ليليبيت الضغط عن عينيها المغلقتين وفتحتهما قليلاً.
رأت السيّدة ميلر وهي تحدق في إدوارد بوجه محتقن باللون الأحمر من شدة الغيظ.
كان إدوارد ينظر إليها بجمود، دون أن يطرف له جفن، مثبتاً عينيه في عينيها.
‘لماذا تتصرف السيّدة ميلر هكذا؟’
كانت عينا إدوارد وهما ترقبانها تلمعان بحدة؛ نظرته المظلمة ووجهه البارد، لو كانا لرجل بالغ لارتعدت الفرائص منهما، فكيف وهما لصبي مراهق.
جزت السيّدة ميلر على أسنانها وأنزلت يدها؛ ثم أمرتهما بالخروج من الغرفة وهي تزفر غضباً.
بعد خروجهما، سألت ليليبيت إدوارد: “ألم تلاحظ أن تلك الساحرة العجوز بدت وكأنها تخشى نظراتك؟”
“هذه مجرد أوهام يا أختي.”
“حقاً؟ على أي حال، إن لم تسمح لي السيّدة ميلر، فسأضطر للتسلل والذهاب إلى كيرتا مهما حدث.”
“هل ستكونين بخير؟”
“الأمر لا يتعلق بكوني بخير أم لا، بل هو أمر يجب عليّ فعله. ولكن ما خطب السيّدة ميلر؟ ليست من شيمها التراجع هكذا…”
ابتسم إدوارد لليليبيت ابتسامة خفيفة.
بما أنهما بخير الآن، قررت ليليبيت ألا تشغل بالها كثيراً بتصرفات السيّدة ميلر.
وحده إدوارد من كان يدرك النوايا الخبيثة والقبيحة للسيّدة ميلر، فبقيت ملامح وجهه متصلبة.
* * *
بينما كانت ليليبيت بعيدة مع ماتيلدا لغسل الملابس، وقع شجار بين الأطفال كالعادة.
بدأ الأمر بسبب تافه؛ فليو، الذي اعتاد على حياة الدار وزال عنه الخجل، كان يلعب مع أقرانه.
وكعادة ألعاب الأطفال، نشب خلاف بسيط يصعب فيه لوم طرف دون الآخر، فتدخل دانيال ليدافع عن ليو.
حينها حدث ما لم يكن في الحسبان؛ صرخ الطفل الذي يُعتبر زعيم الصغار في الدار وتفوه بكلماتٍ قاسية.
“لا تتدخل أيها الوحش!”
حبس دانيال أنفاسه عند سماع كلمة ‘وحش’؛ وقبل أن يرتسم الحزن في عينيه، برز ليو وصرخ بقوة: “أخي ليس وحشاً!”
“أخوك وحش، ألا تعرف ذلك بعد؟ يا لك من أحمق يا ليو هيرينغتون.”
“لست أحمق! اسحب كلامك!”
“دانيال هيرينغتون وحش! إنه وحش! وليونارد هيرينغتون أحمق وغبي!”
احمرّ وجه ليو حتى كاد ينفجر من سخرية الأطفال، فصرخ بأعلى صوته: “قلت لكم ليس وحشاً! لا تنادوه بالوحش!”
“بما أنه أخو الوحش، فلا بد أنه وحش هو الآخر!”
“لست وحشاً! وأخي أيضاً ليس وحشاً!”
ثار ليو وبدأ يلهث غضباً، فحاول دانيال تهدئته؛ فقد اعتاد دانيال على مثل هذه السخرية ويعرف أن أفضل رد هو التجاهل، لكن ليو كان مختلفاً.
“ليو، لا تتشاجر.”
“إنه وحش! إنه وحش!”
“آآآآآآه!”
فقد ليو أعصابه وانقضّ بقبضتيه نحو الأطفال الساخرين؛ حاول دانيال الإمساك به، لكنه كان نحيلاً وضعيفاً، فدُفع للخلف بسهولة.
“ليو، توقف!”
صرخ دانيال محاولاً منعه؛ وفي تلك اللحظة…
“اتركنييي!”
ظهر إدوارد من حيث لا يحتسب أحد وأمسك بليو.
رُفع ليو في الهواء، فبدأ يركل بقدميه نحو الأطفال وهو يستشيط غضباً.
وحين رأى أن إدوارد لا ينوي تركه، انهمرت دموعه عجزاً وقهراً.
“هيينغ. لقد نادوا أخي ونادوني بالوحوش.”
تقدحت عينا إدوارد بالشر؛ فحبس الأطفال أنفاسهم من تلك النظرة الحادة.
كانت نظرات إدوارد تملك قوة تجمد الدماء في العروق؛ قوة تحطم كبرياء الخصم، وتنزع منه زمام المبادرة، وتجبر الجميع على عدم الاستهانة به.
ولهذا السبب، رغم أنه لم يمضِ وقت طويل على وصوله، صار يُعامل كشخص لا يجوز العبث معه في الدار.
“مـ-ـاذا تنظر!”
قالها طفل في مثل عمر إدوارد وهو يرفع ذقنه متحدياً.
لم يرد إدوارد، بل اكتفى بمراقبته بوجه هادئ تماماً، مما جعل الطفل يزداد غطرسة.
“خذ أخاك الوحش وهذا المهر الجامح وارحلوا من هنا! العيش معكم في نفس المكان أمر مقزز!”
ارتجف حاجبا إدوارد؛ بينما كان دانيال يرتعش ويحبس دموعه، واستمر ليو في ضرب يد إدوارد بوجهه المحتقن.
“اسحب كلامك! أخي ليس وحشاً!”
“دانيال، خذ ليو وادخلا إلى الداخل.”
“……”
لم يسمع دانيال كلمات إدوارد من شدة شهقاته، فرفع إدوارد صوته مجدداً.
“دانيال، خذ ليو واذهبا للداخل الآن.”
“آ-آه؟”
“أخي، اتركني! سألقنهم درساً لن ينسوه! سحقاً!”
سلم إدوارد ليو لدانيال؛ توقف ليو عن التخبط حين شعر بقوة قبضة إدوارد على ذراعه، ورفع رأسه لينظر إلى أخيه الأكبر بعينين واسعتين.
“ليو، اترك الأمر لي، سأهتم بكل شيء.”
“……”
رغم نبرته التي توحي بكتمان الغضب، كان تعبير وجه إدوارد في غاية اللين.
مسح على رأس ليو ثم نظر إلى دانيال.
“كن ولداً مطيعاً يا ليونارد هيرينغتون.”
“أخي الكبير…”
زمّ ليو شفتيه ثم أمسك بيد دانيال، والتفت فجأة ليصرخ فيه: “أخي، لنذهب لنتسلق الأشجار!”
وهكذا جرّ ليو دانيال وخرجا مسرعين إلى ساحة الدار.
بمجرد غياب الأخوين عن الأنظار، تغيرت ملامح إدوارد تماماً.
اختفت الابتسامة وحل مكانها ظل ثقيل على ملامحه الوسيمة؛ كانت نظراته حادة لدرجة تخترق الخصم، نظرة لا يمكن لطفل في عمره أن يقلدها.
“أ-أنت، ماذا تريد أيضاً؟”
“قبل فترة، قلبت السيّدة ميلر الدار رأساً على عقب بحثاً عن قلادتها المفقودة، أتذكر؟”
“وما دخل ذلك بما يحدث الآن؟”
“لأنني رأيتك تحوم قرب غرفة السيّدة ميلر في تلك الليلة.”
“مـ-ـاذا؟ مـ-ـاذا تقول! أتقصد أننا سرقناها؟”
“في تلك الليلة، تظاهر أحد أصدقائك بآلام حادة في بطنه ليثير جلبة. هذا استنتاجي… لنفترض جدلاً: بينما ذهبت السيّدة ميلر للمرحاض، كان أخوك يراقب لك الطريق وصديقك يتظاهر بالمرض، وفي تلك الأثناء قمتَ أنت بـ..”
ابتسم إدوارد ابتسامة خفيفة؛ ارتسمت الابتسامة على شفتيه، لكن عينيه لم تضحكا قط.
“لم يحدث ذلك!”
“حسناً، ربما لم يحدث. لكني سأخبر السيّدة ميلر بشكوكي.”
“مـ-ـاذا قلت؟”
“وحينها ستواجه تحقيقها المرير؛ وقد تُحبس في غرفة العقاب حتى تظهر الحقيقة.”
بدأ الأطفال الذين كانوا يسخرون منهم بالارتباك والتهامس عند سماع كلمات إدوارد.
فبغض النظر عن هوية السارق، الجميع يعرف طباع السيّدة ميلر، وما إن يبدأ الشك في قلبها حتى يذوق الجميع الويلات.
أمام وجوههم التي شحب لونها، قدم إدوارد عرضه بأسلوب مهذب: “لكن، إن اعتذرتم لأخويّ رسمياً ووعدتموني ألا تسخروا منهما مجدداً، سأبقي الأمر سراً.”
ما إن أنهى إدوارد كلامه حتى صرخ أحد الأطفال: “أ-أعدك! لن نسخر منهما أبداً!”
“وأنا أيضاً! لن أفعل ذلك مجدداً.”
“لنذهب ونعتذر لدانيال فوراً!”
في النهاية، أقسم الأطفال لإدوارد ألا يكرروا ما حدث اليوم، وهرعوا جميعاً للاعتذار.
راقب إدوارد الأطفال وهم يتجاوزونه بحثاً عن دانيال وليو، فارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة، وتمتم بنبرة لاذعة.
“تسك تسك، يا لكم من حمقى. أنا من سرق تلك القلادة.”
وبعد أن سخر منهم في سره، لمح ليليبيت وهي عائدة من غسل الملابس عند بوابة الدار، فخرج لاستقبالها.
كان وجه إدوارد وهو يرحب بليلبيث خالياً تماماً من أي أثر لما حدث قبل قليل؛ فلم يكن هناك داعٍ لإظهار الأمر، ولم يكن ينوي ذلك أصلاً.
لا يزال إدوارد غير قادر على فهم ليليبيت، فهما من طينتين مختلفتين تماماً.
لكن حقيقة كونهما عائلة كانت أمراً لا يقبل الإنكار؛ وبدأ إدوارد يشعر بامتنان خفي تجاه هذه الحقيقة.
كونه أخاً لليليبيت، وكون ليليبيت أخته.
ترجمة: ميل
الفصول المتقدمة موجودة بقناة التلغرام المثبتة
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 20"